الدكتورة مانجولا ناير، أستاذة مساعدة في كلية الهندسة والعلوم الفيزيائية بجامعة هيريوت-وات في دبي
اقرأ أيضا: التفاح بـ50 جنيها.. أسعار الخضروات والفاكهة اليوم الثلاثاء 18-8-2026 -جريدة المال
موضوعات مقترحة
اعتمدت اتفاقية باريس عام 2015 بهدف مواجهة التغير المناخي عبر تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والوصول إلى صافي انبعاثات صفري. وتسعى الاتفاقية إلى تحقيق هذا الهدف بحلول عام 2050، مع الحد من ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية، بما يخفف من حدة التداعيات المناخية. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة واضحة بين الالتزامات المعلنة والتنفيذ الفعلي، كما أن مسار تحقيق هذه الأهداف يواجه العديد من التحديات المعقدة.
يُعدّ قطاع الطاقة المصدر الأكبر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، إذ يسهم حرق الفحم والنفط والغاز في نحو 70% من إجمالي هذه الانبعاثات. ومن هنا تبرز ضرورة تسريع دمج مصادر الطاقة المتجددة في شبكات الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما يدعم مسارات التحول نحو أنظمة طاقة منخفضة الكربون. ويجب أن تقوم عملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة على مبادئ الإنصاف والشمول والعدالة الاجتماعية، لضمان عدم تهميش أي فئة سكانية أو منطقة جغرافية خلال هذا التحول. وفي الاقتصادات النامية على وجه الخصوص، يُعدّ تأمين التمويل الكافي للعمل المناخي، إلى جانب بناء القدرات ونقل التكنولوجيا، عناصر أساسية لتوسيع أنظمة الطاقة بما يواكب النمو السكاني والاقتصادي المتسارع، مع الحفاظ على الاستدامة البيئية. كما يُعدّ تمكين المرأة ركيزة مهمة في تعزيز فاعلية العمل المناخي؛ إذ تؤدي النساء أدواراً محورية في إدارة الموارد وحماية البيئة، ويشكّلن نسبة كبيرة من القوى العاملة في القطاع الزراعي، حيث يساهمن في إنتاج نحو 80% من الغذاء في العديد من المناطق. ويعزز ذلك دورهن كمحركات رئيسية للتحول نحو الحياد الصفري، من خلال تبني ممارسات زراعية مستدامة وتحسين إدارة الموارد الطبيعية.
تاريخياً، اضطلعت النساء العاملات في القطاع الزراعي بدور محوري في تبنّي ممارسات مستدامة، مثل الزراعة الإيكولوجية، والزراعة العضوية، والزراعة الذكية مناخياً. وغالباً ما تقود النساء مبادرات مرتبطة بالحفاظ على المياه، وتناوب المحاصيل، والزراعة المجتمعية، بما يسهم في تعزيز استدامة النظم الزراعية. وفي السياق المعاصر، أصبحت النساء فاعلات رئيسيات في منظومة الاستدامة الأوسع، نتيجة لأدوارهن التقليدية في إدارة شؤون الأسرة، بما يشمل شراء الاحتياجات اليومية والتعامل مع النفايات. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن النساء أكثر ميلاً لاعتماد ممارسات مستدامة، مثل إعادة التدوير، وترشيد استهلاك المياه، واستخدام الأجهزة الموفرة للطاقة، وتقليل إنتاج النفايات، مما يعزز ترسيخ أنماط سلوك مستدامة عبر مختلف القطاعات. ويُعدّ دور المرأة عنصراً محورياً في تحقيق الحياد الكربوني، إذ إن إشراك النساء والرجال على قدم المساواة في عمليات صنع القرار يعزز قدرة المجتمعات على التكيف ويرفع من مستوى مرونتها، ويسهم في تسريع التقدم نحو أهداف خفض الانبعاثات على المدى الطويل.
تلعب المنظومات الرقمية للطاقة دوراً محورياً في تحقيق الحياد الكربوني، من خلال الربط المتكامل بين التقنيات وأصحاب المصلحة والمنصات بهدف تحسين كفاءة إنتاج الطاقة وتوزيعها واستهلاكها. وعبر دمج تقنيات إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والبلوك تشين، تتحول الشبكات التقليدية إلى شبكات ذكية قادرة على التكيّف، بما يسرّع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة على المستوى العالمي. وتتيح هذه المنظومات إعادة ضخ فائض الطاقة إلى الشبكة، والحد من الهدر عبر إدارة الطلب في الوقت الفعلي، إلى جانب تطبيق الصيانة التنبؤية، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لموازنة الأحمال ودمج مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، بما يسهم في خفض البصمة الكربونية الإجمالية بشكل ملحوظ. كما تعزز الرقمنة مرونة الشبكات وموثوقيتها، وتدعم إدارة التذبذب في إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وترفع من كفاءة النظام الكهربائي ككل. وفي هذا السياق، تتيح الصيانة التنبؤية رصد الأعطال المحتملة في توربينات الرياح أو مشكلات العاكسات (inverters) في أنظمة الطاقة الشمسية قبل أن تؤدي إلى توقف التشغيل. كما يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤ بأنماط الطقس المحلية بدرجة عالية من الدقة، بما يسمح بتعديل زوايا الألواح الشمسية واتجاه توربينات الرياح تلقائياً لتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.
اقرأ أيضا: الصحة الفلسطينية: 1,266 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في غزة
تتعرض أنظمة الطاقة لهجمات سيبرانية بشكل متزايد ، مما يجعل حمايتها عنصراً حاسماً في المبادرة العالمية لإزالة الكربون. وقد شهدنا عدة حملات لبرمجيات خبيثة تسببت في تعطيل عمليات الشبكة؛ ومن الأمثلة البارزة على ذلك هجوم “BlackEnergy” عام 2015 على شبكة الكهرباء في أوكرانيا، والذي أدى إلى انقطاع واسع النطاق للتيار الكهربائي، وتلاه هجوم “Industroyer” الذي استهدف محطة فرعية للكهرباء، مما أثر على إمدادات الطاقة لآلاف المنازل. وتُعد الشبكات الذكية أكثر عرضة للاختراقات الأمنية نظراً لتعقيدها التشغيلي وشبكتها الواسعة من الأجهزة المترابطة. وتُعد جدران الحماية، وأنظمة كشف التسلل، وتقنيات التشفير، وتجزئة الشبكة من التدابير الأمنية التي يجب تطبيقها لتعزيز موثوقية الشبكات الذكية وقدرتها على الصمود. كما استهدفت الهجمات السيبرانية أنظمة طاقة الرياح؛ حيث وقع هجوم ببرمجيات خبيثة على أنظمة التحكم الإشرافي وتحصيل البيانات (SCADA) الخاصة بطاقة الرياح في أذربيجان عام 2020. وواجهت ألمانيا أيضاً هجمات سيبرانية استهدفت توربينات الرياح، مما أدى إلى تعطيل عمليات التحكم والمراقبة لآلاف التوربينات في جميع أنحاء أوروبا. ومن ثم، تبرز حاجة ملحة لتطبيق سياسات صارمة للتحكم في الوصول واستخدام أدوات كشف التسلل لتعزيز الأمن. وتُعد أنظمة الطاقة الشمسية أيضاً عرضة لمخاطر البرمجيات الخبيثة التي تستهدف العواكس (inverters)، والوصول غير المصرح به إلى أنظمة المراقبة، واختراق بيانات إنتاج الطاقة. إذ تتمتع البيانات المتعلقة بأنماط إنتاج الطاقة، والربط بالشبكة، والكفاءة التشغيلية بقيمة تجارية، حيث يقوم مجرمو الإنترنت ببيع هذه البيانات أو استخدامها لتحقيق ميزة تنافسية. ويمكن دفع نظام الطاقة الشمسية الذي تعرض لاختراق سيبراني إلى تجاوز حدود التشغيل الآمنة، مما يعرض المكونات الحيوية لخطر التلف.
لا يزال الهيدروجين كوقود في مرحلة التكوين، وتفتقر عمليات إنتاجه إلى معايير حوكمة راسخة وأطر تنظيمية محددة. وتُعد أنظمة الطاقة التي تعتمد على الهيدروجين شديدة العرضة للهجمات السيبرانية التي قد تؤدي إلى تعطيل العمليات، والتسبب في تقلبات الجهد الكهربائي، ودفع خزانات التخزين لتجاوز الحدود الحرجة، مما يسفر عن خسائر تشغيلية واقتصادية.
ينبغي على مزودي الطاقة تعزيز المرونة الرقمية من خلال اعتماد بنى السحابة الهجينة وتطبيق ضوابط صارمة لتوطين البيانات، بما يضمن أمن الأنظمة وموثوقيتها في ظل تزايد ترابط شبكات الطاقة وتعقيدها. ويكتسب هذا التوجه أهمية بالغة للحفاظ على السلامة التشغيلية ومرونة البنية التحتية وأمن إمدادات الطاقة، خصوصاً مع تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة. كما يُعدّ تمكين المرأة، سواء في السياسات أو الممارسات المرتبطة بقطاع الطاقة، ركيزة أساسية لضمان أن يكون هذا التحول عادلاً وشاملاً، وبما يتماشى مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
اقرأ أيضا: وظائف الغزل والنسيج .. فرص عمل برواتب من 7 لـ 9 آلاف جنيه في 3 محافظات
