تجاوز جيل زد “Gen Z”، وهم المواليد بين 1997 و 2012، حدود التصنيفات العمرية التقليدية ليتحول قوة ديموغرافية واقتصادية ضاربة، يمثل هذا الجيل، وفق بيانات مؤسسة “نيلسن آي كيو” المتخصصة في أبحاث السوق، نحو 26% من إجمالي سكان العالم، أي ما يعادل قرابة ملياري نسمة.
اقرأ أيضا: السندات والأسهم الآسيوية تتراجع مع تصاعد مخاوف التضخم
يتجاوز أثر هذه الكتلة الشبابية، الأضخم في التاريخ الحديث، البعد الديمغرافي المباشر ليلقي بظلاله على هيكلية الاقتصاد العالمي، وأسواق العمل وأنماط الاستهلاك، ما جعله الجيل الأكثر إثارة للنقاش والجدل في الأبحاث الاقتصادية المعاصرة، فلا يكاد يمر عام دون صدور دراسات اقتصادية متخصصة ترصد تحولاته وتأثيراتها الممتدة.
صدارة سوق العمل ونمو الإنفاق
تؤكد المؤشرات استعداد هذا الجيل لقيادة الاقتصاد العالمي، ليس فقط بحجمه العددي، وإنما من حيث الثروة والتأثير الإداري أيضا. فتقديرات موقع “بريس سيترون” الفرنسي تفيد بأنه تجاوز جيل “طفرة المواليد” (1945–1964) في سوق العمل، مع شغل أكثر من 6 آلاف رئيس تنفيذي لمناصبهم من هذا الجيل.
في السياق ذاته، كشفت مذكرة صدرت عن وحدة الدراسات الاقتصادية بمؤسسة “فيزا العالمية” أن جيل زد سيكون المحرك الأساسي لغالبية نمو الاستهلاك العالمي حتى 2035، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا والموضة والترفيه الرقمي، وهذا من شأنه أن يحدث تحولات جوهرية في هيكلة الاقتصاد العالمي.
من جانبه، أشار تقرير صادر عن معهد “بنك أوف أمريكا” لعام 2025 إلى أن جيل زد سيحقق قفزة نوعية في إجمالي دخله، إذ يُتوقع أن يتجاوز مجموع إيراداته 36 تريليون دولار على مستوى العالم خلال السنوات الخمس المقبلة، على أن يرتفع الرقم إلى 74 تريليون دولار بحلول عام 2040.
استقلالية مالية ومرونة ضد التضخم
في دراسة حديثة لنفس المعهد، مطلع الشهر الجاري، بعنوان “Gen Z & the Cost of Adulting”، أظهرت البيانات تسارع النضج المالي لهذا الجيل ونزوعه نحو الاستقلالية الذاتية، فرغم الظروف الاقتصادية الصعبة، انخفضت نسبة المستفيدين من الدعم المالي العائلي إلى 34% فقط، مقارنة بـ 46% خلال 2024.
كما أبدى أفراد جيل زد مرونة اقتصادية لافتة؛ إذ اتخذ 69٪ من أفراده تدابير للتكيف مع ضغوط التضخم وارتفاع الأسعار، حيث تحول 24 ٪ منهم إلى التسوق عبر متاجر التجزئة الأكثر ملاءمة لميزانياتهم، بينما اتجه 16٪ للعمل الإضافي لتنويع مصادر الدخل.
اقرأ أيضا: من واشنطن إلى بكين.. رهان الملك على تحويل الأردن إلى قوة اقتصادية
الاستثمار المبكر والأصول الرقمية
عمليا، خرج جيل زد عن مسار الأجيال السابقة في الاقتصاد التقليدي، فقد أظهر السلوك المالي لأفراده توجههم نحو الادخار والاستثمار في سن مبكرة بحلول 19 عاما، فيما تأخر أبناء جيل الإكس حتى 32 عاما، وذلك وفق استطلاع أجرته شركة “تشارلز شواب” عام 2024.
لا يقتصر التحول على التوقيت الزمني فقط، بل يمتد إلى طبيعة الأوعية الاستثمارية، فبدلا من التوجه التقليدي نحو العقارات أو الأصول الكلاسيكية، يرى هذا الجيل في الأصول الرقمية بوابة أسرع بناء الثروة. وفي هذا الصدد أشار تقرير منصة “ASIC Moneysmart” لعام 2026 إلى أن 23% من أبناء هذا الجيل يمتلكون بالفعل أصولا مشفرة.
رغم هذا الوعي الاستثماري المبكر، فهذا لا يعني بالضرورة التنازل عن الأولويات، فقد بينت منصة “كريديت كارما” للخدمات المالية أن 45% من أبناء هذا الجيل يفضلون تقليص نسب الادخار على التخلي عن أنماط استهلاكية يرونها ضرورية كالسفر والأنشطة الترفيهية.
تؤكد المؤشرات المتزايدة أن جيل زد بات يرسخ معادلة اقتصادية جديدة تعتمد على الاستقلالية المبكرة والحلول الاستثمارية الرقمية. ومع اقتراب مساهمته المالية من حاجز الـ 74 تريليون دولار، يغدو مفهوم الاستهلاك التقليدي أمام مرحلة تحول جذرية، تفرض على المؤسسات المالية وصنّاع القرار التكيف السريع مع متطلبات جيل يمسك بزمام المبادرة الاقتصادية، ويعيد رسم أولوياتها.
اقرأ أيضا: 80 شابا وشابة يطورون 24 لعبة إلكترونية في تحدي “زنقة الألعاب 2026”
