اليوم الذي غيّر بيروت إلى الأبد بعد ست سنوات، لا يزال أهالي بيروت ينتظرون المساءلة عن واحدة من أكثر الكوارث التي صنعها الإنسان فظاعة في التاريخ الحديث.

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


هذا مقال شخصي.

اقرأ أيضا: ترامب يغيّر قواعد حرب إيران.. من «المطرقة» إلى «الخنق البطيء».. ماذا تغيّر؟

في 4 أغسطس 2020، كنت في المنزل عندما دخلت المدينة إلى بيتي من دون أن تطرق الباب.

ليست بيروت التي نراها في البطاقات البريدية. ولا بيروت الأيقونة. ولا بيروت التي تُبعث من الموت بلا كلل في الأغاني والحملات السياحية والخطب العاطفية. دخلت بيروت مختلفة: مدينة من الزجاج المتناثر، والأسقف المنهارة، والأبواب المقتلعة، والجدران المحطمة، وذلك الصوت الهائل، اللاإنساني، الذي بدا وكأنه لم يأتِ من المرفأ، بل من باطن الأرض.

لبضع ثوانٍ، وربما دقائق، لم يعد الزمن سلسلة متعاقبة. لم يكن هناك قبل ولا بعد ولا تفسير. كان هناك فقط عالم مادي ينقلب علينا. تحولت النوافذ إلى أسلحة. تطاير الأثاث. اهتزت الجدران. وانطوت المنازل إلى الداخل فوق رؤوس أشخاص كانوا يظنون أنهم في أمان داخلها.

ركضنا. نادينا بأسماء بعضنا البعض. تفقدنا الأجساد. مشينا فوق الزجاج. وحاولنا أن نفهم ما إذا كان ما حدث زلزالا، أم غارة جوية، أم نهاية العالم، أم مجرد يوم لبناني آخر يمضي إلى نهايته المنطقية.

ثم جاءت صفارات الإنذار.

وتلتها صور الشوارع التي نعرفها وقد أصبحت غير قابلة للتعرّف، والوجوه التي شقها الزجاج، وأشخاص يحملون أشخاصا آخرين، ومستشفيات كانت تغرق أصلا في الأزمات، تستقبل مدينة بأكملها من الجرحى دفعة واحدة. قُتل أكثر من مئتي شخص. وأصيب الآلاف. ونزح مئات الآلاف. بدت بيروت وكأن يدا عملاقة صفعَتها على وجهها، في واحدة من أكبر الانفجارات غير النووية التي سُجّلت على الإطلاق. فقد انفجرت 2750 طنا من نترات الأمونيوم، كانت مخزنة في مستودع بإجراءات أمنية محدودة، بعدما أشعلها حريق اندلع في مكان قريب.

ومع ذلك، فإن الأرقام، على ضرورتها، لطالما كانت على علاقة غريبة بالكوارث. فهي تقيس حجمها، لكنها تخفي حميميتها. عبارة “آلاف الجرحى” لا تخبرك عن شظية بقيت مغروسة في جسد يارا. وعبارة “مئات الآلاف من النازحين” لا تخبرك ماذا يعني أن يرى رمزي محتويات حياته مكشوفة تحت السماء. وعبارة “أكثر من مئتي قتيل” لا تخبرك عن الكرسي الذي سيظل فارغا إلى مائدة عائلة النجار، طويلا بعد أن تغادر كاميرات التلفزيون المكان.

لهذا قلت إن هذا مقال شخصي. لأنني أتذكر كل شيء. كل فظاعة.

ثم جاء ما بعد الانفجار. المكانس. المتطوعون. الشباب الذين وصلوا من كل أنحاء البلاد يكنسون الشوارع، ويزيلون الأنقاض، ويغطون النوافذ المحطمة، ويحملون ما أسقطته الدولة مرة أخرى. أتذكر بيروت وهي تضمد جراح بيروت، فيما كان حكامها يتدربون على تعابير القلق.

نال اللبنانيون، بطبيعة الحال، المديح على صمودهم. والصمود هو أكثر إطراء يُوجَّه إلى أشخاص لا ينوي أحد حمايتهم.

نظفنا. وأعدنا البناء. ودفنّا موتانا. وعدنا إلى مكاتب متضررة، ومنازل متضررة، وشوارع متضررة. استبدل بعضنا الزجاج. وغادر بعضنا البلاد. وبقي آخرون، لكنهم لم يعودوا إليها بالكامل أبدا.

وماذا عن المسؤولين؟ انتظروا. وعرقلوا. واختبأوا خلف الحصانات، والإجراءات، والصلاحيات القضائية، والانتماءات السياسية، وردود الفعل الطائفية، والموهبة اللبنانية التي لا تنضب في تحويل مطلب واضح بالعدالة إلى تهديد وجودي يطال طائفة بأكملها.

مرت ست سنوات. والطفل الذي وُلد في يوم الانفجار بات الآن في عمر يسمح له بطرح الأسئلة. وفي عمر يسمح له بفهم أن الأشياء تحدث لأسباب. وفي عمر يسمح له بأن يتوقع من البالغين أن يقولوا الحقيقة.

ماذا سنقول لذلك الطفل؟ إن مئات الأطنان من نترات الأمونيوم خُزنت لسنوات في قلب العاصمة، فيما كان مسؤولون يعرفون ما يكفي لتحذير بعضهم بعضا، لكن يبدو أنهم لم يعرفوا ما يكفي لحمايتنا؟ إن واحدا من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث وقع في مدينة يسكنها الملايين، ومع ذلك تبخرت المسؤولية بمجرد اصطدامها بالسلطة؟ التحقيق عُرقل مرارا على يد النظام السياسي والقضائي نفسه الذي كان يفترض أن يخضع للتحقيق؟ في لبنان، كلما اقتربت جريمة من الدولة، ابتعدت أكثر عن العدالة؟

ليبيا في كتاب “إفساد الثورة”

لم يُحاسَب أحد حتى الآن. الجملة تكاد تكون بسيطة أكثر مما ينبغي قياسا بما تختزنه. لا أحد.

ليس لأن شيئا لا يُعرف. وليس لأن الانفجار لم يترك مستندات، أو مراسلات، أو تسلسلا في المسؤولية، أو سجلا للتحذيرات، أو أدلة على الإهمال. وليس لأن لبنان يفتقر إلى القضاة أو القوانين أو المحاكم أو السجون. وبالتأكيد ليس لأن الجريمة كانت صغيرة إلى حد لا يستحق اهتمام الدولة.

لم يُحاسَب أحد لأن الإفلات من العقاب في لبنان ليس خللا في النظام. بل هو إحدى وظائفه الأساسية.

لقد تحرك التحقيق مجددا في الآونة الأخيرة. فالقاضي طارق بيطار، بعد سنوات أمضاها في مواجهة العرقلة والشلل، أنجز المرحلة الرئيسية من تحقيقه في وقت سابق من هذا العام، وأفادت تقارير بأنه حدد نحو 70 شخصا كمشتبه بهم. وهذا أمر مهم. ويستحق قدرا حذرا من الأمل. لكن التحقيق ليس مساءلة بعد، والأمل ليس حكما قضائيا.

لقد طُلب منا نحن اللبنانيين أن نبقى على قيد الحياة طوال فترة طويلة، حتى أصبح البقاء على قيد الحياة بحد ذاته وسيلة لحكمنا. وفي كل مرة نتمكن فيها من الوقوف مجددا، يُستخدم صمودنا دليلا على أن ما فُعل بنا كان، بطريقة ما، قابلا للتحمل. لكن النجاة من جريمة لا تجعل الجريمة أصغر. وإعادة بناء منزل لا تبرئ من دمّره. والاستمرار في الحياة ليس موافقة على ما كاد أن يقتلنا.

اقرأ أيضا: صادف دبًا قطبيًا نائمًا فاتخذ قرارًا غير متوقع كلّفه 20 ألف ريال.. ما القصة؟

نعم، هذا مقال شخصي. لكن في لبنان، نادرا ما يكون الشخصي شخصيا فقط.

هذا أيضا مقال سياسي، لأن السلطة السياسية هي التي حددت من يمكن استجوابه، ومن يستطيع رفض المثول أمام قاضٍ، ومن يمكنه عرقلة التحقيق، ومن ظل مكشوفا أمام المساءلة.

وهو مقال اجتماعي، لأن الانفجار لم يقع على مجتمع متساوٍ. كان بوسع البعض إصلاح منازلهم، والسفر، وتلقي العلاج، والبدء من جديد. بينما تُرك آخرون لمواجهة الجدران المحطمة، وسبل العيش المفقودة، والإصابات الدائمة والحزن بمفردهم.

وهو مقال اقتصادي، لأن الانفجار وقع وسط انهيار العملة، وتبخر المدخرات، وانهيار المؤسسات العامة. طُلب من الناس إعادة بناء منازل بأموال عالقة في المصارف، ودفع تكاليف العلاج بالدولار الذي لم يعد في حوزتهم، وإعادة بناء مدينة فيما ظل أولئك الذين فككوا اقتصاد البلاد في السلطة.

وهو أيضاً مقال نفسي، لأن ست سنوات من دون مساءلة تعلّم المجتمع شيئا. تعلّمنا أن الأدلة لا تؤدي بالضرورة إلى الحقيقة، وأن الحقيقة لا تؤدي بالضرورة إلى الحكم، وأن الحكم لا يصل بالضرورة إلى أصحاب النفوذ. وتعلّمنا ألا نثق بالمؤسسات فحسب، بل حتى بعلاقة السبب بالنتيجة.

الجريمة التي لا تترتب عليها عواقب لا تبقى في الماضي. إنها تستمر في الحدوث.

تحدث في كل مرة تدخل فيها عائلة أحد الضحايا ذكرى جديدة من دون إجابة، كما حدث مجددا قبل أيام قليلة فقط. وتحدث في كل مرة يحوّل فيها مشتبه به الإجراءات إلى ملاذ. وفي كل مرة يتحدث فيها مسؤول عن العدالة بصيغة المبني للمجهول، وكأن العدالة طقسٌ علينا أن ننتظر قدومه بصبر. وفي كل مرة تطلب فيها البلاد من الجرحى إحياء ذكرى ما ترفض الدولة ملاحقة المسؤولين عنه قضائيا.

لعل هذا هو الإرث الأكثر تدميرا للرابع من أغسطس: ليس فقط أن بيروت دُمّرت، بل إن معنى المسؤولية تحطم معها.

نعرف كيف نحيي الذكرى. نضيء الشموع. نحمل صور الضحايا. نتلو أسماء الموتى. نقف دقيقة صمت عند الساعة 6:07. لكن إحياء الذكرى من دون مساءلة يخاطر بأن يتحول إلى خدمة أخرى يُجبر الضحايا على أدائها من أجل بلد خذلهم. عليهم أن يبقوا موتاهم أحياءً في العلن، لأن مؤسسات الأحياء اختارت النسيان.

بعد ست سنوات، ربما لا يكون أكثر ما يثير الاشمئزاز هو أن الجريمة نُسيت. فهي لم تُنسَ. لا يزال الانفجار عالقا في جسد بيروت وفي أجسادنا. الفظيع هو أنه بقي حاضرا في ذاكرة الجميع، باستثناء العدالة.

لذلك نعم، هذا مقال شخصي. ولم أعد أريد أن يُقال لي إن 4 أغسطس ينتمي إلى ذاكرتي. مكانه في قاعة المحكمة.

الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اقرأ أيضا: طقس المملكة الأربعاء.. ارتفاع درجات الحرارة ورياح نشطة وسحب رعدية ممطرة على عدة مناطق

‫0 تعليق