تبدأ الحكاية غالبًا بجملة بسيطة: «هعملها بعدين».. ثم تمر ساعة، وساعات، وربما أيام، بينما تتراكم المهام وتتراجع الرغبة في الإنجاز. لكن هل السبب فعلًا هو الكسل؟ أم أن وراء هذا السلوك أسبابًا نفسية أعمق لا ننتبه إليها؟
اقرأ أيضا: سعر الدينار الكويتي اليوم الثلاثاء 18-8-2026 مستهل التداولات -جريدة المال
موضوعات مقترحة


في عالم يمتلئ بالضغوط والمسؤوليات والمشتتات، أصبح تأجيل المهام عادة يومية لدى كثيرين، من تأجيل العمل والدراسة إلى تأجيل القرارات والخطط الشخصية. ومع كل مهمة مؤجلة، يتزايد الشعور بالضغط، ثم الإحباط، لتبدأ دائرة يصعب كسرها.
لكن اللافت أن الراحة ليست هي الكسل، والتوقف عن العمل ليس دائمًا علامة على ضعف الإرادة، فهناك فارق بين إنسان يمنح نفسه وقتًا لاستعادة طاقته، وآخر يتحول لديه التأجيل إلى نمط حياة يعرقل مستقبله.
كشف الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، الأسباب التي تقف خلف الكسل والتسويف، موضحًا متى تكون الراحة احتياجًا طبيعيًا، ومتى يتحول الأمر إلى عائق أمام الإنجاز والإنتاج.
الكسل أم الراحة؟.. الخط الفاصل بين استعادة الطاقة وتعطيل الحياة
يحتاج الإنسان بطبيعته إلى فترات من الراحة، خاصة بعد التعرض لضغوط متواصلة أو إرهاق ذهني ونفسي.
وأوضح الدكتور وليد هندي أن الإنسان قد يحتاج إلى الابتعاد مؤقتًا عن تسارع الأفكار والضغوط، والحصول على فترة راحة تساعده على استعادة طاقته وتنظيم أفكاره وإعادة شحن همته.
وبالتالي، فإن قضاء يوم أو يومين في الراحة بعد فترة من العمل والضغط لا يعني بالضرورة أن الشخص كسول، بل قد يكون جزءًا من التوازن النفسي.
المشكلة تبدأ عندما لا تعود الراحة وسيلة لاستعادة الطاقة، وإنما تتحول إلى هروب دائم من العمل والمسؤوليات.
من الفشل إلى الإحباط.. كيف يبدأ التسويف؟
الفشل تجربة نفسية ثقيلة، خاصة عندما تتكرر أو عندما يربط الإنسان قيمته الشخصية بنتائج ما يفعله.
وأشار استشاري الصحة النفسية إلى أن الفشل والإحباط وضعف التحفيز وعدم تقدير قيمة الوقت من العوامل التي يمكن أن تدفع الإنسان إلى تأجيل المهام والهروب منها.
فعندما يشعر الإنسان بأنه لن ينجح، قد يختار ألا يبدأ من الأساس، لأن عدم المحاولة أحيانًا يبدو أسهل نفسيًا من مواجهة احتمال الفشل مرة أخرى.
وهنا يتحول التسويف إلى دائرة مغلقة:
- فشل
- إحباط
- ضعف دافع
- تأجيل
- تراكم المهام
- مزيد من الضغط
- فشل وإحباط جديد.
«عمى الوقت».. كيف تسرق السوشيال ميديا يومك دون أن تشعر؟
قد يفتح الشخص هاتفه لدقائق قليلة، ثم يجد نفسه بعد فترة طويلة يتنقل بين مقاطع الفيديو والمنشورات والتعليقات دون أن يشعر بمرور الوقت.
ووصف الدكتور وليد هندي هذه الظاهرة بـ«عمى الوقت»، مشيرًا إلى أن السوشيال ميديا أصبحت أحد العوامل التي يمكن أن تدفع الإنسان إلى فقدان الإحساس بالوقت.
ولا تتوقف المشكلة عند ضياع الدقائق والساعات، إذ إن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل قد يصبح وسيلة للهروب من الملل أو الضغوط بدلًا من مواجهتها.
والنتيجة؟ مهام مؤجلة، وقت ضائع، إحساس بالذنب، ثم العودة مرة أخرى إلى الهاتف للهروب من هذا الشعور.
6 أسباب خفية قد تدفعك إلى الكسل والتسويف
بحسب ما أوضحه استشاري الصحة النفسية،خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «صباح البلد» المذاع على قناة «صدى البلد»، يمكن أن يرتبط التسويف بمجموعة من العوامل، أبرزها:
1- الفشل والإحباط
التجارب الفاشلة المتكررة قد تضعف الدافع وتجعل الإنسان أكثر ميلًا إلى تجنب المهام التي يخشى ألا ينجح فيها.
2- ضعف التحفيز
عندما لا يرى الإنسان قيمة حقيقية فيما يفعله، تصبح المهمة أكثر صعوبة نفسيًا، حتى لو كانت بسيطة.
3- عدم تقدير قيمة الوقت
عدم إدراك قيمة الوقت يجعل تأجيل المهام يبدو أمرًا بسيطًا، لكن تراكم التأجيلات قد يؤدي في النهاية إلى خسارة فرص مهمة.
4- الضغوط النفسية
قد يصبح الهروب من المهام محاولة للتخلص مؤقتًا من القلق والتوتر والضغط النفسي.
5- السوشيال ميديا
المحتوى السريع والمتواصل يمكن أن يتحول إلى أحد أكبر مشتتات الانتباه، ويجعل الإنسان ينتقل من مهمة إلى أخرى دون إنجاز حقيقي.
6- بعض المشكلات الصحية ونمط الحياة
أوضح هندي أن الكسل قد يرتبط أيضًا بعوامل جسدية أو صحية، إلى جانب طبيعة نمط الحياة الذي يعيشه الإنسان.
«معول هدم جوايا».. متى يدخل الإنسان الدائرة المظلمة للكسل؟
لم يصف الدكتور وليد هندي المشكلة باعتبارها مجرد عدم رغبة في العمل، وإنما تحدث عن مرحلة أكثر خطورة عندما يشعر الإنسان بأن هناك «معول هدم» بداخله يعوق تطوره وأداءه.
فإذا أصبح الشخص غير قادر على الإنجاز لفترات طويلة، وبدأ ذلك يؤثر على طموحه ونجاحاته وعلاقاته مع المحيطين به، فإن المسألة تتجاوز مجرد الرغبة في الراحة.
اقرأ أيضا: القبض على متهم بتحطيم زجاج سيارة بغرض السرقة في سوهاج
وهنا يتحول الكسل من سلوك مؤقت إلى نمط يؤثر في حياة الإنسان بالكامل.
الشخصية الإيجابية.. لماذا ينجز بعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟
يرتبط الإنجاز أيضًا بطريقة الإنسان في النظر إلى الحياة.
وأشار استشاري الصحة النفسية إلى أهمية نمط الشخصية، موضحًا أن الشخصية الإيجابية والمتفائلة والنشيطة والناجحة تكون أكثر ميلًا إلى الحركة والعمل والمشاركة وتحقيق الأهداف.
ويرى أن الأشخاص الذين لديهم فلسفة واضحة تجاه الحياة يدركون قيمة الوقت، ويشعرون بأن العمر يمضي سريعًا، ولذلك يسعون إلى ترك بصمة وأثر حقيقي.
النجاح الحقيقي أم «نجاح السوشيال ميديا»؟
في عصر أصبحت فيه الشهرة الرقمية متاحة للجميع تقريبًا، قد يختلط أحيانًا مفهوم النجاح الحقيقي بالظهور على مواقع التواصل.
وأشار هندي إلى الفرق بين الشخص الذي يسعى إلى النجاح الحقيقي وتحقيق أهدافه، وبين من يكتفي بمظاهر الشهرة والظهور.
فالإنجاز الحقيقي لا يقاس بعدد المشاهدات أو الإعجابات فقط، وإنما بما يضيفه الإنسان إلى حياته وحياة الآخرين، وبقدرته على العمل والتطور والاستمرار.
لماذا نبحث عن الهروب بدلًا من مواجهة المشكلة؟
عندما يشعر الإنسان بالملل أو الضغط أو القلق، قد يبحث عن أسرع وسيلة تمنحه شعورًا مؤقتًا بالراحة.
قد تكون الوسيلة هاتفًا، أو تصفح مواقع التواصل، أو النوم، أو تأجيل المهمة إلى الغد.
لكن هذه الراحة المؤقتة لا تحل المشكلة، بل تؤجل مواجهتها فقط.
ومع تكرار السلوك، يصبح الهروب عادة، ويصبح البدء في المهمة أصعب في كل مرة.
كيف تعرف أنك دخلت دائرة التسويف؟
هناك علامات تستحق الانتباه، أبرزها:
- – تأجيل المهام المهمة بشكل متكرر.
- – قضاء ساعات طويلة في المشتتات بدلًا من العمل.
- – الشعور بالذنب بعد إضاعة الوقت.
- – تراكم المسؤوليات بصورة مستمرة.
- – فقدان الحماس تجاه أهداف كانت مهمة سابقًا.
- – تفضيل الراحة والهروب كلما ظهرت مهمة صعبة.
- – الشعور بأن الوقت يمر دون إنجاز حقيقي.
الراحة تعيد شحنك، أما التسويف فيستنزفك
وإختتم استشاري الصحة النفسية بأن ليس كل من يجلس للراحة كسولًا، وليس كل من يؤجل مهمة يعاني مشكلة نفسية لكن الفارق يظهر عندما تتحول الراحة إلى هروب، والتأجيل إلى عادة، والكسل إلى عائق يمنع الإنسان من التطور وتحقيق أهدافه.
فالراحة الصحية تعيد إليك طاقتك لتعود إلى الحياة أكثر قدرة على الإنجاز، بينما التسويف المستمر قد يدخلك في دائرة من التأجيل والإحباط والفشل.
والخطوة الأولى لكسر هذه الدائرة ليست جلد الذات ووصف النفس بالكسل، وإنما اكتشاف السبب الحقيقي وراء الهروب من المهام، ثم التعامل معه بوعي قبل أن يتحول التأجيل المؤقت إلى أسلوب حياة.
موضوعات قد تهمك:-
استشاري نفسي: المخدرات أهم أسباب جرائم القتل حاليًا | فيديو
الأسباب النفسية لإدمان الألعاب الإلكترونية
اقرأ أيضا: ضبط طبيب هارب من حكم قضائي بعاهة مستديمة لسيدة بسوهاج
