سوريا ضيف شرف.. ٣٠٠ دار نشر في الدورة ١١ لمعرض إسطنبول الدولي للكتاب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

انطلقت أول أمس السبت في مدينة إسطنبول
التركية فعاليات الدورة الحادية عشرة من معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي، في
تظاهرة ثقافية تمتد حتى 23 آب/أغسطس الجاري، بمشاركة واسعة من دور النشر والمؤسسات
الثقافية والتعليمية العربية والدولية.

اقرأ أيضا: مستوطنون يحاصرون منازل فلسطينية في قصرة لليوم التاسع

وتقام الدورة الجديدة في مركز أوراسيا
للمعارض والفنون بمنطقة يني قابي، بمشاركة أكثر من 300 دار نشر من أكثر من 30
دولة، فيما تشير التقديرات التنظيمية إلى استهداف استقبال أكثر من 120 ألف زائر
خلال أيام المعرض التسعة.

“الحكاية مستمرة”.. الكتاب العربي
في قلب إسطنبول

وتحمل الدورة الحادية عشرة شعار “الحكاية
مستمرة”، في إشارة إلى استمرار حضور الكتاب واللغة العربية في إسطنبول،
المدينة التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى نقطة التقاء مهمة للجاليات العربية
والناشرين والكتاب والباحثين والطلاب العرب المقيمين في تركيا وأوروبا.

ويقدم المعرض نفسه بوصفه تظاهرة غير ربحية
تسعى إلى تعزيز حضور اللغة العربية في تركيا وتوثيق الصلات الثقافية بين العرب
والأتراك، كما يستقطب الجامعات والمدارس والمؤسسات التعليمية والجاليات العربية،
إلى جانب الأتراك المهتمين باللغة والثقافة العربية. ويؤكد الموقع الرسمي للمعرض
أنه أصبح أكبر تجمع ثقافي عربي خارج الدول العربية، فيما تجاوز عدد زواره في إحدى
الدورات السابقة 116 ألف زائر.

ولا تقتصر أهمية المعرض على بيع الكتب وعرض
الإصدارات الجديدة، إذ تحوّل إلى مساحة واسعة للقاء بين الناشرين والمؤلفين
والمترجمين والأكاديميين والقراء، فضلا عن كونه منصة لتوقيع الكتب وتنظيم الندوات
والمحاضرات والأمسيات الأدبية والفكرية.

إقبال كبير منذ اليوم الأول

وبحسب أرقام أعلنها منظمو المعرض، شهد اليوم
الثاني، الأحد 16 أغسطس، إقبالا لافتا، إذ بلغ عدد الزوار 23 ألفا و273 زائرا خلال
يوم واحد، ليرتفع إجمالي عدد الزوار منذ افتتاح الدورة إلى 38 ألفا و229 زائرا.

وتشير هذه الأرقام المبكرة إلى حجم الاهتمام
الذي يحظى به الحدث، خصوصا أن المعرض لا يستهدف الجمهور العربي وحده، بل يجمع أيضا
شرائح من المجتمع التركي والطلاب والباحثين والأكاديميين والمؤسسات التعليمية.

ويأتي هذا الإقبال بعد سنوات من ترسيخ
المعرض لموقعه في المشهد الثقافي التركي. ففي دورة 2025، شاركت نحو 300 دار نشر من
أكثر من 20 دولة، ووُصف الحدث بأنه أكبر تظاهرة ثقافية عربية في تركيا وأضخم معرض
للكتاب العربي خارج العالم العربي.

سوريا ضيف شرف الدورة الحادية عشرة

وتحظى سوريا بمكانة خاصة في الدورة الحالية،
إذ اختيرت ضيف شرف للمعرض، مع حضور رسمي وثقافي من وزارة الثقافة السورية وجناح
مخصص يعرض جانبا من المشهد الثقافي السوري وإصداراته.

وفي اليوم الثاني، خصص المعرض ندوة بعنوان “دور
المؤسسات الثقافية في صناعة الهوية الوطنية”، بمشاركة نائب وزير الثقافة
السورية سعد نعسان، ومدير المكتبة الوطنية سعيد حجازي، ومدير المعارض في الهيئة
الوطنية للكتاب مرهف عبد الجواد، وأدارها المنسق الإعلامي للمعرض فاتح حبابه.

ويأتي إبراز سوريا في هذه الدورة في سياق
عودة المؤسسات الثقافية السورية إلى الواجهة بعد التحولات السياسية الكبيرة التي
شهدتها البلاد خلال العامين الأخيرين، بما يجعل المشاركة الثقافية السورية في
إسطنبول تتجاوز عرض الكتب إلى نقاش أوسع حول دور المؤسسات في إعادة بناء الذاكرة
والهوية والحياة الثقافية الوطنية.

كما يحضر الكتاب السوري بقوة داخل أروقة
المعرض، عبر جناح وزارة الثقافة الذي يعرّف الزوار بالإصدارات السورية ويقدم صورة
عن المشهد الأدبي والثقافي في البلاد.

عُمان ومشاركات عربية واسعة

ولا تقتصر المشاركة الرسمية على سوريا، إذ
تشارك سلطنة عُمان ممثلة بوزارة الثقافة والرياضة والشباب، عبر جناح يعرّف
بالإصدارات والمبادرات والمشهد الثقافي العُماني.

ويأتي الحضور العُماني ضمن مشاركة دولية
عربية واسعة، في معرض تسعى الجهات المنظمة من خلاله إلى تحويل إسطنبول إلى منصة
للقاء الثقافات العربية المختلفة، وليس مجرد سوق للكتب.

وكانت دورات سابقة قد شهدت مشاركة واسعة من
المؤسسات الثقافية العربية، فيما تؤكد بيانات اتحاد الناشرين العرب أن دورة 2026
مدرجة رسميا ضمن جدول المعارض المعتمدة في المنطقة.

من حقوق النشر إلى الترجمة

ومن أبرز جوانب الدورة الحالية تخصيص مساحة
لـحقوق النشر والترجمة، حيث يلتقي ناشرون وكتاب وأكاديميون ومترجمون ومصممون
وممثلون عن قطاع صناعة الكتاب لبحث مشاريع جديدة، وحقوق الملكية الفكرية، وفرص
التعاون الدولي.

ويعكس هذا الجانب التحول الذي شهده المعرض
من فعالية جماهيرية لبيع الكتب إلى سوق مهنية تسعى إلى ربط صناعة النشر العربية
بالأسواق الدولية.

وفي السياق ذاته، يحضر مشروع “TULIA” للأدب التركي بالعربية، الذي يهدف إلى توسيع وصول الأدب
التركي إلى القارئ العربي، ودعم حركة الترجمة من التركية إلى العربية.

ويتيح جناح المشروع للكتاب والمترجمين
التعريف بقاعدة بيانات للأعمال التركية المترجمة إلى العربية، واستعراض المشاريع
المنفذة في هذا المجال، بما يفتح نافذة إضافية على التبادل الثقافي التركي العربي.

برنامج ثقافي يتجاوز الكتاب

وتكشف أجندة اليوم الثاني عن اتساع البرنامج
المصاحب للمعرض ليشمل موضوعات دينية وسياسية وفكرية واجتماعية وأدبية وطبية.

فقد شهد الأحد مؤتمرا صحفيا لإطلاق مشروع “سِيَر
العلماء الشهداء”، بمشاركة الداعية محمد العوضي، ورئيس هيئة علماء فلسطين
نواف تكروري، والشاعر أنس دغيم، مدير عام مديريات الثقافة والمراكز الثقافية في
سوريا، إلى جانب الحاجة أم أسامة الحية.

كما تناولت ندوة أخرى “تجارب إبداعية
في الاغتراب”، بمشاركة مجموعة من الأدباء والمثقفين، في محاولة لاستكشاف أثر
الهجرة والابتعاد عن الوطن في التجربة الإبداعية والكتابة.

وضمن البرنامج أيضا ندوة حول “تجربة
حكم الإسلاميين في السودان (1989 ـ 2019)”، ومحاضرة طبية حول حالات الطوارئ
الجراحية الأكثر شيوعا لدى الأطفال، إلى جانب محاضرات ولقاءات أخرى.

وتتواصل الفعاليات في الأيام التالية
بمحاضرات تتناول العلاقة بين الكتاب والذكاء الاصطناعي، وكيفية صناعة جيل أكثر
ارتباطا باللغة العربية، فضلا عن موضوعات أسرية وتربوية وفكرية وعلمية.

قضايا الأمة حاضرة في البرنامج

وتحضر القضايا السياسية والإنسانية في
برنامج المعرض إلى جانب الأدب والثقافة، ومن أبرزها ندوة “قضية تركستان في
ضمير الأمة ومسؤولية العلماء”، بمشاركة عدد من العلماء والمفكرين، بينهم محمد
الصغير ومحمد عبد الكريم السوداني ومحمود محمد تركستاني وجمال عبد الستار، وإدارة
عمر قرقماز.

كما يتضمن البرنامج محاضرة بعنوان “تحت
راية الطوفان ـ وقفات ورسائل”، ما يعكس مساحة الحضور التي تمنحها الفعاليات
للقضايا السياسية والإنسانية الراهنة في المنطقة.

وهذه السمة ليست جديدة تماما على المعرض؛
فقد شهدت دورة 2025، على سبيل المثال، مشاركة جهات ومؤسسات عرّفت بقضايا إنسانية
وسياسية إلى جانب النشاط الثقافي والكتابي.

والي إسطنبول يتفقد المعرض

وفي اليوم الثاني، زار والي إسطنبول داود
غُل أروقة المعرض، وتجول بين الأجنحة واطلع على الإصدارات والفعاليات والتقى عددا
من الناشرين والمشاركين.

اقرأ أيضا: خادم الحرمين الشريفين وولي العهد يهنئان رئيس الجابون بذكرى استقلال بلاده

ولا تبدو زيارة غُل حدثا بروتوكوليا عابرا،
إذ سبق أن شارك في افتتاح دورات سابقة من المعرض وأكد أهمية الحدث في تعزيز
العلاقات الثقافية بين تركيا والعالم العربي.

وفي دورة 2025، شدد غُل على أن العربية ليست
مقتصرة على الجاليات العربية، بل تمثل لغة ثقافة وحضارة، في تصريحات عكست الاهتمام
الرسمي التركي بالفعالية وبالحضور العربي الثقافي في إسطنبول.

منصة للناشر العربي بين الشرق والغرب

ويكتسب معرض إسطنبول أهمية خاصة من موقع
المدينة نفسها؛ فهي تقع عند تقاطع طرق التجارة والثقافة بين العالم العربي وأوروبا
وآسيا، فيما تضم تركيا جالية عربية كبيرة، وتستقبل إسطنبول بصورة خاصة أعدادا
كبيرة من الطلاب والباحثين والمهنيين العرب.

ومن هذا الموقع، تحاول صناعة النشر العربية
استخدام المعرض كحلقة وصل بين دور النشر الموجودة في العالم العربي والأسواق
العربية في أوروبا وتركيا.

وكان رئيس الجمعية الدولية لناشري الكتاب
العربي مهدي الجميلي قد أشار في دورة سابقة إلى أن تركيا باتت محطة لانتقال الكتاب
العربي الذي يطبع في البلدان العربية وإسطنبول إلى أوروبا والعالم، وهو ما يوضح
البعد التجاري والثقافي الأوسع للمعرض.

كما أن استمرار المعرض لأكثر من عقد،
واعتماده من اتحاد الناشرين العرب، يعكسان تحوله إلى موعد ثابت في أجندة صناعة
النشر العربية؛ فقد أدرج الاتحاد رسميا دورة 2026 ضمن قائمة المعارض الحالية،
محددا موعدها من 15 إلى 23 أغسطس.

العربية في فضاء تركي متغير

ولا يمكن فصل صعود معرض إسطنبول للكتاب
العربي عن التحولات الديموغرافية والثقافية التي شهدتها تركيا خلال السنوات
الماضية، ولا سيما إسطنبول التي أصبحت مركزا رئيسيا للجاليات العربية ومؤسساتها
التعليمية والإعلامية والثقافية.

ولهذا، فإن المعرض يؤدي وظيفة مزدوجة: فهو
من جهة سوق للكتاب العربي، ومن جهة أخرى مساحة للحفاظ على اللغة والهوية الثقافية
لدى أجيال عربية تعيش خارج بلدانها، ومنصة لتعريف الجمهور التركي بالثقافة العربية.

وتحاول الدورة الحادية عشرة توسيع هذه
الوظيفة عبر الجمع بين دور النشر والمؤسسات التعليمية والجامعات والكتاب
والمترجمين والمراكز الثقافية، بما يجعل الكتاب نقطة انطلاق إلى نقاشات أوسع حول
الهوية والترجمة والتعليم والتكنولوجيا والقضايا السياسية والاجتماعية.

“الحكاية مستمرة”

ومع استمرار المعرض حتى 23 أغسطس، تبدو
الأرقام الأولى مؤشرا على أن الدورة الحادية عشرة مرشحة لتسجيل حضور جماهيري كبير،
في ظل مشاركة أكثر من 300 دار نشر من عشرات الدول، وبرنامج ثقافي متنوع، وحضور
رسمي عربي وتركي.

وإذا كانت دورة 2025 قد رسخت موقع إسطنبول
باعتبارها إحدى أهم محطات الكتاب العربي خارج العالم العربي، فإن دورة 2026 تضيف
إلى ذلك حضورا سوريا بوصفها ضيف شرف، ومشاركة عُمانية رسمية، ومساحة أكبر للترجمة
وحقوق النشر، إلى جانب برنامج يربط الأدب بالقضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية.

وبذلك لا يبدو شعار “الحكاية مستمرة”
مجرد عنوان لدورة جديدة، بل تعبيرا عن مسار بات المعرض يمثله منذ أكثر من عشر
سنوات: إبقاء الكتاب العربي حاضرا خارج جغرافيته التقليدية، وربط الناشر بالقارئ،
والعربي بالتركي، والكتاب بسوق الترجمة، والثقافة بقضايا المنطقة.

ويستمر المعرض في مركز أوراسيا للمعارض
والفنون في يني قابي بإسطنبول حتى 23 أغسطس/آب، وسط توقعات المنظمين بتجاوز حاجز
120 ألف زائر خلال الدورة الحالية.

اقرأ أيضا: أبوظبي.. الحبس 6 أشهر وغرامة 100 ألف درهم ومصادرة مركبة لسائق قاد عكس السير

‫0 تعليق