على مدى أكثر من سبعة عقود، تغيرت أسماء الجهات والأطر السياسية والعسكرية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي للسيطرة على الأرض الفلسطينية، كما تغيرت الأدوات المستخدمة في تنفيذها، لكن مشاهد اقتحام القرى، إحراق المنازل والمحاصيل، الاستيلاء على الأراضي، وتقييد حركة السكان ودفعهم إلى الرحيل تعيد إلى الواجهة سؤالا تاريخيا٬ إلى أي حد تتشابه ممارسات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية اليوم مع الأساليب التي اتبعتها العصابات الصهيونية خلال النكبة الفلسطينية عام 1948؟
اقرأ أيضا: خلال أسبوع.. مشروع “مسام” ينزع 2,157 لغمًا من مختلف الأراضي اليمنية
المقارنة بين المرحلتين لا تعني التطابق بينهما، فالسياق السياسي والعسكري مختلف بصورة جوهرية. ففي عام 1948 كانت الهاغاناه والإرغون وشتيرن عصابات صهيونية مسلحة خاضت حرب إبادة وتهجير انتهت بقيام دولة الاحتلال الإسرائيلي وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين، بينما يعمل المستوطنون حاليا داخل أراض محتلة وفي ظل وجود دولة ومؤسسات عسكرية وأمنية وقانونية إسرائيلية قائمة.
لكن أوجه التشابه تظهر بوضوح في بعض الأساليب التي تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي على الأرض، خصوصا عندما يتعلق الأمر باستخدام العنف والترهيب لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، ثم تحويل السيطرة المؤقتة إلى واقع دائم.
وتكتسب هذه المقارنة أهمية أكبر في ظل تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية. فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 1800 هجوم نفذه مستوطنون خلال عام 2025، وأدت تلك الهجمات إلى إصابة 1190 فلسطينيا، بينهم 838 أصيبوا على أيدي المستوطنين، كما طالت نحو 280 تجمعا فلسطينيا، بمعدل يقارب خمسة هجمات يوميا، وهو أعلى معدل يومي منذ بدء توثيق هذه الاعتداءات عام 2006.
وفي تقرير صدر في آذار/مارس 2026، قالت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن توسع المستوطنات الإسرائيلية والضم المتسارع لأجزاء واسعة من الضفة الغربية تسببا في تهجير أكثر من 36 ألف فلسطيني، موضحة أن تقريرها وثق 1732 حادثة عنف للمستوطنين خلال فترة عام، شملت الترهيب وتدمير المنازل والأراضي الزراعية.
وخلص التقرير إلى أن عنف المستوطنين يجري بصورة “منسقة واستراتيجية وبلا مساءلة تذكر”، مع دور للسلطات الإسرائيلية في توجيه هذه الممارسات أو المشاركة فيها أو تمكينها.
اظهار أخبار متعلقة
1948.. التهجير والاستيلاء على الأرض
لفهم المشهد الحالي، لا بد من العودة إلى عام 1948، عندما كانت العصابات الصهيونية تسعى إلى فرض واقع جغرافي وسياسي جديد في فلسطين.
وتشير الوثائق التاريخية إلى أن قيادة عصابات الهاغاناه وضعت في آذار/مارس 1948 ما عرف باسم “خطة دالت“، وشملت عمليات عسكرية للسيطرة على المدن والقرى الفلسطينية، وقطع طرق الإمداد، وتدمير المنازل ومنع السكان من العودة بعد إخراجهم. وتورد المصادر الواردة في الملف أن هذه العمليات أسهمت في تدمير أكثر من 531 قرية وبلدة وتهجير نحو 800 ألف فلسطيني.
وفي تلك المرحلة، لم تكن القوة العسكرية هي الأداة الوحيدة. فقد استخدمت العصابات الصهيونية كذلك وسائل الحرب النفسية لبث الرعب في القرى الفلسطينية، من بينها المنشورات والإذاعات ومكبرات الصوت، بهدف دفع السكان إلى الاعتقاد بأن بقاءهم يعرضهم للخطر.
وكانت المجازر جزءا من المشهد الدموي الذي رافق تلك المرحلة، ومن أبرزها مجزرة دير ياسين في نيسان/أبريل 1948، إلى جانب عمليات في قرى أخرى مثل قالونيا وناصر الدين وسعسع. وتشير الوثائق إلى أن تدمير المنازل وقتل المدنيين واستخدام القوة المفرطة ساهمت في نشر الخوف ودفع سكان قرى أخرى إلى النزوح.
أحد أهم أوجه التشابه التي تظهر عند مقارنة المرحلتين هو أن إخراج السكان من الأرض لم يكن نهاية المشروع، بل تبعته محاولات لمنعهم من العودة وتثبيت السيطرة على الممتلكات التي تركوها.
فبعد قيام الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، جرى سن تشريعات سمحت بمصادرة ممتلكات الفلسطينيين الذين أصبحوا لاجئين أو نزحوا من أماكنهم، ومن بينها “قانون أملاك الغائبين”. ووفقا للمواد الواردة في الملف، استخدمت هذه التشريعات للاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي والممتلكات الفلسطينية.
وهنا يظهر أحد الفوارق المهمة بين المرحلتين٬ ففي 1948 كانت عملية الاستيلاء على الأرض تأتي بعد عمليات عسكرية وتهجير واسع، ثم جرى تحويل نتائجها إلى واقع قانوني؛ أما في الضفة الغربية اليوم، فتجري عمليات الاستيلاء في كثير من الأحيان بصورة تدريجية، عبر إنشاء بؤر استيطانية ثم توسيعها وفرض السيطرة على الأراضي المحيطة بها.

المستوطنات.. الاستيلاء التدريجي
في الضفة الغربية، لا يجري التوسع الاستيطاني بالطريقة العسكرية نفسها التي شهدتها فلسطين عام 1948، لكن هناك أساليب أخرى للسيطرة على الأرض.
ومن أبرزها إنشاء البؤر الاستيطانية، خصوصا في المناطق الريفية ومناطق الأغوار وجنوب الخليل. وتشير الوثائق إلى استخدام ما يعرف بالاستيطان الرعوي، حيث تنتقل مجموعات صغيرة من المستوطنين مع قطعان الماشية إلى مناطق قريبة من التجمعات الفلسطينية، ثم تعمل على توسيع نطاق وجودها ومنع أصحاب الأرض من الوصول إلى أراضيهم.
وتقول الوثائق التي تم الاعتماد عليها في إعداد التقرير إن هذه البؤر قد تفرض سيطرة فعلية على مساحات واسعة من الأراضي من خلال الرعي، وقطع الطرق، وترهيب المزارعين، واستخدام الأسلحة والكلاب والطائرات المسيرة، بما يحول دون وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم.
وهذا الأسلوب مهم لأنه لا يحتاج بالضرورة إلى عملية عسكرية واسعة لإفراغ منطقة كاملة. فقد تبدأ العملية بعدد محدود من المستوطنين، ثم تتوسع تدريجيا مع مرور الوقت، بينما يجد الفلسطيني نفسه أمام واقع جديد٬ أرض لا يستطيع الوصول إليها، ومصدر رزق يتعرض للتدمير، وطرق مغلقة، واعتداءات متكررة.
الأرض أولا.. ثم السكان
في عدد من المناطق الفلسطينية، لا يستهدف عنف المستوطنين الأشخاص فقط، وإنما البيئة التي تجعل بقاءهم ممكنا.
فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية خلال 2025 هجمات استهدفت المنازل والأشجار والمزارع وشبكات المياه والكهرباء والمركبات والمنشآت الزراعية. وفي إحدى الفترات، وثق المكتب 47 هجوما للمستوطنين خلال أسبوع واحد، أسفرت عن إصابة فلسطينيين وتدمير أكثر من 250 شجرة ومنشأة وشبكات مياه وكهرباء ومركبات.
وفي حالات أخرى، كان استهداف المياه جزءا من الاعتداءات. فقد وثقت الأمم المتحدة خلال عام 2025 هجمات على مصادر المياه والبنية التحتية المرتبطة بها، فيما تعرضت مئات الأشجار للتخريب والاقتلاع.
وهذه الممارسات تكتسب أهمية خاصة في المجتمعات الزراعية والبدوية، لأن تدمير مصدر المياه أو المحاصيل أو الحظائر لا يمثل خسارة مادية فقط، وإنما يهدد قدرة العائلات على الاستمرار في المكان.
اظهار أخبار متعلقة
من المجزرة المباشرة إلى “التهجير الصامت”
كان العنف في عام 1948 في كثير من الحالات مباشرا وواسعا٬ مثل عمليات عسكرية، مجازر، طرد جماعي، تدمير قرى ومنع اللاجئين من العودة.
أما اليوم، فتظهر في بعض المناطق آلية مختلفة يمكن وصفها بالتهجير التدريجي أو القسري الناتج عن خلق بيئة غير قابلة للحياة.
وفي آيار/مايو 2025، على سبيل المثال، وثقت الأمم المتحدة تهجير تجمع بدوي فلسطيني كامل يضم نحو 120 شخصا بعد إقامة بؤرة استيطانية جديدة بالقرب من منازلهم وتعرض السكان لسلسلة من الهجمات.
وفي آب/أغسطس من العام نفسه، قالت الأمم المتحدة إن سلسلة اعتداءات نفذها مستوطنون أدت إلى تهجير 18 عائلة فلسطينية تضم أكثر من 100 شخص، بينهم ما لا يقل عن 60 طفلا، من تجمع عين أيوب البدوي.
وفي حالة أخرى، قالت الأمم المتحدة إن ست عائلات فلسطينية تضم 22 شخصا، بينهم أطفال ونساء، غادرت خربة يانون في كانون الأول/ديسمبر 2025 بعد سلسلة من الهجمات والترهيب، ليصبح التجمع خاليا من سكانه الفلسطينيين.
هذه الحالات تقدم صورة مختلفة عن التهجير الذي وقع عام 1948، لكنها تكشف آلية لها نتيجة مشابهة٬ مثا خروج السكان من الأرض وعدم قدرتهم على العودة إليها بسهولة.
المقارنة بين المرحلتين تصبح أكثر وضوحا عند النظر إلى وظيفة العنف. في عام 1948، كان العنف العسكري جزءا من عملية أكبر للسيطرة على مناطق استراتيجية وطرد السكان منها. أما في الضفة الغربية، فإن الاعتداءات الاستيطانية كثيرا ما تحدث حول البؤر والمستوطنات أو في مناطق يريد المستوطنون توسيع نطاق السيطرة عليها.
وفي تقريرها لعام 2026، قالت الأمم المتحدة إن عنف المستوطنين خلال الفترة التي يغطيها التقرير شمل التحرش والترهيب وتدمير المنازل والأراضي الزراعية، وربطت ذلك بالتوسع الاستيطاني والتهجير القسري.
كما وثقت الأمم المتحدة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الأول/أكتوبر 2025 أكثر من 3 الاف و100 هجوم للمستوطنين ضد الفلسطينيين، بينها هجمات أدت إلى إصابات وأخرى تسببت في أضرار للممتلكات، بينما نزح أكثر من 3 الاف فلسطيني، بينهم 1544 طفلا، نتيجة عنف المستوطنين وقيود الوصول إلى الأراضي.

المستوطنون ليسوا العصابات الصهيونية نفسها
وهنا يطرح السؤال هل فثمة اختلافات أساسية بين المستوطنين والعصابات الصهيونية؟ وللإجابة على هذا السؤال٬ نتعرف طبيعة عمل كل جهة. العصابات الصهيونية عام 1948 كانت تنظيمات عسكرية مسلحة تعمل خلال حرب، وكان هدفها السيطرة على مساحات واسعة من فلسطين وفرض واقع سياسي جديد. وبعد قيام الاحتلا الإسرائيلي، جرى دمج الهاغاناه والبلماح وعناصر من الإرغون وشتيرن في جيش الاحتلال الإسرائيلي، ما نقل جزءا من النشاط المسلح إلى مؤسسة الدولة الجديدة.
أما المستوطنون اليوم فهم جماعات مدنية استيطانية، بينها مجموعات مسلحة، تعمل داخل منظومة دولة قائمة وتحت مظلة مستوطنات وبؤر استيطانية تحظى بدعم وحماية عسكرية وسياسية وحكومية.
كما أن أدوات السيطرة تغيرت٬ فإلى جانب العنف المباشر، تستخدم اليوم أدوات التخطيط والبنية التحتية والقوانين والإجراءات الإدارية، فضلا عن الطرق الالتفافية وإقامة البؤر الرعوية والتوسع العمراني.
اقرأ أيضا: أسعار النفط تقفز 3%.. وبرنت يتجاوز 91 دولارًا للمرة الأولى منذ يوليو
وبالتالي، فإن التشابه لا يكمن في هوية الفاعل أو طبيعة المؤسسة، وإنما في بعض الأساليب والنتائج التي تتكرر عندما يتحول العنف والتهجير إلى وسيلة لتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي.
اظهار أخبار متعلقة
المستوطنات والبؤر.. حلقة في سلسلة السيطرة
يظهر البعد الجغرافي للمشروع الاستيطاني بصورة خاصة في البؤر التي تقام بالقرب من التجمعات الفلسطينية.
فبعض الحركات الاستيطانية تعتمد إقامة بؤر جديدة في مواقع استراتيجية بهدف تفتيت التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية وتحويلها إلى مناطق منفصلة.
وتكتسب الطرق أهمية خاصة في هذه العملية، إذ إن السيطرة على الأرض لا تعني فقط إقامة منزل أو بؤرة، بل إنشاء شبكة طرق تسمح بربط المستوطنات ببعضها، وتقييد حركة الفلسطينيين في الوقت ذاته.
وبذلك تتحول السيطرة من وجود محدود إلى نظام جغرافي متكامل٬ مثل بؤرة استيطانية، ثم طريق، ثم مناطق عازلة، ثم توسع رعوي أو عمراني، ثم قيود على الفلسطينيين، وأحيانا إخلاء التجمعات التي تقع في قلب هذا التوسع.
الفارق الآخر بين عام 1948 واليوم يتمثل في وجود منظومة سياسية وقانونية كاملة حول الاستيطان.
وتشير المعطيات الحالية إلى وجود منظمات استيطانية تعمل في مجالات التخطيط والبناء والدعاية والقانون، إضافة إلى حركات تضغط من أجل توسيع المستوطنات والبؤر.
كما تتداخل هذه الأنشطة مع قرارات حكومية وسياسات للتيار اليميني الإسرائيلي، بما يجعل الحدود تتلاشى بين العنف الفردي والمشروع الاستيطاني للحكومة.
وفي هذا السياق، قالت الأمم المتحدة في تقريرها الصادر عام 2026 إن حكومة الاحتلال الإسرائيلي لعبت دورا مركزيا في “توجيه أو المشاركة في أو تمكين” سلوكيات مرتبطة بعنف المستوطنين، وهو ما جعل التمييز بين عنف الدولة وعنف المستوطنين أكثر صعوبة.

الإفلات من العقاب
أحد العوامل التي تساعد على استمرار الاعتداءات هو ما تصفه منظمات حقوقية ودولية بمحدودية المساءلة.
والأرقام التي أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تظهر أن عنف المستوطنين أصبح ظاهرة متكررة وليست سلسلة حوادث منفصلة. ففي عام 2025 وحده، سجل المكتب أكثر من 1800 هجوم، أي بمعدل خمسة هجمات يوميا.
كما ارتفع العنف بصورة حادة في بعض المناطق خلال موسم قطف الزيتون، حيث سجلت الأمم المتحدة 178 هجوما مرتبطا بموسم الزيتون خلال تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2025، شملت الاعتداء على المزارعين وسرقة المحاصيل وتدمير الأشجار والمعدات الزراعية.
وهنا يظهر جانب آخر من المقارنة التاريخية٬ فكما كان إخراج الفلسطينيين من الأرض عام 1948 مرتبطا بمنعهم لاحقا من العودة، فإن حرمان المزارع اليوم من الوصول إلى أرضه لعدة مواسم سيؤدي عمليا إلى فقدانه القدرة على استغلالها.
عندما هجر الفلسطيني من قريته عام 1948 تحت وقع الإبادة والهجوم، كان يعرف أنه يترك وراءه منزلا وأرضا وقرية.
أما في بعض حالات الضفة الغربية اليوم، فقد يغادر الفلسطيني بعد سنوات من الاعتداءات المتكررة، أو بعد إقامة بؤرة استيطانية قرب منزله، أو بعد منعه من الوصول إلى أرضه، أو بعد تدمير مصدر المياه أو المحاصيل.
الزمن مختلف، والفاعل المباشر مختلف، والسلاح مختلف، لكن النتيجة في حالة التهجير واحدة٬ وهي عائلة تفقد المكان الذي عاشت فيه، وأرض تتحول تدريجيا إلى منطقة لا يستطيع أصحابها الأصليون الوصول إليها.
وفي هذا السياق، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 1800 فلسطيني كانوا قد نزحوا بسبب عنف المستوطنين وقيود الوصول إلى الأراضي منذ بداية عام 2026 وحتى السادس من نيسان/أبريل، وهو رقم تجاوز خلال تلك الفترة وحدها إجمالي عدد من نزحوا للسبب نفسه خلال عام 2025 بأكمله.
اقرأ أيضا: التقنية الأحدث لا تحسم تصحيح النظر
