خلف الأبراج اللامعة.. حقيقة الحريات في الإمارات كما تصنفها التقارير الدولية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تواصل التقارير الدولية الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان وحرية الصحافة تصنيف دولة الإمارات ضمن الدول ذات المستويات المنخفضة في مؤشرات الحرية السياسية والمدنية وحرية الصحافة، في مقابل الصورة التي تحرص الدولة على تسويقها عالميا باعتبارها مركزا اقتصاديا منفتحا وقبلة للاستثمار والسياحة.

اقرأ أيضا: فضية وبرونزيتان للتايكواندو الأردنية في كأس الرئيس لمنطقة آسيا

وتجمع الإمارات، وفق هذه الصورة، أكثر من 200 جنسية في دبي وأبوظبي وحدهما، إلا أن هذا الانفتاح الاقتصادي الظاهر يتقاطع، في تقارير المنظمات الدولية المتخصصة بقياس الحريات وحقوق الإنسان، مع صورة أخرى أكثر تعقيدا، إذ تصنف الإمارات باستمرار ضمن خانة “غير حرة” في أبرز المؤشرات العالمية.

فكيف تقيم هذه المؤسسات وضع الحريات في الإمارات؟ وما الوقائع المحددة التي تستند إليها في تقييماتها؟.

ماذا يقول مؤشر “فريدوم هاوس”؟

أكد مؤشر الحرية العالمي في آخر إحصائية عام 2025 الصادر عن منظمة “فريدوم هاوس” الدولية أن دولة الإمارات تُعد دولة استبدادية وقمعية، إذ سجلت 18 نقطة فقط من أصل 100 في مؤشر الحرية العالمي، مع تصنيف واضح بأنها “غير حرة” في الحقوق السياسية والحريات المدنية.

ووفقا للتقرير، تقع الإمارات في أسفل القائمة في مؤشرات أساسية للحقوق السياسية والحريات المدنية، فيما تواصل السلطات فرض قيود صارمة على القمع السياسي، وحظر الأحزاب، وقمع المعارضة، وتقييد حرية التعبير والتجمع، إضافة إلى غياب أي انتخابات حرة ونزيهة ذات تأثير حقيقي على صنع القرار.

وتتكون الإمارات من اتحاد يضم سبع إمارات تقودها فعليا أبوظبي، في حين تُحظر الأحزاب السياسية، وتؤول السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في نهاية المطاف إلى الحكام السبعة الوراثيين، كما تخضع الحريات المدنية للمواطنين وغير المواطنين، الذين يشكلون الغالبية العظمى من السكان، لقيود كبيرة.

وتظهر البيانات أن الإمارات حصلت على 5 نقاط فقط من أصل 40 في مؤشر الحقوق السياسية، بما يعكس حالة من الاحتكار السياسي الكامل للسلطة.

وتُجرى انتخابات محدودة فقط لمجلس استشاري فيدرالي لا يمتلك صلاحيات تنفيذية حقيقية، بينما تُمنع الأحزاب السياسية، وتبقى السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية في أيدي سبعة حكام وراثيين تحدد قراراتهم مستقبل البلاد.

اظهار أخبار متعلقة

ولا يشارك المواطنون بصورة حقيقية في اختيار قادتهم، ولا تتاح لهم فرص التعبير عن خياراتهم السياسية بحرية، بينما تبقى مراكز صنع القرار محصورة في النخبة الحاكمة، بعيدا عن أي رقابة شعبية أو آليات ديمقراطية.

وعلى مستوى الحريات المدنية، سجلت الإمارات 13 نقطة فقط من أصل 60، وهو ما يعكس وضعا متدنيا للغاية بالنسبة إلى حرية التعبير، وحرية الاعتقاد، وحرية التجمع، وحرية الإعلام.

أما في تصنيف حرية الإنترنت لعام 2025، فسجلت الإمارات 28 نقطة من أصل 100، ما يشير إلى استمرار القيود الشديدة على المحتوى الرقمي، والمراقبة الحكومية للمستخدمين، والعقوبات التي تُفرض على التعبير السلمي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب استخدام تقنيات متقدمة لنشر التضليل لصالح الرواية الحكومية عبر الإنترنت.

وأكد التقرير أن حرية التعبير في الإمارات غير موجودة عمليا، إذ تفرض القوانين عقوبات على من يجرؤون على التعبير عن الرأي في موضوعات سياسية أو اجتماعية حساسة، سواء عبر وسائل الإعلام التقليدية أو الإنترنت.

محاكمات وقيود على التعبير والمجتمع المدني

وسلط تقرير “فريدوم هاوس” الضوء أيضا على أحداث بارزة خلال عام 2024، قال إنها تؤكد تراجع الحريات، من بينها محاكمات جماعية لـ 84 معارض أسفرت عن أحكام بالسجن المؤبد لعشرات المدافعين عن حقوق الإنسان، وملاحقات بحق مواطنين بسبب احتجاجات صغيرة، إلى جانب اعتقالات وعمليات طرد بحق طلاب أجانب عقب ترديدهم شعارات سياسية.

كما تناول التقرير ممارسات قمعية ضد من يعبّرون عن مواقف سياسية، حتى داخل المؤسسات الأكاديمية، مشيراً إلى اعتقال وطرد طالب أجنبي في أبوظبي بسبب هتاف مؤيد للقضية الفلسطينية خلال حفل تخرج.

ورغم تقديم الإمارات في بعض المؤشرات بوصفها دولة مستقرة أو ذات “قوة ناعمة” في العالم، لا يترجم هذا التصنيف الاقتصادي والثقافي، إلى حقوق سياسية أو حريات مدنية حقيقية للمواطنين أو المقيمين.

وبذلك، لا يلغي الترتيب في مؤشرات الثقة أو القوة الناعمة الحقائق التي وثقها تقرير الحرية العالمي، والتي تظهر دولة تسيطر فيها الدولة على الفضاء السياسي والاجتماعي بشكل مطلق.

ويشير “فريدوم هاوس” كذلك إلى أن السلطة القضائية ليست مستقلة في الإمارات، وأن سيادة القانون محدودة، بينما لا توجد حماية حقيقية من استخدام القوة بشكل تعسفي، ولا مساواة في المعاملة بين مختلف الفئات، في ظل قوانين تقيد الحقوق الأساسية وتحد من العمل النقابي والتنظيمي.

ويمثل غياب حرية التنظيم والعمل الحقوقي جزءاً من مظاهر أوسع للقيود المفروضة على المجتمع المدني، إذ لا يُسمح لأي منظمة غير حكومية بممارسة نشاطها بحرية من دون موافقة مسبقة من السلطات، في حين تتعرض جمعيات ومجموعات للمضايقة والمراقبة.

والإمارات، رغم صور الاستقرار الاقتصادي والإنجازات الدبلوماسية، لم يتغير تقييمها تقريبا مقارنة بالعام السابق، بحسب التقرير، إذ بقيت الدولة في خانة “غير حرة” بالدرجة نفسها المنخفضة، مع تراجع جزئي في مؤشر حرية الإنترنت. وتأتي هذه النتائج في سياق عالمي يشهد تراجعاً عاماً في الحريات، لكن الإمارات تظهر تراجعاً أعنف مع استمرار القيود الشاملة على الحقوق الأساسية.

حرية الصحافة

وعلى صعيد حرية الصحافة تحديدا، سجلت الإمارات 30.86 نقطة في “مؤشر حرية الصحافة العالمي” لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، بحسب البيانات الرسمية للمنظمة.

ويقيس المؤشر درجة الحرية التي يتمتع بها الصحفيون والمؤسسات الإعلامية ومستخدمو الإنترنت في كل دولة، إلى جانب الجهود التي تبذلها السلطات لاحترام هذه الحرية وضمانها، استناداً إلى استبيان يُرسل إلى شبكة تضم 150 مراسلاً و18 منظمة شريكة معنية بحرية التعبير حول العالم، إضافة إلى صحفيين وباحثين وحقوقيين.

وللمقارنة، تصدرت النرويج الترتيب العالمي لعام 2026 بواقع 92.72 نقطة، بينما جاءت السعودية ضمن الدول الأدنى تصنيفاً عالمياً بواقع 19.11 نقطة فقط.

اظهار أخبار متعلقة

اقرأ أيضا: فرنسا تطرد دبلوماسيين إيرانيين اثنين ردا على واقعة في الشهر الماضي

ويتولى المجلس الوطني للإعلام تنظيم المؤسسات الإعلامية، ويلاحق المحتوى الذي ينتقد قرارات الحكومة أو يهدد “التماسك الاجتماعي” – وهو مصطلح فضفاض يشمل أي محتوى لا يلتزم بالمتطلبات الحكومية.

كما يفحص المجلس الوطني للإعلام المحتوى الإعلامي الأجنبي ويفرض عقوبات عليه، وذلك وفقاً للمعايير الوطنية.

قوانين مكافحة الإرهاب والعمال المهاجرون

وفي تقريرها العالمي لعام 2026، وثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” استخدام السلطات الإماراتية “قوانين مكافحة إرهاب فضفاضة ودون مراعاة للإجراءات القانونية الواجبة” لتصنيف 19 كيانا وشخصا بوصفهم “إرهابيين” خلال العام، معتبرة أن الإمارات “تنتهج استراتيجية طويلة الأمد لتحسين سمعتها على الساحة الدولية”.

وأشارت المنظمة إلى أنها وثقت استخدام قوات “الدعم السريع” السودانية ذخائر سبق أن اقتنتها القوات المسلحة الإماراتية، فيما أفادت تقارير سابقة باستخدام الإمارات قاعدة جوية في منطقة “أم جرس” شرقي تشاد، بذريعة أغراض إنسانية، لتهريب أسلحة إلى قوات “الدعم السريع”.

وجاء ذلك في وقت جدد فيه مجلس الأمن الدولي نظام العقوبات المفروض على السودان في أيلول/سبتمبر، ودعت منظمات حقوقية إلى توسيع هذه العقوبات وتسمية الحكومات المنتهكة لحظر توريد السلاح، بما فيها جهات في الإمارات.

أما على الصعيد الاجتماعي، أوضحت “هيومن رايتس ووتش” أن نظام “الكفالة” لا يزال يمنح أصحاب العمل سيطرة غير متكافئة على العمال المهاجرين، رغم الإصلاحات التشريعية المتعددة التي أُدخلت على قوانين حقوق المهاجرين.

وأوضحت المنظمة أن العمال “لا يزالون يواجهون صعوبة في تغيير وظائفهم”، كما يمكن لأصحاب العمل تقديم بلاغات “هروب” كاذبة بحقهم حتى عندما يغادرون هربا من الإساءة، ما يعرضهم لخطر الاحتجاز والترحيل.

وفي ما يتعلق بالتشريعات الاجتماعية، أقرت الإمارات قوانين جديدة بشأن العنف الأسري، كما عزز قانون الأسرة بعض الحقوق، لكنه “لم يعالج التمييز الجندري بالكامل”. كذلك رُفع سن الزواج القانوني إلى 18 عاما.

اظهار أخبار متعلقة

في المقابل، يبقى قانون العقوبات الاتحادي يجرم أفعالا “معرفة بشكل غامض”، بما يتيح للسلطات توقيف أشخاص بسبب سلوكيات متنوعة تشمل مظاهر المودة العلنية، والتعبير غير المطابق للنمط الجندري السائد، وحملات الدفاع عن الحقوق.

فجوة بين الصورة الاقتصادية والتقييم الحقوقي

المؤشرات الثلاثة، تشير إلى فجوة واضحة بين الصورة التي تسوّق لها الإمارات عالمياً كمركز أعمال واستثمار منفتح، وبين التقييم الحقوقي المتكرر لهذه المؤسسات، التي تصنّف البلاد بثبات ضمن خانة “غير حرة” أو “قيود كبيرة على الحريات المدنية”.

ولا تقتصر أوجه القلق الرئيسية على حدود الحريات السياسية الداخلية، مثل حظر الأحزاب ومحاكمات المعارضين الجماعية، بل تمتد إلى ملفات تتقاطع مع السياسة الخارجية الإماراتية نفسها، كما في اتهامات دعم “الدعم السريع” في السودان، فضلا عن ملفات معقدة في أرض الصومال.

اقرأ أيضا: تحطم مروحية في منطقة سياحية بكينيا.. مخاوف من مقتل جميع الركاب

‫0 تعليق