
عمان – تعكس مقابلة جلالة الملك عبدالله الثاني مع وكالة الأنباء الرسمية الصينية “شينخوا” توجها أردنيا للتعامل مع التحولات في النظام الدولي عبر تنويع الشراكات وتوسيع الخيارات، مع بقاء القضية الفلسطينية في صلب السياسة الخارجية.
ووفق تحليلات خبراء بالشأن السياسي والإستراتيجي، في تصريحات لـ”الغد”، فإن الربط بين فلسطين والصين وصعود دول الجنوب العالمي يحمل رسالة بأن معالجة القضية الفلسطينية لم تعد مسؤولية قوة دولية واحدة، وأن تنامي الدور الصيني وصعود قوى الجنوب يفتحان المجال أمام تعددية أكبر في التأثير الدولي ودعم حل الدولتين.
ويؤكد مختصون أن إبراز الدور الصيني، يعكس إدراكا أردنيا لتحول بكين إلى مركز ثقل اقتصادي وسياسي، يمكن البناء على نفوذه في دعم القضايا العربية، إلى جانب الاستفادة من الفرص الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والتكنولوجية التي توفرها الشراكة مع الصين.
ويشيرون إلى أن هذا الانفتاح لا يعني ابتعاد الأردن عن الولايات المتحدة أو الغرب، بل يمثل سياسة “تنويع للشراكات وتوسيع للخيارات”، بما يمنح المملكة هامشا أوسع للحركة في ظل إعادة تشكيل موازين القوى.
تتنويع الخيارات الدبلوماسية
وفي قراءة لهذه الرسائل، أكد الخبير العسكري والإستراتيجي د. نضال أبو زيد، أن انفتاح الخطاب السياسي والدبلوماسي الأردني باتجاه الصين يعكس توجها نحو تنويع الخيارات الدبلوماسية، وليس ابتعادا عن الولايات المتحدة، التي ترتبط مع الأردن بعلاقات إستراتيجية راسخة، خصوصا في المجالين الدفاعي والأمني.
وتابع، إن التحرك الأردني نحو الصين يبدو مدفوعا بدرجة أكبر باعتبارات اقتصادية ودبلوماسية، في ظل تنامي دور بكين وعلاقاتها الواسعة مع القوى الاقتصادية الكبرى في آسيا، بما يتيح للأردن توسيع هامش خياراته وشراكاته الدولية وعدم حصرها في المسار الغربي.
وأضاف أن هذا التوجه يأتي أيضا في سياق تحولات أوسع في مواقف دول المنطقة تجاه الولايات المتحدة، لا سيما مع ارتباط السياسة الأميركية الحالية بالموقف الإسرائيلي، في وقت ينظر فيه الأردن إلى إسرائيل باعتبارها أحد مصادر التهديد الإقليمي.
ويشير الى أن تعزيز العلاقات مع الصين يمثل، في هذه المرحلة، محاولة لإعادة التموضع وتنويع الشراكات، بانتظار اتضاح مسار السياسة الأميركية ونتائج الانتخابات النصفية المقبلة، بما يسمح للأردن بإعادة تقييم تموضعه في ضوء التحولات الدولية والإقليمية.
رسالة للمجتمع الدولي
بدوره، يرى الخبير الأمني والسياسي والاستراتيجي د. بشير الدعجة، أن الربط الذي قدمه جلالة الملك بين القضية الفلسطينية والدور الصيني المتنامي وصعود دول الجنوب العالمي، يتجاوز توجيه رسالة إلى بكين، ليعكس قراءة أردنية للتحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي وتوزع مراكز القوة والتأثير.
وتابع: “الرسالة الأهم في مقابلة جلالة الملك أنها لم تكن رسالة موجهة إلى الصين وحدها، بل كانت رسالة إلى المجتمع الدولي كله بشأن طبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي”، موضحا أن جمع هذه الملفات في إطار واحد يؤكد أن معالجة أزمات المنطقة لم تعد مسؤولية طرف دولي واحد، وإنما تتطلب تعددية سياسية أوسع ومشاركة القوى الصاعدة في صناعة الحلول.
ويشير إلى أن القضية الفلسطينية تحتل موقعا محوريا في هذه الرؤية، باعتبارها ليست ملفا إقليميا منفصلا، وإنما قضية ترتبط مباشرة بالأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. فاستمرار الصراع، وفق الدعجة، يعني استمرار بيئة التوتر والتطرف وإعادة إنتاج الأزمات، ولذلك يؤكد الأردن أن الحل يبدأ بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة وذات سيادة على خطوط الرابع من حزيران (يونيو) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش إلى جانب إسرائيل بأمن وسلام.
أما الربط مع الصين، فيعكس، بحسب الدعجة، إدراكا أردنيا لمكانة بكين المتنامية وقدرتها على التأثير في القضايا الدولية، خصوصا أن الصين عضو دائم في مجلس الأمن وتمتلك ثقلا اقتصاديا وسياسيا متزايدا.
ولفت الى إن وصف جلالة الملك للصين بأنها “صوت مؤثر على المستوى العالمي وشريك رئيسي” يعني أن الأردن يرى في بكين قوة يمكن البناء على دورها لدعم حل الدولتين وتوسيع دائرة الفاعلين في جهود السلام.
وأضاف أن المقصود ليس أن تحل الصين محل الولايات المتحدة أو أوروبا، وإنما “توسيع دائرة الفاعلين في عملية السلام”، بما يمكن أن يسهم في خلق توازن أكبر في المواقف الدولية وتعزيز حضور القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة في معالجة القضية الفلسطينية.
وبين أن الأهم في المقابلة هو عدم تقديم الصين باعتبارها قوة اقتصادية فقط، وإنما باعتبارها مركزا مؤثرا في إعادة تشكيل النظام الدولي.
وقال إن وصفها بأنها “مركز ثقل عالمي للقوة الاقتصادية والسياسية” يعكس حقيقة أن نفوذها بات يمتد من الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا إلى الدبلوماسية والأمن الدولي.
ويكتسب الحديث عن الجنوب العالمي دلالة استراتيجية أوسع، إذ يعكس، وفق الدعجة، إدراكا أردنيا بأن مراكز القوة الدولية لم تعد محصورة في القوى الغربية التقليدية، وأن دول الجنوب العالمي أصبحت تمتلك وزنا متزايدا في الاقتصاد والأمن والتنمية وصياغة قواعد الحوكمة العالمية.
ويؤكد أن هذه الرؤية تنسجم مع توجه أردني يقوم على دعم نظام دولي أكثر تعددية وتوازنا، بحيث لا تكون الدول العربية مجرد متلقية للتحولات الدولية، بل شريكا في صياغتها، لا سيما في ظل اتساع المصالح المشتركة بين الدول العربية والصين في مجالات التنمية والتجارة والاستثمار والطاقة والأمن والاستقرار.
ويقرأ الدعجة هذه الرسائل باعتبارها انعكاسا مباشرا لفلسفة السياسة الخارجية الأردنية، التي تقوم على تنويع الشراكات وعدم الانخراط في سياسة المحاور.
ويضيف أن الدبلوماسية الأردنية تسعى، في ظل محدودية الإمكانات مقارنة بالقوى الكبرى، إلى تعظيم النفوذ عبر الموقع الجيوسياسي والعلاقات الدولية الواسعة والقدرة على التواصل مع مختلف مراكز القوة والتأثير.
ولذلك فإن تنويع الشراكات لا يمثل خيارا اقتصاديا فحسب، بل يتحول إلى جزء من منظومة الأمن الوطني، في ظل تعدد التحديات التي تشمل أمن الطاقة والمياه والغذاء وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والأمن السيبراني.
وفي البعد الاقتصادي، يرى الدعجة أن الرسالة الملكية تفتح المجال أمام انتقال العلاقات الأردنية الصينية من التعاون التقليدي إلى شراكة إنتاجية واستثمارية أعمق، تقوم على تكامل المزايا بين البلدين، من خلال الموقع الاستراتيجي الأردني والموارد والكفاءات البشرية واتفاقيات التجارة الحرة، مقابل رأس المال والخبرة الصناعية والتكنولوجية والأسواق الصينية والعالمية.
ويوضح أن الرسالة الملكية الأساسية هي أن “النظام الدولي يتغير، وأن موازين القوة تتوزع تدريجيا على عدد أكبر من المراكز”، وأن الصين ودول الجنوب العالمي أصبحت أطرافا لا يمكن تجاوز دورها، لكن الأردن لا يسعى إلى استبدال محور بمحور، وإنما إلى نظام دولي أكثر توازنا يقوم على القانون الدولي والتعددية والحوار.
ويشدد على أن القضية الفلسطينية تبقى في قلب هذه المعادلة، لأن أي حديث عن نظام دولي أكثر عدالة ومصداقية سيظل ناقصا ما لم ينعكس على إنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين. ومن هنا تأتي أهمية الدور الصيني الذي دعا جلالة الملك إلى البناء عليه، باعتباره إضافة نوعية إلى الجهد الدولي، لا بديلا عن أي طرف آخر.
ويمكن السياسة الأردنية في هذه المرحلة يمكن اختصارها في “تنويع الشراكات، وتوسيع الخيارات، وحماية المصالح الوطنية في عالم يتغير بسرعة”، من دون التخلي عن الثوابت الوطنية والقومية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والقدس وحل الدولتين.
إدراك لأهمية بكين
من ناحيته، أكد رئيس الجمعية الاردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن الربط الملكي بين القضية الفلسطينية والدور الصيني المتنامي يعكس إدراكا أردنيا لأهمية بكين كقوة اقتصادية وسياسية صاعدة، يمكن توظيف دورها في دعم القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي.
وتابع، إن “جلالة الملك بزيارته للصين يدرك أهمية الدور الصيني في المنطقة وضرورة تفعيله لخدمة القضايا العربية، وعلى رأسها طبعا القضية الفلسطينية”، مشيرا إلى أن الصين عززت حضورها عبر العلاقات الاقتصادية والتجارية ومبادرة الحزام والطريق، التي وسعت ارتباطاتها مع دول عربية وأفريقية وأوروبية، ما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوة الدولية، ويتيح للأردن فرصا أوسع في التعاون التجاري والصناعي ونقل التكنولوجيا.
ويشدد على أن أهمية هذا التوجه بالنسبة للأردن تتجاوز البعد الاقتصادي، في ظل موقع المملكة الاستراتيجي في منطقة مضطربة، معتبرا أن تنويع الشراكات مع القوى الصاعدة، وفي مقدمتها الصين، يعزز قدرة الأردن على حماية مصالحه والاستفادة من التحولات الجارية في النظام الدولي.
ويلفت إلى أن المرحلة الراهنة تتيح “تعميق التعاون الاقتصادي التجاري الصناعي، ونقل التكنولوجيا للأردن”، بما ينسجم مع حاجة المملكة إلى توسيع خياراتها وشراكاتها في ظل إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، مع توظيف هذه العلاقات لخدمة القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
اقرأ أيضا: بعد عودتهما.. زوج نهى نبيل يهديها “فيراري” تتجاوز قيمتها…
