- الذكاء الاصطناعي ومفارقة الإرادة الحرة
لقد أثار الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي طيفا واسعا من ردود الأفعال المختلفة. فمن جهة، هناك تطبيقاته العملية التي بدأت تعيد تشكيل الاقتصاد والمؤسسات ومختلف نواحي الحياة الأخرى. ومن جهة أخرى، هناك أسئلة وجودية عميقة تتعلق بالإنسان نفسه، وبطبيعة العلاقة التي قد تربطه بالآلة في المستقبل. موضوع هذا المقال يركز على هذه الأسئلة الوجودية، وبشكل خاص على تأثيرها في واقع تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره.
اقرأ أيضا: “الكهرباء الأردنية”: تركيب 1.56 مليون عداد ذكي بنسبة 95%…
من الممكن نظريا أن تصبح الآلات قادرة على التعلم والعمل باستقلالية عبر مجالات متعددة، من دون أن تكون واعية بوجودها أو مدركة لذاتها
ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟
الإنسان ليس مجرد كائن ذكي فحسب، فإنسانيتنا هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل بيولوجية وإدراكية وعاطفية وثقافية وأخلاقية، وربما أيضا عوامل ميتافيزيقية لا تزال عصية على التفسير الكامل. ومن هذا التفاعل تنبثق القدرة التي نسميها “الذكاء”، أي القدرة على اكتساب المعرفة وتطبيقها.
أما الذكاء الاصطناعي, أو ذكاء الآلة، فقد أثبت بالفعل قدرته على اكتساب المعرفة وتطبيقها، لكن ضمن نطاقات محددة ومهام بعينها حتى الآن. أما ما يسمى بالذكاء الاصطناعي العام (AGI)، فيشير إلى قدرة عامة ومستقلة على اكتساب المعرفة وتطبيقها عبر طيف واسع من المهام، على نحو يشابه الإنسان في مرونته وقدرته على التكيف.
ورغم أننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، فإن كثيرين يرون أنها أصبحت أقرب من أي وقت مضى، مع استمرار النمو الهائل في القدرة الحاسوبية، وسعات الذاكرة، وسرعات الربط بين المعالجات، إلى جانب التطور المستمر في الشبكات العصبية العميقة (DNNs) وغيرها من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
لكن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام لا يعني بالضرورة امتلاك الوعي أو الوعي بالذات. فمن الممكن نظريا أن تصبح الآلات قادرة على التعلم والعمل باستقلالية عبر مجالات متعددة، من دون أن تكون واعية بوجودها أو مدركة لذاتها.
والوعي بالذات، بوصفه مستوى أعلى من الوعي، هو القدرة على التأمل في الوجود الشخصي، والأفكار، والمشاعر، والسلوكيات. وهو مفهوم صاغه الإنسان انطلاقا من تجربته الخاصة، وليس بالضرورة أن يكون شرطا لأي شكل آخر من أشكال الذكاء.
ويبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي العام سيقود تلقائيا إلى ظهور الوعي بالذات. يرى جيفري هينتون، أحد أبرز رواد الذكاء الاصطناعي، أن الوعي ظاهرة حاسوبية بطبيعتها، وبالتالي قد يظهر عندما تبلغ الآلات مستوى كافيا من الذكاء العام. في المقابل، يرى السير روجر بنروز، الحائز على جائزة نوبل، أن الوعي لا يمكن اختزاله إلى مجرد عمليات حسابية.
وبعيدا عن هذا الجدل العلمي والفلسفي، يبرز سؤال ربما يكون أكثر أهمية: هل نريد أصلا أن تمتلك الآلات وعيا بذاتها؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف يمكن اكتشاف ذلك؟ ومتى؟ وما حدود السيطرة التي ينبغي للبشر الاحتفاظ بها؟
أعتقد أن الدعوة إلى منح الآلات وعيا بالذات تنطلق غالبا من اعتبارات أخلاقية، باعتبار أن الوعي عنصر أساسي في إدراك الصواب والخطأ. لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فالوعي بالذات قد يدفع أيضا إلى السعي وراء المصلحة الذاتية وتبرير سلوكيات غير أخلاقية. إنه سلاح ذو حدين، والإنسان نفسه لم يحسم هذا التحدي عبر تاريخه الطويل.
يرى البعض أن هذه المخاوف تحرم البشرية من قفزات هائلة في الإنتاجية والتقدم العلمي، بينما يرى آخرون أنها لا تزال غير كافية لتجنب مستقبل كارثي يعتبرونه شبه محتوم
الاستثنائية البشرية وإضفاء الصفات الإنسانية
جزء كبير من النقاش حول الذكاء الاصطناعي العام والآلات الواعية يعكس، في الحقيقة، الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه.
أظن أن في أعماق النفس البشرية شعورا راسخا بالاستثنائية، وربما بالتفوق، مقارنة ببقية أشكال الحياة. ولذلك يميل الإنسان إلى إسقاط خصائصه على كل ما يحيط به، وكأن الذكاء الحقيقي أو الوعي الحقيقي لا بد أن يكونا على الصورة البشرية. تلعب الثقافة والدين دورا رئيسا في هذا السياق، حيث تؤكد الديانات الإبراهيمية، على سبيل المثال، هذه الاستثنائية، بينما ترى الثقافات الشرقية البعيدة أن المادة ما هي إلا امتداد للكائنات العضوية، ومن بينها البشر.
فعندما نصف النماذج اللغوية الكبيرة بأنها “تهلوس”، فإننا في الواقع نستخدم استعارة بشرية لتفسير سلوك لا نملك بعد لغة أدق لوصفه.
وهذه ليست ظاهرة جديدة. فقد فعل الإنسان الأمر نفسه عبر آلاف السنين. الإغريق القدماء، على سبيل المثال، شخصنوا الرياح والعواصف والقوى الطبيعية، بل وأضفوا عليها صفات الآلهة. لكن مع تقدم الفهم العلمي، تحولت تلك الآلهة إلى جزء من الأساطير.
وأتصور أننا سنشهد تطورا مشابها مع الذكاء الاصطناعي. فكلما تعمق فهمنا لهذه التقنيات، تخلينا تدريجيا عن المصطلحات المستعارة من التجربة الإنسانية، وابتكرنا مفاهيم أكثر دقة تعبر عن ظواهر جديدة بالكامل.
مفارقة الإرادة الحرة
يرى كثيرون أن الوعي بالذات شرط أساسي للإرادة الحرة، أي القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة.
لكن حتى الإرادة الحرة لدى الإنسان ليست حقيقة محسومة، بل قضية فلسفية لا تزال محل نقاش منذ قرون.
وربما يكون أقوى مبرر لاستمرار الإيمان بها هو أنها ضرورة عملية لتنظيم المجتمعات. فلو اقتنع البشر بأنهم لا يملكون إرادة حرة، لأصبح مفهوم المسؤولية الشخصية موضع تساؤل، ولاهتزت معه مفاهيم الجزاء والعقاب، بل وحتى أسس القانون والنظام الاجتماعي كما نعرفهما اليوم.
اقرأ أيضا: شركة الكهرباء تنجح في خفض معدلات الفاقد الكهربائي
ومن هنا أطرح ما أسميه “حتمية الإرادة الحرة”. فإيمان الإنسان بحاجته إلى الإرادة الحرة يدفعه إلى إسقاط المفهوم نفسه على الذكاء الاصطناعي العام، وهو ما يغذي كثيرا من المخاوف والتردد في تطوير هذه التقنيات ونشرها.
يرى البعض أن هذه المخاوف تحرم البشرية من قفزات هائلة في الإنتاجية والتقدم العلمي، بينما يرى آخرون أنها لا تزال غير كافية لتجنب مستقبل كارثي يعتبرونه شبه محتوم.
وتنعكس هذه الهوة الفكرية في الجدل المستمر حول تنظيم الذكاء الاصطناعي في مختلف أنحاء العالم، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الرؤى ستلتقي يوما عند أرضية مشتركة.
من المهم أن يتعرف الجميع على مختلف وجهات النظر المطروحة، وأن يبنوا مواقفهم على فهم متوازن، بما يسمح بصياغة مسار مدروس ومسؤول يخدم البشرية بأسرها
تلعب مفاهيم الوعي بالذات والإرادة الحرة دورا محوريا في النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي ومستقبله، وتتراوح المواقف بين من يدعو إلى الحد الأدنى من التنظيم، ومن يطالب بأقصى درجات الرقابة، بل وحتى بإيقاف تطوير الذكاء الاصطناعي، مع وجود طيف واسع من المواقف بين هذين الطرفين.
وأرى أن النظر إلى الوعي والإرادة الحرة باعتبارهما حالتين منفصلتين، إما موجودتين أو غير موجودتين، لا يساعد على تقريب وجهات النظر. ربما يكون من الأجدى التعامل معهما بوصفهما طيفا واسعا تتغير درجاته بحسب السياق والمهمة والقدرات.
كما أن إسقاط التصور البشري الحصري للوعي والإرادة الحرة على الآلات قد يكشف الكثير عن نظرتنا لأنفسنا، لكنه لا يخبرنا بالضرورة شيئا عن طبيعة الذكاء الاصطناعي أو ما يمكن أن يصبح عليه مستقبلا.
وهذه ليست قضية فلسفية مجردة. فقد نجد أنفسنا قريبا أمام قرارات تتعلق بالمكانة الأخلاقية والقانونية لأنظمة الذكاء الاصطناعي العام. ولهذا، من المهم أن يتعرف الجميع على مختلف وجهات النظر المطروحة، وأن يبنوا مواقفهم على فهم متوازن، بما يسمح بصياغة مسار مدروس ومسؤول يخدم البشرية بأسرها.
وأختم هذا المقال بما أعتقد أنه دور محوري للمجتمعات العربية والإسلامية في هذا الحوار، بحكم الوسطية الجغرافية والثقافية والدينية لهذه المجتمعات.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: “حكماء المسلمين”: العمل الإنساني رسالة أخلاقية ومسؤولية مشتركة
