- لماذا قد تستفيد إيران من حرب محدودة أكثر من السلام؟
لقد تحملت إيران ضربات عسكرية، وضغوطا اقتصادية، وبنى تحتية متضررة، وحالة من عدم اليقين. فلماذا قد تكون حرب محدودة مع الولايات المتحدة أكثر فائدة من السلام؟
اقرأ أيضا: أزمة الوعي.. جيل فقد نفسه وهو يبحث عن وطن
تكمن الإجابة في الفرق بين السلام والتسوية. فبالنسبة لطهران، قد يؤدي السلام بلا تنازلات مجدية ببساطة إلى استعادة العقوبات، والعزلة الدبلوماسية، والضغط العسكري الأمريكي. وبالمقابل، يمكن لصراع محدود أن يخلق ورقة ضغط؛ إذ بإمكانه رفع تكلفة الضغط الأمريكي، مع منح إيران قدرة تفاوضية أكبر.
هذا لا يعني أن إيران ترغب في حرب واسعة النطاق؛ فصراع طويل الأمد قد يلحق الضرر باقتصادها ويهدد الاستقرار المحلي. غير أن الجاذبية الإستراتيجية تكمن في إبقاء المواجهة محدودة بالقدر الذي يفرض تكاليف، ولكن بالحدة الكافية لتغيير حسابات واشنطن.
إذا أثبتت إيران قدرتها على تحمل الهجمات من دون التخلي عن مواقفها الأساسية، فسيكون بمقدور قادتها تصوير المفاوضات على أنها ثمرة للصمود لا استسلام
تحويل الضغط العسكري إلى نفوذ سياسي
لا تتمثل ميزة إيران في قدرتها على هزيمة الولايات المتحدة في حرب تقليدية، فهي عاجزة عن ذلك، بل تكمن ميزتها في القدرة على جعل القوة الأمريكية باهظة التكلفة وصعبة الاستخدام.
تمنح جغرافية الخليج طهران أدوات مؤثرة؛ إذ لا يزال مضيق هرمز محوريا بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، حيث يمكن لأي اضطراب خطير أن يدفع أسعار النفط نحو الارتفاع، ويزعزع قطاع الشحن، ويخلق ضغوطا تتجاوز بكثير نطاق ساحة المعركة. وقد أصبح هذا الممر المائي نقطة مواجهة رئيسية في صراع عام 2026.
ويخلق هذا معادلة مزعجة لواشنطن؛ فحملة قصيرة قد تدمر أهدافا مختارة، لكنها لا تستطيع بسهولة القضاء على قدرة إيران على الرد في جميع أنحاء المنطقة. وبناء عليه، تستطيع طهران إثبات أن الضغط العسكري يحمل تبعات اقتصادية وسياسية.
القيمة التفاوضية للتصعيد
بإمكان الحرب أن تغير ميزان التفاوض؛ فقبل القتال، تستطيع واشنطن المطالبة بتنازلات بينما تلوح بالقوة، وأما بعد القتال، فيمكن لطهران أن تجادل بأنها تحملت العقاب وخرجت صامدة.
وهذا أمر ذو أهمية بالغة؛ فإذا أثبتت إيران قدرتها على تحمل الهجمات من دون التخلي عن مواقفها الأساسية، فسيكون بمقدور قادتها تصوير المفاوضات على أنها ثمرة للصمود لا استسلام. وهذا التمييز يعد محوريا لنظام ترتبط شرعيته بمناهضة الضغط الأمريكي.
وتوضح التطورات الأخيرة هذه الديناميكية؛ فقد تنقل مرارا وتكرارا المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون بين المواجهة والمفاوضات. ففي حين فشلت هدنة مؤقتة عقدت في أبريل/نيسان في تسوية الخلافات الكامنة، أدت الاشتباكات اللاحقة إلى إحياء المخاوف من تجدد الحرب.
وقد وصف المحللون هذا النمط بأنه “تفاوض وقتال”، أي استخدام الضغط العسكري والدبلوماسية في آن واحد لتحسين المواقف التفاوضية.
ومن ثم، يمكن أن تتحول الحرب المحدودة إلى شكل من أشكال الدبلوماسية القسرية، حيث لا تحل ساحة المعركة محل المفاوضات، بل تغير نقطة بدايتها.
إن تخفيف العقوبات من شأنه أن يخلق توقعات بتحسن اقتصادي، كما أن الانفتاح الدبلوماسي قد يعرض الحكومة لمطالب مجتمعية أوسع نطاقا، وقد تثير التنازلات النووية مقاومة من قبل المؤسسات الأمنية النافذة
تعزيز التلاحم الداخلي
للدور الذي يلعبه الصراع الخارجي فائدة محتملة أخرى بالنسبة لطهران، ألا وهي تعزيز التماسك السياسي مؤقتا.
فالسياسة الإيرانية تضم فصائل متنافسة؛ إذ يفضل البعض المواجهة والمقاومة الأيديولوجية، بينما يرى آخرون أن الضغط الاقتصادي والاستياء الاجتماعي مبرران للدفع نحو التفاوض. ومن هنا، يمكن للحرب أن تقوي المعسكر الأول عبر تحويل النقاش السياسي إلى مسألة بقاء قومي.
وتشير تقارير حديثة إلى أن القادة الإيرانيين ما زالوا متماسكين، غير أنهم مختلفون حول أهداف الحرب؛ فالمتشددون يفضلون مواصلة المقاومة، بينما يرى البراغماتيون في الضغط العسكري أداة ضغط للوصول إلى تسوية تفاوضية.
علاوة على ذلك، يمكن لصراع مع أمريكا أن يحول الانتباه العام من المظالم الداخلية نحو السيادة الوطنية. بيد أن لهذه الميزة حدودا؛ فإذا بلغت الخسائر البشرية والنقص الحاد والمصاعب الاقتصادية مستويات بالغة القسوة، فإن هذه الحرب ذاتها قد تؤجج الغضب الشعبي.
لماذا قد يكون السلام هو الخيار الأصعب؟
قد يرغم السلام الدائم طهران على مواجهة مشكلات تحجبها الحرب مؤقتا.
إذ إن تخفيف العقوبات من شأنه أن يخلق توقعات بتحسن اقتصادي، كما أن الانفتاح الدبلوماسي قد يعرض الحكومة لمطالب مجتمعية أوسع نطاقا، وقد تثير التنازلات النووية مقاومة من قبل المؤسسات الأمنية النافذة. كما أن التطبيع مع الغرب قد يقلص القيمة السياسية للخطاب المعادي لأمريكا، والذي ميز الجمهورية الإيرانية لعقود طويلة.
اقرأ أيضا: ترامب: «هرمز» مفتوح ويعمل وهو «أرض أمريكية جديدة»
وبالتالي، يمكن للسلام أن يزيل التهديد الخارجي الذي يساعد الدولة على تبرير سياساتها الاستثنائية في الداخل.
ولهذا السبب تبدو المواجهة المحدودة أحيانا أكثر أمانا سياسيا من التسوية الشاملة؛ إذ تتيح للقادة الادعاء بالمقاومة، مع إبقاء قنوات الدبلوماسية مفتوحة.
لن يكون الهدف هزيمة أمريكا عسكريا، بل إقناع واشنطن بأن إخضاع إيران بتكلفة زهيدة يعد أمرا متعذرا، مع الحفاظ على قدر كاف من القدرات الاقتصادية والعسكرية للتفاوض
لكن الإستراتيجية محفوفة بسقف خطير
لا تجني إيران فوائد إلا إذا ظلت الحرب محدودة.
فالصراع الممتد قد يدمر البنى التحتية، ويزيد من معدلات التضخم، ويعطل صادرات الطاقة، ويؤدي إلى تعميق العزلة، كما قد يولد ضغوطا لتدخل أمريكي أوسع. وقد أظهرت الأبحاث المتعلقة بمواجهة إيران الطويلة مع الغرب وجود خسائر مستمرة في الناتج، والاستثمار، والاندماج التجاري، والأداء المؤسسي.
ويكمن الخطر الأعظم في سوء التقدير؛ فضربة مقصودة على سبيل التحذير قد تودي بحياة مدنيين، وهجوم انتقامي قد يصيب حليفا إقليميا، وحادث بحري قد يغلق ممر شحن حيويا، وكل خطوة قد تخلق ضغطا يقود إلى الخطوة التي تليها.
المفارقة الإستراتيجية
لذا، قد تكون النتيجة المثلى بالنسبة لطهران هي لا الحرب ولا السلام الكلي، بل مواجهة محوطة تتبعها مفاوضات من موقع قوة أرجح.
ولن يكون الهدف هزيمة أمريكا عسكريا، بل إقناع واشنطن بأن إخضاع إيران بتكلفة زهيدة يعد أمرا متعذرا، مع الحفاظ على قدر كاف من القدرات الاقتصادية والعسكرية للتفاوض.
وهذا ما يفسر مفارقة الأزمة الحالية؛ فقد ترى إيران في الحرب المحدودة أمرا مفيدا تحديدا لأنها تجعل السلام أكثر قيمة وفق شروط أقرب لمصالحها.
لكن هذا طريق ضيق؛ فإذا عجزت طهران عن ضبط إيقاع التصعيد، فإن الحرب المحدودة التي تعزز نفوذها قد تتحول لتصبح هي الحرب عينها التي تقضي عليها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: مجلس الوزراء: ترحيب ببدء التفعيل العملياتي للتحالف البحري متعدد الجنسيات
