
دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، بعد انتهاء مهلة الستين يوما التي حددتها مذكرة إسلام آباد للتفاهم، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب أو يحسم الملفات العالقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني وإدارة مضيق هرمز.
اقرأ أيضا: إقامة دبي” تشارك في النسخة الثالثة من مبادرة “ثلاجة الفريج
وانتهت المهلة أمس الاثنين، فيما رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد التفاهم، وطالب إيران برفع “الراية البيضاء”، مؤكدا أن هدفه الأول هو منعها من امتلاك سلاح نووي. وفي المقابل، هددت إيران بالانتقال إلى موقف عسكري “هجومي بالكامل” إذا فشلت الدبلوماسية.
لكن انتهاء المهلة لم يؤد حتى الآن إلى عودة حرب شاملة، كما لم يفض إلى اتفاق جديد. وبذلك تدخل الأزمة منطقة رمادية: لا اتفاق ينهي المواجهة، ولا حرب شاملة تحسمها.
مذكرة الـ60 يوما.. ماذا حدث؟
في 17 حزيران/يونيو، وقعت واشنطن وطهران “مذكرة إسلام آباد للتفاهم”، التي نصت على وقف العمليات العسكرية وفتح الطريق أمام مفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال مدة أقصاها 60 يوما، قابلة للتمديد بموافقة الطرفين. كما تناولت المذكرة ملفات من بينها الحصار البحري الأمريكي، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، والعقوبات والبرنامج النووي.
ووقّع ترامب النسخة الأمريكية في قصر فرساي بفرنسا على هامش قمة مجموعة السبع، بينما وقّع الجانب الإيراني نسخته إلكترونيا، وأصبح الاتفاق يعرف رسميا باسم «مذكرة إسلام آباد» رغم توقيع ترامب في فرنسا.
لكن التفاهم لم يصمد بصورة كاملة خلال الفترة التالية، إذ بقيت الخلافات بشأن تنفيذ بنوده، خصوصا إعادة فتح هرمز، ورفع الحصار والعقوبات، والوجود العسكري الأمريكي، إلى جانب الملفات النووية التي كان يفترض أن تعالج في الاتفاق النهائي.
وبحلول موعد انتهاء المهلة، لم يتمكن الوسطاء من ردم الهوة بين الطرفين، فيما أعلنت واشنطن أنها لا تسعى إلى تمديد التفاهم المؤقت.
ماذا يريد ترامب الآن؟ 4 خيارات
لا يبدو أن أمام الرئيس الأمريكي خيارا واحدا، بل مجموعة مسارات يمكن استخدامها منفردة أو بالتوازي.
العودة إلى الضربات العسكرية
يبقى الخيار العسكري قائما. فترامب لم يستبعد استئناف الضربات، بل واصل توجيه تهديدات شديدة إلى طهران.
لكن العودة إلى حرب واسعة تحمل مخاطر كبيرة على الولايات المتحدة وحلفائها. فقد أثبتت إيران قدرتها على استهداف قواعد ومصالح أمريكية وإقليمية، بينما تحول مضيق هرمز إلى واحدة من أهم ساحات المواجهة.
كما بدأ استمرار الحرب يفرض ضغوطا على الانتشار العسكري الأمريكي، خصوصا مع طول فترة بقاء حاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة.
تشديد الضغط الاقتصادي والبحري
هذا الخيار يبدو أكثر انسجاما مع المسار الذي اتبعته إدارة ترامب في الأيام الأخيرة. وتراهن واشنطن على أن استمرار العقوبات والضغط على صادرات النفط والاقتصاد الإيراني، بالتوازي مع الحصار البحري، سيزيد كلفة المواجهة على طهران ويدفعها في النهاية إلى تقديم تنازلات أكبر.
وأفادت “وول ستريت جورنال” بأن الإدارة الأمريكية تتجه إلى إعطاء الضغط الاقتصادي مزيدا من الوقت بدلا من العودة الفورية إلى حرب شاملة.
لكن المشكلة أن الضغط على إيران لا يبقى داخل حدودها. فحركة السفن في مضيق هرمز تراجعت بشدة، فيما ارتفع سعر خام برنت إلى نحو 90.87 دولارا للبرميل في تعاملات أمس، وسط مخاوف من استمرار اضطراب إمدادات الطاقة.
اظهار أخبار متعلقة
صفقة جديدة بشروط ترامب
رغم الخطاب التصعيدي، لم تغلق الدبلوماسية أبوابها. وكان التطور الأكثر لفتا في هذا السياق تأكيد ترامب وجود قناة اتصال خلفية مع الحرس الثوري الإيراني، بالتزامن مع تشديده العلني على ضرورة استسلام طهران.
لكن هذه القناة ليست وليدة الأيام الأخيرة. فقد كشف تحقيق نشره موقع “أكسيوس” أن إدارة ترامب فتحت في أيار/مايو مسارا سريا للتواصل مباشرة مع قيادة الحرس الثوري، بعدما ساورتها شكوك بشأن مدى تمثيل المفاوضين الإيرانيين الرسميين لموقف القوة الأكثر نفوذا داخل المؤسسة الإيرانية.
واستخدمت واشنطن رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني وسيطا للوصول إلى قائد الحرس الثوري اللواء أحمد وحيدي. وكان الهدف معرفة ما إذا كان الحرس يؤيد المسار التفاوضي الذي كان يقوده وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
وبحسب “أكسيوس”، نقل وحيدي عبر هذا المسار دعمه للمفاوضين وتفضيله حل الأزمة عبر التفاوض، قبل أن تقترح واشنطن عقد لقاء سري في أربيل. لكن الجانب الإيراني تحفظ على الفكرة بسبب مخاوف من استهداف إسرائيلي محتمل للمشاركين، ولم يعقد اللقاء.
كل الخيارات مفتوحة
المسار الرابع، هو أن ترامب قد لا يختار مسارا واحدا أصلا. فيمكنه مواصلة العقوبات والحصار البحري، والإبقاء على التهديد العسكري، وفي الوقت نفسه السماح باستمرار القنوات السرية مع إيران.
اقرأ أيضا: التهاب الأذن بعد السباحة.. الأسباب وطرق الوقاية…
ويطمح ترامب في حال اتخذ هذار المسار، أن يمنح الولايات المتحدة أكبر مساحة للمناورة: إذا قدمت طهران تنازلات، يستطيع الانتقال إلى صفقة؛ وإذا رفضت، يبقى الخيار العسكري قائما؛ وإذا لم يحدث أي من الأمرين، يمكنه مواصلة سياسة الاستنزاف.
وأطلقت وسائل إعلام على هذه المرحلة معادلة “اللاحرب واللاسلم”، أو مرحلة “عض الأصابع”. فلا يوجد اتفاق جديد، لكن لا توجد أيضا عودة إلى حرب شاملة.
ويمكن تلخيص المشهد بأن واشنطن تواصل الضغط الاقتصادي والعسكري، بينما تحتفظ إيران بأوراقها العسكرية وتستخدم مضيق هرمز للضغط والتفاوض.
إيران.. خسائر اقتصادية وأوراق ضغط
تدفع إيران ثمنا اقتصاديا وعسكريا كبيرا، لكن استمرار الأزمة يمنحها أيضا أوراق ضغط مهمة، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وتراهن طهران على أن ارتفاع أسعار النفط واضطراب التجارة العالمية سيجعلان استمرار الضغط الأمريكي مكلفا لواشنطن نفسها.
لكن الرهان يحمل مخاطر كبيرة؛ فاستمرار العقوبات وتراجع حركة التجارة والطاقة يضغطان على الاقتصاد الإيراني، بينما تواصل الولايات المتحدة استخدام العقوبات والحصار كأداة لإجبار طهران على تقديم تنازلات.
لكن استمرار الأزمة يرفع كلفة الطاقة ويزيد المخاطر الاقتصادية والسياسية في الداخل الأمريكي، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وفي 17 آب/أغسطس، ارتفع خام برنت إلى 90.87 دولارا للبرميل، فيما تراجعت الأسهم الأمريكية مع استمرار المخاوف المرتبطة بالتوتر في الشرق الأوسط.
ما موقف دول الخليج؟
تجد دول الخليج نفسها في موقع بالغ الحساسية، فهي لا تريد لإيران أن تستعيد قدراتها العسكرية التي تعتبرها تهديدا إقليميا، لكنها في الوقت ذاته لا تريد حربا طويلة على حدودها.
والأهم أن استمرار الأزمة يضرب حركة الطاقة والتجارة، إذ أدى الانخفاض الحاد في حركة السفن عبر هرمز إلى رفع تكاليف النقل والتأمين، فيما أصبحت أي مواجهة جديدة تهديدا مباشرا لسلاسل إمدادات الطاقة العالمية.
وتشير بيانات حديثة إلى أن عدد السفن التي عبرت المضيق هبط إلى مستويات شديدة الانخفاض؛ إذ لم تعبره أي سفينة يوم الأحد، بعد مرور خمس سفن فقط يوم السبت، مقارنة بمستويات أعلى بكثير قبل الحرب كانت تصل إلى 100-130 سفينة يوميا، بحسب بيانات شركة “كيبلر”.
اقرأ أيضا: “بن داود” تستحوذ على مصنع ألبان في إستونيا بـ 585 مليون ريال
