لم يكن الأمر هذه المرة عن هدف صاروخي مزق شباك المنافسين، ولا عن قدم يسرى صنعت واحدة من أشهر التسديدات في تاريخ كرة القدم، ولا عن ذكريات لاعب رفع كأس العالم عام 2002 مع منتخب البرازيل.
اقرأ أيضا: مرحلة تقليل الاغتراب.. رابط موقع التنسيق الإلكترونى للتسجيل
هذه المرة كان روبرتو كارلوس في قلب المشهد بسبب سؤال مختلف تماما: هل اعتنق الإسلام؟
خلال ساعات قليلة، تحول اسم النجم البرازيلي الكبير إلى حديث واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشرت عبارات التهنئة والفرح، وكأن العالم أمام لحظة استثنائية، البعض رأى في الأمر خبرا مبهجا، والبعض اعتبره حدثا يحمل رمزية كبيرة، بينما ظل السؤال الأهم يبحث عن مكان وسط كل هذا اللغط: هل نحن أمام حقيقة مؤكدة أم أمام رغبة في تصديق خبر جميل؟
بدأت القصة بعد تقارير ربطت بين زواج روبرتو كارلوس من المغربية سهيلة الطاهري وبين حديث عن اعتناقه الإسلام، وانتشرت روايات حول نطقه الشهادة بحضور أحد المشايخ، قبل أن يخرج اللاعب نفسه ليوضح الحقيقة، مؤكدا احترامه الكبير للإسلام، لكنه نفى أن يكون قد اعتنق الدين الإسلامي.
لكن بعيدا عن صحة الخبر أو عدم صحته، فإن القصة تفتح بابا أوسع للتأمل، لماذا نتعامل أحيانا مع اعتناق شخصية مشهورة لدين معين وكأنه انتصار يحتاج إلى الاحتفال؟
تحدثت في هذا الأمر مع صديقي وزميلي في العمل محمد عسكر، واختلفنا في زاوية النظر إليه، فهو يرى أن مثل هذه الأخبار تحمل أهمية كبيرة، باعتبار أن دخول شخصية عالمية في الإسلام قد يكون له تأثير في تعريف الآخرين بالدين وتصحيح بعض الصور النمطية عنه.
أما أنا، فأرى أن ردود الأفعال أحيانا تتجاوز حجم الحدث نفسه، وأننا نمنح أسماء المشاهير مساحة أكبر مما ينبغي، وكأن قيمة الدين ترتبط بمن يختار الانضمام إليه من أصحاب الشهرة والمكانة.
وبين الرأيين، ربما توجد مساحة أكثر هدوءا، فمن الطبيعي أن يفرح الإنسان عندما يرى شخصا معروفا يختار الطريق الذي يؤمن بأنه طريق الحق، فهذا شعور نابع من القناعة والاعتزاز، لكن هناك فارقا بين الفرح وبين تحويل الأمر إلى بطولة إعلامية، وبين الاحتفاء بخيار شخصي وبين اعتباره نصرا يحتاج إلى إعلان.
فالأديان الكبرى لم تنتشر لأن مشاهيرا حملوا أسماءها، ولم تتراجع لأن شخصيات عامة ابتعدت عنها، قوة الدين لا تأتي من قائمة النجوم الذين ينتمون إليه، وإنما من أثره في حياة البشر، ومن القيم التي يزرعها، ومن قدرته على صناعة إنسان أكثر صدقا ورحمة وعدلا.
اقرأ أيضا: بسمة وهبة: الجمهور هو من أطلق على محمد منير لقب الكينج
حقا إن وجود لاعب بحجم روبرتو كارلوس في دائرة الاهتمام بالإسلام قد يجذب الأنظار بلا شك، وقد يدفع البعض إلى البحث والقراءة والتعرف، وهذه نقطة إيجابية، لكن التأثير الحقيقي لا يصنعه اسم مشهور، لكن تصنعه القناعة التي تستقر في القلب، فالإنسان قد يقترب من فكرة بسبب قصة شخص، لكنه لا يبقى فيها إلا إذا وجد فيها معنى يؤمن به، والتاريخ مليء بأشخاص خاضوا رحلات طويلة من البحث والتأمل قبل أن يختاروا معتقداتهم، ولم تكن الشهرة أو العلاقات الاجتماعية وحدها هي التي صنعت قراراتهم.
وهنا تظهر زاوية أخرى مهمة: ماذا لو كان ارتباط شخص بدين معين جاء بسبب الزواج؟ هل يقلل ذلك من قيمة الاختيار؟
الإجابة ليست بهذه البساطة، فالزواج قد يكون نافذة يطل منها الإنسان على ثقافة جديدة، وقد يفتح أمامه أبوابا للتعرف على أفكار ومعتقدات لم يكن قريبا منها من قبل، لكن الإيمان في النهاية قرار شخصي عميق، لا يمكن اختزاله في علاقة عاطفية أو مناسبة اجتماعية، فهناك فرق بين احترام الإنسان لدين شريك حياته، وتقديره لشعائره وثقافته، وبين أن يتخذ قرارا عقائديا خاصا به.
وربما كان أجمل ما في رد روبرتو كارلوس أنه، رغم نفيه للخبر، تحدثه باحترام واضح عن الإسلام، وعدم تحويل الأمر إلى جدل أو إساءة، وتأكيده تقديره لمعتقدات زوجته وللخلفيات المختلفة داخل العائلة، وهنا نتوقف أمام قيمة نفتقدها أحيانا، هي أن احترام الآخر لا يعني بالضرورة أن يصبح نسخة منا، فقد يعيش الإنسان وسط ثقافة مختلفة، وقد يحب أشخاصا من ديانات أخرى، وقد يحترم طقوسهم ومعتقداتهم، دون أن يعني ذلك تغييرا في قناعاته الخاصة.
أما ردود الفعل المبالغ فيها التي صاحبت الشائعة، فهي تكشف شيئا عن علاقتنا الحديثة بالأخبار، فنحن أحيانا لا نحتفل بالحدث نفسه، إنما بالصورة التي نتمنى أن تكون حقيقية، نريد أن نرى النجم العالمي وقد أصبح جزءا من قصتنا، ونريد أن نرى الاسم اللامع وقد حمل الرسالة التي نؤمن بها، لكن الحقيقة تحتاج دائما إلى هدوء، لأن الإيمان ليس مباراة كرة قدم لها فائز وخاسر.
روبرتو كارلوس سيظل أسطورة كروية خالدة، سواء كان مسلما أو مسيحيا أو صاحب أي قناعة أخرى، وقيمة الإسلام لا ترتفع باعتناق لاعب له، كما أن مكانته لا تتأثر بنفي لاعب، وربما يكون الدرس الأهم من هذه القصة ليس في السؤال: هل أسلم روبرتو كارلوس أم لا؟ بل في سؤال أكبر: هل نقيس عظمة الأفكار بمن يحمل أسماءها، أم بما تصنعه هذه الأفكار في حياة البشر؟ فالأديان لا تحتاج إلى أسماء كبيرة حتى تكون عظيمة، لكنها تحتاج دائما إلى بشر عظماء يعكسون معانيها.
اقرأ أيضا: متعاطي للكحوليات.. القبض على المتهم بالتعدي على ركاب ميكروباص بالإسكندرية
