وزير الداخلية السوري يشكّل لجنة للتحقيق في وفاة شاب بعد توقيفه بريف اللاذقية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

شكّل وزير الداخلية السوري المهندس أنس خطاب لجنة للتحقيق في ملابسات وفاة الشاب محمد حسام الدين غميرة، بعد أيام من توقيفه في قسم شرطة الحفة بريف اللاذقية ونقله إلى المستشفى في حالة صحية حرجة، في خطوة تأتي وسط مطالبات بكشف ظروف احتجازه وتحديد المسؤوليات.

اقرأ أيضا: وزير الصحة في النعامة لمتابعة جرحى حادث عين الصفراء

وأعادت القضية، التي أثارت تفاعلاً واسعاً، ملف الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز إلى الواجهة، وطرحت مجدداً أسئلة حول مدى قدرة المؤسسات الأمنية في سوريا الجديدة على القطع مع إرث الاعتقال والتعذيب والإفلات من العقاب.

وجاءت الوفاة وسط غضب واسع على مواقع
التواصل الاجتماعي، فيما اختصر الرئيس السابق للائتلاف الوطني السوري، الشيخ معاذ
الخطيب، جانباً من هذا الغضب في تدوينة على حسابه في منصة “إكس”، قال
فيها: “محمد غميرة في ذمة الله، نتيجة ضرب أدى إلى الموت، ألا توجد شجاعة لدى
أحد ليستقيل؟”.

ولا تأتي قضية غميرة في فراغ سياسي وأمني؛
فهي تقع في مرحلة شديدة الحساسية من الانتقال السوري، حيث تحاول السلطة الجديدة
بناء مؤسسات الدولة بعد أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، بينما لا تزال
أجهزة الأمن تعاني من آثار مرحلة طويلة ارتبط فيها الاعتقال والتعذيب والانتهاكات
بمنظومة الحكم السابقة.

ثلاثة أيام في التوقيف ثم المستشفى

بحسب ما أوردته مصادر سورية، أوقف غميرة في
قسم شرطة الحفة على خلفية شكوى تتعلق بادعاء سرقة مبلغ مالي، قبل أن تتدهور حالته
الصحية بصورة خطيرة وينقل إلى مستشفى تشرين الجامعي في اللاذقية.

وكان غميرة يعاني من مرض “الناعور” أو
الهيموفيليا، وهو اضطراب يؤثر في قدرة الدم على التخثر، ما يجعل أي إصابة أو نزيف
أكثر خطورة. وتقول عائلته إنها أبلغت عناصر المخفر بوضعه الصحي وحذرت من تعريضه
للضرب. (تطبيق نبض)

وتحدثت عائلته ومصادر محلية عن تعرضه للضرب
أثناء التوقيف، وأنه خرج من الاحتجاز في حالة صحية حرجة، قبل نقله إلى المستشفى،
حيث تحدثت المعلومات المتداولة عن نزيف داخلي ونزيف دماغي ودخوله في غيبوبة.

لكن من الناحية الإخبارية والقانونية، تبقى
المسؤولية النهائية عن الوفاة مرتبطة بنتائج التحقيق الرسمي والأدلة الطبية
والقضائية، ولا يصح حسم تفاصيلها قبل اكتمال التحقيق.

غير أن السلطات السورية تعاملت مع القضية
باعتبارها مسألة تستوجب التحقيق؛ إذ أعلنت قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية تشكيل
لجنة مختصة للنظر في ظروف توقيف غميرة والإجراءات التي اتخذت بحقه، مع التأكيد على
أن أي تجاوز يثبت وقوعه سيقابل بالإجراءات القانونية. (القدس العربي)

وبعد الإعلان عن وفاة غميرة، أعلنت قيادة
الأمن الداخلي توقيف سبعة أشخاص كانوا موجودين في نظارة قسم شرطة الحفة خلال فترة
توقيفه، على ذمة التحقيق.

لماذا تكتسب القضية حساسية استثنائية؟

المسألة بالنسبة لكثير من السوريين لا تتعلق
فقط بوفاة شاب في مركز احتجاز، وإنما بالسؤال الأكبر الذي يرافق المرحلة
الانتقالية منذ سقوط الأسد: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تبني دولة قانون تختلف
جذرياً عن الدولة الأمنية التي أسقطتها الثورة والحرب؟

فالمشكلة التي تواجه السلطة الانتقالية ليست
مجرد إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، بل إعادة تعريف علاقة المواطن بالدولة نفسها.

في سوريا الأسد، كان الخوف من أجهزة الأمن
جزءاً من الحياة اليومية لعقود. وكان الاعتقال والتعذيب من أبرز رموز تلك
المنظومة. ولذلك فإن أي حادثة وفاة أو تعذيب داخل مكان احتجاز اليوم تكتسب حمولة
سياسية أكبر من كونها واقعة جنائية منفردة؛ لأنها تستدعي مباشرة الذاكرة السورية
الثقيلة.

وقد وثقت الأمم المتحدة خلال العام الجاري
استمرار وقوع حالات قتل خارج نطاق القضاء وتعذيب وسوء معاملة ووفيات أثناء
الاحتجاز واختفاء قسري وعمليات خطف، ما يؤكد أن بناء منظومة أمنية وقضائية جديدة
ما زال تحدياً مركزياً في المرحلة الانتقالية.

الساحل.. المنطقة الأكثر حساسية

وتزداد حساسية قضية غميرة بسبب وقوعها في
محافظة اللاذقية، إحدى أبرز مناطق الساحل السوري، حيث ما تزال العلاقة بين السكان
والمؤسسات الأمنية محكومة بذاكرة شديدة التعقيد.

فالمنطقة شهدت خلال المرحلة التي أعقبت سقوط
الأسد موجات من العنف والانتقام والانتهاكات، ولا سيما خلال أحداث الساحل في
مارس/آذار 2025. وقد خلصت تقارير حقوقية إلى توثيق انتهاكات واسعة، بينها إعدامات
تعسفية وإساءة معاملة محتجزين، فيما أشارت لجنة التحقيق الأممية إلى أن بعض
الهجمات قد ترقى إلى جرائم حرب.

ومن هنا فإن أي تجاوز أمني جديد في اللاذقية
لا يُقرأ محلياً فقط، وإنما يمكن أن يتحول إلى مادة تغذي المخاوف الطائفية
والسياسية، وتزيد انعدام الثقة بين الدولة ومكونات اجتماعية لا تزال تنظر بقلق إلى
مستقبلها في سوريا الجديدة.

السلطة أمام اختبار أصعب من مجرد الاعتقال

المفارقة أن قضية غميرة تأتي في وقت تحاول
فيه السلطة الانتقالية تقديم نفسها باعتبارها الجهة التي ستؤسس لمرحلة مختلفة
عنوانها العدالة والمحاسبة.

وفي 11 أغسطس/آب الجاري، أصدرت محكمة سورية
أحكاماً بالإعدام بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد غيابياً، إلى جانب مسؤولين
سابقين، فيما صدر حكم بحق عاطف نجيب، المسؤول الأمني السابق في درعا، على خلفية
جرائم مرتبطة بالقمع والتعذيب. وقد اعتبرت السلطة هذه المحاكمات جزءاً من مسار
العدالة الانتقالية، بينما أثارت منظمات حقوقية أسئلة حول ضمانات المحاكمة وسرعة
الإجراءات واستقلال القضاء.

وهنا تكمن المفارقة السياسية التي تفرضها
وفاة غميرة: لا يمكن لدولة جديدة أن تحاكم جلادي الأمس باسم العدالة، ثم تسمح
بظهور ممارسات تشبه، ولو جزئياً، ما قامت الثورة أصلاً لإنهائه.

العدالة الانتقالية لا تعني فقط محاكمة
مسؤولي النظام السابق. إنها أيضاً بناء قواعد جديدة تمنع تكرار الانتهاكات، سواء
ارتكبها موظف أمني سابق أو عنصر في المؤسسة الجديدة.

سؤال معاذ الخطيب: من يستقيل؟

لهذا تبدو عبارة معاذ الخطيب عن «الشجاعة»
والاستقالة أبعد من مجرد تعليق على حادثة جنائية.

فالاستقالة في الأنظمة التي تريد بناء دولة
مؤسسات ليست اعترافاً بالهزيمة بالضرورة، وإنما يمكن أن تكون إعلاناً عن وجود
مسؤولية سياسية وأخلاقية. والمسؤول الذي يقع انتهاك جسيم داخل مؤسسة تقع تحت سلطته
لا يستطيع دائماً الاحتماء بالقول إن التحقيق سيحدد الفاعل الفردي.

اقرأ أيضا: النفط يستقر والذهب يرتفع مع ترقب مسار حرب إيران

لكن في المقابل، فإن تحميل مسؤولية سياسية
قبل اكتمال التحقيق قد يحول دون الوصول إلى الحقيقة. ولذلك فإن السؤال الأهم الذي
تطرحه قضية غميرة هو: هل ستصل التحقيقات إلى الحقيقة كاملة، أم ستنتهي القضية عند
توقيف بعض العناصر؟

فالاختبار الحقيقي ليس في إعلان فتح
التحقيق، وإنما في نتيجته: من ضرب؟ لماذا حدث ذلك؟ هل كان هناك تقصير في التعامل
مع حالة غميرة الصحية؟ من كان يعلم؟ ومن يتحمل المسؤولية القيادية؟ وهل ستعلن
النتائج للرأي العام بشفافية؟

سوريا بين إرث الماضي ومخاطر الحاضر

تعيش سوريا اليوم مرحلة انتقالية شديدة
التعقيد. فالدولة تحاول توحيد مؤسسات أمنية وعسكرية تشكلت خلال سنوات الحرب،
وإعادة بناء القضاء، واحتواء مناطق ومكونات سياسية واجتماعية متباينة، في وقت لا
تزال فيه البلاد تواجه تهديدات أمنية وصراعات محلية وتوترات إقليمية.

وفي يوليو/تموز الماضي، شهدت المؤسسة
الأمنية تغييرات واسعة شملت مواقع قيادية في مكتب الأمن الوطني والاستخبارات، في
إطار إعادة ترتيب البنية الأمنية للدولة.

كما أن الاحتجاجات والمطالبات الشعبية خلال
الأشهر الماضية ركزت على المحاسبة والعدالة الانتقالية ورفض إعادة تدوير بعض
شخصيات الحقبة السابقة.

لذلك، فإن قضية غميرة تأتي في لحظة تتجاوز
فيها القضية شخصاً واحداً. إنها تختبر صورة الدولة التي تريد السلطة الجديدة
تقديمها للسوريين.

سوريا التي خرجت من سجون الأسد لا يمكن أن
تقبل بأن يصبح السجن مكاناً يخاف فيه المواطن على حياته من جديد.

ولهذا فإن السؤال الذي طرحه معاذ الخطيب
سيظل مفتوحاً إلى أن تظهر الحقيقة كاملة: ليست المسألة فقط من سيُعتقل على خلفية
وفاة محمد غميرة، وإنما ما إذا كانت الدولة السورية الجديدة قادرة على تحويل هذه
المأساة إلى لحظة تأسيس حقيقية لقاعدة تقول إن كرامة الموقوف وسلامته ليستا منّة
من السلطة، بل حقاً لا يجوز المساس به.

فإذا كانت سوريا الجديدة تريد فعلاً أن تطوي
صفحة الدولة الأمنية، فإن أول شروط ذلك أن يصبح القانون أقوى من رجل الأمن،
والمواطن أقوى بحقوقه من خوفه، والمسؤول قادراً على الاستقالة حين تفشل المؤسسة
التي تقع تحت مسؤوليته.

اظهار أخبار متعلقة

اقرأ أيضا: تجدد فرصة الأمطار الصيفية النادرة في أجزاء من بلاد الشام اليوم الاثنين

‫0 تعليق