أزمة الوعي.. جيل فقد نفسه وهو يبحث عن وطن

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أتذكر جيدا كيف بدأت أصنع أحلامي، ومن أين بدأت تنمو أجنحتي وتحلم بالطيران، ومتى علمت أنني حقا أنتمي.

اقرأ أيضا: ترامب: «هرمز» مفتوح ويعمل وهو «أرض أمريكية جديدة»

أتذكر أنني كنت وحيدة في عالم لم يكن فيه سواي، وقلة من الأشخاص الذين يحلمون بالتحليق بعيدا مثلي. وربما بعد فترة طويلة جدا أدركت أن الإنسان ينتمي إلى نفسه، وينتمي إلى أحلامه، وينتمي إلى من يشبهه.

وكبر هذا الحلم بعد أن سمعت لأول مرة: “لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”. وبكل تلك الحماسة آمنت بالتغيير.. وليتني لم أفعل.

منذ أن فتحت عيني، وجدت نفسي أركض وراء الوعي كمن يركض وراء رغيف خبز.

ربما لم تكن أزمتنا يوما أزمة أشخاص أو حكومات، بل أزمة وعي جمعي، وأزمة عقلية تعيد إنتاج الأخطاء نفسها مهما تغيرت الوجوه

رويدا رويدا، حملت على عاتقي لعنة الوعي، إلى أن تفجرت أمامي الحقيقة، ودخلت في معسكر المجتمع الواسع، وخضت تجربة أن يكون الإنسان اجتماعيا. ومع مرور الوقت، سلبت مني أثمن الأشياء وأغلاها على الإنسان: براءة روحه. وأصبحت شخصا آخر تماما، يخاف العودة إلى أحلامه الكبيرة، ويرى أنه سجين المكان والزمان، وعالق في أمل انتهى…

نحن الذين خرجنا من قفص الخيال لنحلق بعيدا ونبحث عن أحلامنا، وحلمنا بوطن كبير يستوعبنا ويدرك وعينا، الآن وهنا تحديدا نلفظ أنفاسنا الأخيرة، ونحاول الهروب والعودة إلى قوقعتنا، ووحدتنا، وبساطتنا، وحقيقتنا الأولى، وبراءة أرواحنا، لنترك كل هذا العبث بأحلامنا التي تمنينا أن نلتقي بها، وكل هذا المجتمع الفقاعة الذي أنتج منا نسخا بشعة.

حزينة جدا، وأشعر أنني أهوي وسط فوضى فيها أصوات مزعجة تغلي، لكنها لا تفعل أكثر من ذلك.

حين وصلنا إلى جحيم الوعي لم نقل: اللهم راحة الجهل، فنحن لا نستطيع التطبع مع الجهل في أسوأ حالاتنا، ولكنني أريد أن أنسلخ من كل هذه الفوضى، وأعود إلى وطن عشت فيه طويلا مع نفسي، ورفضت أن أخرج منه إلى كل هذا الواقع بحقيقته البشعة.

ربما لم تكن أزمتنا يوما أزمة أشخاص أو حكومات، بل أزمة وعي جمعي، وأزمة عقلية تعيد إنتاج الأخطاء نفسها مهما تغيرت الوجوه. فما نعيشه اليوم ليس وليد لحظة، ولا نتيجة شخص بعينه، بل حصيلة سنوات طويلة من الخوف، واللامبالاة، وتبرير الفشل، حتى أصبح الخراب جزءا من وعينا اليومي.

هذا الثقب الكبير الذي ابتلعنا جميعا، وهذه الأجساد التي تتحرك دون روح، وهذا العطش الغاضب الذي يسيطر على حياتنا، وهذا الخوف الجماعي من المجهول، ووسط هذه الفوضى اللامفهومة، يقف فوقنا جميعا رجل يدعي الحكمة، ويرى أننا وسط مؤامرة، ولا يفعل شيئا سوى الجعجعة. أما نحن، فغارقون في نعيم الجهل، نصفق له، ليس لأنه خلصنا من عيشة الهم والتسول الفكري، بل من أجل تصفية حسابات سياسية.

الحل لم يكن يوما في الثورة كما يدعي البعض، ولا في حل جذري يحدث بين ليلة وضحاها، ولكن المشكلة الكبيرة فينا نحن، في عقليتنا كشعب انتهت صلاحيته تماما. وربما حان الوقت لنعترف بأن الأمل في الجيل القادم؛ جيل يؤمن بالفكرة قبل الأشخاص، ويتمرد على خوفه.

ليس من يقف فوقنا وحده هو من عليه التنحي جانبا، بل علينا نحن أيضا أن نتنحى عن عقلياتنا القديمة، وأن نفتح المجال لمن يؤمنون حقا بأن الحرية ليست رفاهية، وأن الوطن ليس مجرد شعارات، وأن السياسة ليست تصفية حسابات، وإنما فعل على أرض الواقع.

اقرأ أيضا: مجلس الوزراء: ترحيب ببدء التفعيل العملياتي للتحالف البحري متعدد الجنسيات

أصبح السؤال الحقيقي: كيف يستطيع الإنسان أن يستعيد حقه في أن يكون إنسانا أصلا؟ وكيف ينتزع حقوقه قبل أن يفقد نفسه؟

لم تعد لي طاقة لأمارس العيش في هذا السجن الكبير، وسط هذا الكم الهائل من مدعي الوطنية والفضيلة. أشخاص لديهم حماسة مبالغ فيها إذا خسر المنتخب مباراة، لكنهم غير قادرين حتى على مواجهة الفساد المستفحل.

كثرت الجريمة، والسرقة، والهمجية، والانحطاط، والجهل، ولم تعد أبدا الإجابة: تونس، وربما منذ البداية لم تكن هي الإجابة.

هذا الجيل الذي حفر على الصخور اليابسة لغة الأمل، خانته عباراته، وتركته أحلامه، ولم يعد قادرا على فعل شيء. وهذا خطؤنا جميعا، وعلينا إما أن نصحح الخطأ، أو أن نتحمل مسؤوليته كما هي.

وأخيرا، وسط كل هذا العبث، تذكرت مسلسل الأنمي الياباني “مونستر” (Monster). تذكرت يوهان، الذي كان يرى أن الإنسان يفقد قيمته وهويته عندما يصبح مجرد رقم في عالم تحكمه القوة، وحين توجد قوى أشد بطشا وأكثر صلابة قادرة على سلبه اسمه وكرامته وأبسط حقوقه، تصبح حياته بلا معنى، غارقا في الفراغ، ومتصالحا مع الإذلال.

عندها لم يعد السؤال: كيف يستطيع النظام أن يصنع إنسانا فاقدا لكل مقومات إنسانيته؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: كيف يستطيع الإنسان أن يستعيد حقه في أن يكون إنسانا أصلا؟ وكيف ينتزع حقوقه قبل أن يفقد نفسه؟

ربما كانت أكبر خسائرنا أننا فقدنا أنفسنا، ونحن نظن أننا نبحث عن وطن.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: إقبال كبير.. منتجات التمور السعودية تزين أسواق هيوستن الأمريكية

‫0 تعليق