هل تضر الشاشات عقول الأطفال؟ دراستان وخلاف بين الخبراء…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بين التحذير من تأثير الشاشات في نمو الأطفال والدفاع عن استخدامها المعتدل في التعليم، يتصاعد الجدل حول الدور الذي أصبحت تؤديه التكنولوجيا في حياة الصغار، سواء قبل دخول المدرسة أو داخل الفصول الدراسية.

اقرأ أيضا: 500 ألف دينار لتأهيل الطرق والبنية التحتية في بلدية طبقة…

اضافة اعلان

ويستند طرف من هذا الجدل إلى بيانات تشير إلى ارتباط الاستخدام المكثف للشاشات بتراجع الأداء الأكاديمي ومشكلات في النمو، بينما يحذر خبراء آخرون من القفز إلى استنتاج أن الشاشات هي السبب المباشر، مشيرين إلى أن الاستخدام المعتدل للتكنولوجيا قد يرتبط في بعض الحالات بنتائج تعليمية أفضل.

عالم أعصاب: الأطفال اليوم أقل قدرة على الإدراك

يعد عالم الأعصاب والمعلم السابق جاريد كوني هورفاث من أبرز الأصوات المطالبة بتقليص استخدام التكنولوجيا داخل المدارس. وقد أمضى أكثر من 15 عاماً في دراسة كيفية تعلم البشر، ويعتقد أن الاعتماد المتزايد على الشاشات والأدوات الرقمية يضعف قدرة الأطفال على التعلم والاحتفاظ بالمعرفة.

وفي كتابه «الوهم الرقمي»، يرى هورفاث أن التقدم الذي حققته الأجيال الغربية في الصحة والتعليم على مدى نحو قرنين بدأ يتباطأ منذ مطلع الألفية، بالتزامن مع توسع وصول الأطفال إلى الشاشات.

ويقول إن درجات الذكاء في العديد من الدول الغربية بدأت بالتراجع منذ نحو عام 2000، رغم استمرار زيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال في التعليم، كما انخفض الأداء في الاختبارات الدولية، وهو ما يربطه بالتوسع الكبير في تكنولوجيا التعليم.

ووصل حجم سوق تكنولوجيا التعليم في المملكة المتحدة، وفق البيانات الواردة في التقرير، إلى نحو 6.5 مليار جنيه إسترليني سنوياً، بينما يقدر هورفاث قيمة القطاع في الولايات المتحدة بنحو 400 مليار دولار.

ويرى هورفاث أن المشكلة لا تقتصر على الشاشات المستخدمة للترفيه، بل تشمل أيضاً الأجهزة الرقمية المستخدمة في التعليم، داعياً إلى تقليلها قدر الإمكان عندما يكون الهدف بناء معرفة عميقة يستطيع الطالب تطبيقها في مواقف مختلفة.

كيف غزت أجهزة الكمبيوتر الفصول الدراسية؟

بحسب هورفاث، بدأ انتشار أجهزة الكمبيوتر المحمولة في المدارس الأميركية بصورة واسعة بين عامي 2010 و2012، قبل أن تتسارع العملية بشكل كبير خلال جائحة كورونا.

ومع إغلاق المدارس، أصبح التحول إلى التعليم الرقمي ضرورة مؤقتة، لكن المدارس لم تتراجع عنه بعد انتهاء الجائحة. ويشير هورفاث إلى أن 88 في المئة من المناطق التعليمية في الولايات المتحدة باتت توفر جهاز كمبيوتر لكل طالب، فيما شهدت المملكة المتحدة تحولاً مشابهاً.

الدراسة الأولى: ست ساعات أمام الشاشة و66 نقطة أقل

يعتمد هورفاث في جانب من موقفه على بيانات برنامج التقييم الدولي للطلاب «بيزا»، الذي يقيس أداء الطلاب في سن 15 عاماً في عشرات الدول كل ثلاث سنوات.

وخلال اختبارات أعوام 2012 و2015 و2018، سُئل الطلاب عن مقدار الوقت الذي يقضونه في استخدام الأجهزة الرقمية خلال اليوم الدراسي.
وبحسب قراءة هورفاث لهذه البيانات، كلما زاد الوقت الذي يستخدم فيه الطلاب الشاشات داخل المدارس، انخفضت نتائجهم الأكاديمية.

ويشير إلى أن الطلاب الذين استخدموا أجهزة الكمبيوتر أكثر من ست ساعات يومياً حققوا، في المتوسط، نتائج أقل بنحو 66 نقطة مقارنة بالطلاب الذين لم يستخدموها على الإطلاق.

لكن هذه النتيجة هي تحديداً النقطة التي بدأ عندها الخلاف بين الباحثين والخبراء.

خبراء يعترضون: الارتباط لا يعني أن الشاشات هي السبب

لا يتفق جميع خبراء التعليم مع استنتاجات هورفاث.
وتقول روز لوكين، الأستاذة الفخرية في مختبر المعرفة بجامعة كوليدج لندن والخبيرة في الذكاء الاصطناعي والتعليم، إن هورفاث محق في أن كثيراً من تقنيات التعليم جرى الترويج لها بناء على وعود أكثر من اعتمادها على أدلة علمية قوية.
لكنها ترفض في الوقت نفسه اعتبار جميع تكنولوجيا التعليم ضارة.

وتشير لوكين إلى أن بيانات «بيزا» نفسها تكشف جانباً مختلفاً من الصورة: الاستخدام المعتدل للأجهزة في المدارس ارتبط بنتائج أفضل من عدم استخدامها على الإطلاق، في حين ارتبط الاستخدام اليومي المكثف بأسوأ النتائج.

وهنا يصبح الخلاف أساسياً: هورفاث يرى في البيانات دليلاً يدعم تقليص الشاشات بصورة كبيرة، بينما ترى لوكين أنها تدعم فكرة الاستخدام المحدود والمدروس بدلاً من إلغاء التكنولوجيا تماماً.

أما ديلان ويليام، الأستاذ الفخري للتقييم التربوي في معهد التعليم بجامعة كوليدج لندن، فيذهب إلى نقطة أكثر تحفظاً، إذ يقول إن التكنولوجيا قد تكون بالفعل مؤذية لتحصيل الطلاب، لكن الدراسات المتاحة حالياً تعتمد بدرجة كبيرة على الارتباط، ولا تستطيع إثبات أن التكنولوجيا هي التي سببت انخفاض النتائج.

ويشير إلى وجود دراسات مصممة جيداً أظهرت أيضاً تأثيراً إيجابياً للتكنولوجيا في تحصيل الطلاب، ولذلك لا يمكن اختزال السؤال في ما إذا كانت التكنولوجيا التعليمية جيدة أو سيئة، بل يجب البحث عن الظروف التي تساعد فيها التكنولوجيا على التعلم وتلك التي تعوقه.

كما ترى ديزي كريستودولو، مديرة التعليم في شركة «نو مور ماركينغ»، أن المجتمع تعامل بتساهل مع كثير من التقنيات الجديدة من دون التحقق الكافي من تأثيرها، لكنها أكثر تفاؤلاً من هورفاث بشأن إمكانات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خصوصاً لدى الطلاب الأكبر سناً.

الدراسة الثانية: المخاطر قد تبدأ قبل عمر عامين

ولا يقتصر القلق من الشاشات على المدارس.
فمراجعة بحثية أخرى أجراها فريق آي أديكت بتكليف من مؤسسة 1001 يوم حاسم، وبمشاركة باحثين من أربع جامعات بريطانية، درست استخدام الشاشات خلال أول 1001 يوم من حياة الطفل، أي منذ الحمل وحتى بلوغ عمر عامين.

وخلص الباحثون إلى أن الرضع والأطفال دون الثانية ينبغي أن يتجنبوا الاستخدام المنتظم والمتعمد للشاشات.

وربطت المراجعة بين ارتفاع التعرض للشاشات خلال أول عامين وبين مجموعة من المشكلات، تشمل اضطرابات النوم، وتأخر اللغة، والصعوبات السلوكية، وزيادة خطر السمنة، وقصر النظر، ومشكلات لاحقة في تكوين الصداقات والتفاعل الاجتماعي.

أكثر من 70 في المئة من الأطفال يتعرضون للشاشات

راجعت الدراسة أبحاثاً عالمية عن استخدام الشاشات في هذه المرحلة العمرية، كما استطلعت آراء آباء ومقدمي رعاية لأطفال دون الثانية.

اقرأ أيضا: سوريا ضيف شرف.. ٣٠٠ دار نشر في الدورة ١١ لمعرض إسطنبول الدولي للكتاب

وأظهرت النتائج أن الشاشات تستخدم لدى أكثر من 70 في المئة من الرضع والأطفال دون عمر عامين.

كما تبين أن طفلاً واحداً من كل عشرة أطفال تقريباً ينام بصورة منتظمة مع وجود شاشة، بينما يقضي بعض الأطفال عدة ساعات يومياً أمام الأجهزة.

لكن الباحثين أكدوا نقطة مهمة: الدراسة لا تثبت أن الشاشات تسبب مباشرة جميع المشكلات التطورية التي رصدتها.

فالرضع يحتاجون في هذه المرحلة إلى سماع اللغة، واللعب الجسدي، والنوم، والتواصل البصري، وانتباه مقدمي الرعاية، والتفاعل الاجتماعي الطبيعي. والمخاوف تكمن في أن الاستخدام المتكرر للشاشات قد يحل محل جزء من هذه التجارب الضرورية، خصوصاً عندما يستخدم الهاتف أو الجهاز اللوحي باستمرار كوسيلة لتهدئة الطفل.

من «المهدئ الرقمي» إلى «طفل الآيباد»

وتشير المراجعة إلى أن الاعتماد على الأجهزة قد يبدأ في عمر أبكر مما تعتقده كثير من العائلات.

وأصبح مصطلح «طفل الآيباد» يستخدم لوصف الأطفال الذين يجدون صعوبة في الانفصال عن الأجهزة، أو يحتاجون إلى تحفيز رقمي مستمر، أو يتعاملون مع الشاشة باعتبارها المصدر الأساسي للراحة والترفيه.

وتحذر المراجعة من أن القضية لا تتعلق فقط بنوعية المحتوى الذي يشاهده الطفل، وإنما بالسرعة التي تتحول بها الشاشات إلى جزء من روتين الرعاية اليومية. فإذا اعتاد الطفل منذ ما قبل عمر عامين على الهاتف أو الجهاز اللوحي كوسيلة منتظمة للتهدئة، فقد تصبح علاقته بالأجهزة أكثر رسوخاً في مراحل لاحقة.

أين يقع الخلاف؟

تتقاطع الدراستان عند نقطة أساسية: الاستخدام المكثف للشاشات يرتبط بنتائج أقل إيجابية لدى الأطفال، سواء في سنواتهم الأولى أو أثناء الدراسة. لكن الخلاف يبدأ عند تفسير هذه العلاقة.

هورفاث يتبنى موقفاً أكثر تشدداً، ويرى أن تكنولوجيا التعليم أصبحت جزءاً من مشكلة أوسع في قدرة الأطفال على التعلم، ولذلك يطالب بتقليل استخدامها بصورة كبيرة.

في المقابل، يشدد خبراء مثل روز لوكين وديلان ويليام على أن البيانات لا تثبت أن الشاشة نفسها هي السبب المباشر في تراجع الأداء. بل إن الاستخدام المعتدل للأجهزة ارتبط، في بعض البيانات، بنتائج أفضل من الامتناع التام عنها.

وبذلك لا تبدو القضية صراعاً بين «الشاشات جيدة» و«الشاشات سيئة»، بقدر ما هي خلاف علمي حول العمر الذي يبدأ فيه استخدامها، والمدة المناسبة، والغرض منها، وما الذي تحل محله من أنشطة تعليمية واجتماعية ضرورية.

ملاحظة مهمة: في المصادر التي أرسلتِها يوجد عالم أعصاب واحد مذكور بالاسم، وهو جاريد كوني هورفاث. أما الرأي المقابل فجاء من خبراء في التعليم والتقييم والذكاء الاصطناعي، وعلى رأسهم روز لوكين وديلان ويليام؛ لذلك لم أنسب لأحد منهم صفة «طبيب أعصاب» لأنها غير موجودة في النص.

اقرأ أيضا: مستوطنون يحاصرون منازل فلسطينية في قصرة لليوم التاسع

‫0 تعليق