
بعد نحو سنتين من التوتر والقطيعة عادت عجلة الدبلوماسية الجزائرية للدوران في منطقة الساحل الإفريقي من جديد ببراغماتية لافتة.
اقرأ أيضا: قرار متوقع من “مايكروسوفت” قد يحول 400 مليون كمبيوتر إلى كومة نفايات
فبين هبات عسكرية لتعزيز أمن الحدود مع النيجر، ووساطات قادت إلى انفراجة مع مالي، وتعاون في مجال الطاقة مع بوركينافاسو، انتهجت الجزائر مقاربة جديدة تتجاوز ردود الأفعال لتبني استراتيجية احتواء شاملة.
وتدريجيا تطوي الجزائر صفحة واحدة من أعقد أزماتها الدبلوماسية مع جيرانها في الساحل الإفريقي، بعد اقتناعها أن سياسة الكرسي الشاغر في جوارها الجنوبي تحمل كلفة أمنية باهظة، في ظل تشابك التحالفات وتزاحم نفوذ القوى الدولية بالمنطقة.
اظهار أخبار متعلقة
التسليح وتأمين الحدود
أدرك صانع القرار في الجزائر على ما يبدو أن الاستراتيجية الأمنية الفعالة تبدأ من الدفاع عن الحدود الشاسعة التي تربط البلاد بدول الساحل الإفريقي.
ومع احتدام الصراع العالمي واستقطابات محوري أوكرانيا وإيران، ومحاولات التغلغل الإسرائيلي في القارة الإفريقية، وجدت الجزائر نفسها ملزمة بلعب دور محوري يتناسب مع موقعها الجيواستراتيجي لبناء جدار تنسيق أمني وثيق مع جيرانها.
وقد ترجمت الجزائر مقاربتها هذه ميدانيا عبر دعم القدرات العملياتية لدول الجوار، وظهرت أبرز صور هذا الدعم في الهبة العسكرية التي قدمتها الجزائر للنيجر، وشملت أربع مروحيات (طائرتان من طراز “MI-24V” ومثلهما من طراز “MI-171”) وتجهيزات لوجستية أخرى.
وقد حمل مسار تسليم هذه المعدات عبر قاعدة “عين قزام” نحو نيامي دلالة جيوسياسية، تؤكد محورية البعد الحدودي في هذه الشراكة وقطع الطريق أمام التدخلات الخارجية.
وفي هذا السياق يقول الصحفي الجزائري المتخصص في الشؤون الأمنية، أكرم خريف، إن الجزائر بادرت بجهود التهدئة متخذة من إصلاح علاقاتها مع النيجر “بوابة استراتيجية” لتسوية أزمتها الأعقد مع مالي، بالتوازي مع خطوات متسارعة لتعزيز الدعم الموجه لتشاد.
واشار خريف في تصريح لـ”عربي21″ إلى أن تسليم هذه الطائرات المقاتلة جاء تلبية لحاجة ماسة وحيوية للجيش النيجري في حربه المفتوحة ضد التنظيمات المسلحة.
اظهار أخبار متعلقة
كسر العزلة
وفي ظل الهشاشة المادية ونقص الخدمات في دول الساحل التي لا تمتلك ثروات كبيرة كالنفط والغاز، أشهرت الجزائر سلاح “القوة الناعمة” عبر مشاريع تنموية ملموسة تكسر عزلة المنطقة.
فإلى جانب مشروعي “الطريق العابر للصحراء” و”أنبوب الغاز”، برزت اتفاقيات استراتيجية مع تشاد، شملت طريق (عين قزام – زيندر – نجامينا) وخط السكة الحديدية، لربط نجامينا بالبحر المتوسط وتسهيل تصدير منتجاتها كالسمسم والصمغ العربي.
وفي قطاع الطاقة، جسدت شركة “سوناطراك” هذا التوجه بتسليم أولى شحنات وقود الطائرات إلى السوق النيجرية انطلاقا من مصفاة أدرار.
وتزامن هذا الاختراق التجاري مع تكفل الجزائر بإنجاز محطة لتوليد الكهرباء بقدرة 40 ميغاوات في منطقة غروباندا النيجرية، في رسالة تؤكد تبني الجزائر لمبدأ العلاقات الندية و”رابح-رابح”، بخلاف ما تصفه بـ”المبادرات الوهمية” والطروحات الاستعراضية لأطراف أخرى.
وفي هذا الإطار يوضح أكرم خريف في حديثه لـ”عربي21″ أن مسار العلاقات مع نيامي شهد “تطورا استراتيجيا غير مسبوق” منذ مطلع العام الجاري.
ويفصل خريف ذلك بالإشارة إلى تفعيل اتفاقيات التنقيب وإنتاج النفط، والذي تُوج مؤخرا بإطلاق أشغال حفر البئر الاستكشافية “كفرا جنوب شرق 1” والذي يمثل مرحلة جديدة من التعاون العملي والشراكة الفاعلة من خلال تحويل الإرادة السياسية المشتركة إلى مشاريع ملموسة وبرامج ميدانية، لا سيما في القطاعات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الطاقة والمحروقات.
العقدة الأصعب في المسار
لكن الأزمة مع مالي شكلت العقدة الأصعب في مسار التطبيع مع دول الساحل، فقد اندلعت شرارة الازمة بين مالي والجزائر، إثر تبني باماكو سياسة هجومية، تمثلت في التخلي عن اتفاق الجزائر للسلام والارتماء في الحضن الروسي عسكريا.
واتفاق الجزائر المعروف رسمياً باتفاق السلم والمصالحة في مالي، هو اتفاق وقع سنة 2015 بوساطة رئيسية من الجزائر بين الجماعات المسلحة الأزوادية والحكومة المالية.
وينص الاتفاق على دمج الانفصاليين السابقين في الجيش المالي، وتوفير قدر أكبر من الحكم الذاتي لمناطق في البلاد، وقد أعلن المجلس العسكري الحاكم في مالي انهاء العمل بالاتفاق يناير 2024 مع بداية التوتر مع الجزائر.
وبلغ التصعيد ذروته بين البلدين في أبريل 2025 حين دمر الجيش الجزائري مسيّرة مالية من طراز “بيرقدار أقنجي”.
وأمام هذا الصدام العلني بين حليفين بارزين لموسكو، تحركت الآلة الدبلوماسية الروسية لتفادي انهيار مصالحها.
وعقب الهجمات في 25 نيسان/ أبريل الماضي التي نفذتها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” بالتنسيق مع مقاتلي جبهة تحرير أزواد والتي أسفرت عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، اجتمع السفير الروسي في باماكو، إيغور غروميكو، بالرئيس أسيمي غويتا، ليبلغه صراحة بأن القطيعة مع الجزائر حرمت مالي من “كنز استخباراتي” كان قادرا على إحباط الهجوم.
اقرأ أيضا: ترمب: اتفاقية مكة للدفاع المشترك “خطوة كبيرة وجريئة ومهمة للغاية”
كما استغل الرئيس النيجري عبد الرحمن تياني ثقل “تحالف دول الساحل” لتقريب وجهات النظر بين الجزائر ومالي، إثر زيارته للجزائر في فبراير الماضي.
كما ألقى الرئيس الكونغولي دينيس ساسو نغيسو بثقله، مرسلا مبعوثين -بينهم الرئيس النيجري السابق محمدو إيسوفو- إلى قصر المرادية.
اظهار أخبار متعلقة
وقد أثمرت هذه الضغوط المتشابكة عن فتح المجالات الجوية وعودة السفراء في يوليو 2026، وتوجت في أغسطس الجاري بتصريحات لرئيس الوزراء المالي، عبد الله مايغا، أشاد فيها بالتوافق بين غويتا والرئيس عبد المجيد تبون، ليمحو هجومه العنيف على الجزائر من منبر الأمم المتحدة قبل عام.
ويرى أكرم خريف في حديثه لـ”عربي21″ أن الرغبة الجزائرية في طي الخلاف كانت أشد إلحاحا من رغبة باماكو في البداية، غير أن الأخيرة -وفقاً لخريف- وجدت نفسها مضطرة للتهدئة لفك الحصار الاقتصادي الخانق المضروب على العاصمة، بالنظر لقدرة الجزائر الحيوية على تموين مالي بالمحروقات والمواد الغذائية.
ولفت إلى أن عملية تحرير العسكريين الماليين الذين كانوا محتجزين لدى “جبهة تحرير أزواد” تمت ربما بفضل ضغوط جزائرية مباشرة على الحركات المسلحة، كبادرة حسن نية تجاه السلطة المركزية في باماكو لتهدئة الأوضاع في الشمال.
بدوره يرى يرى الأستاذ الجامعي والكاتب الصحفي الجزائري محمد شيحات أن المقاربة الجزائرية في التعامل مع الأزمات الإفريقية تقوم على فلسفة متكاملة قوامها الاستباق والحوار والشراكة واحترام سيادة الدول، وتستند هذه المقاربة أساسا إلى توجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، كما تستمد مشروعيتها من رصيد تاريخي راسخ للدبلوماسية الجزائرية في الوساطة وحل النزاعات والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وأشار في تصريح لـ”عربي21″ إلى أن هذا التوجه تجسد في إعادة بناء سياسة خارجية أكثر ديناميكية واستباقية، خلال السنوات الأخيرة، خاصة في السياق الأفريقي إذ لم تعد الجزائر تكتفي بإدارة الأزمات بعد حدوثها، بل انتقلت إلى منطق الوقاية عبر الحضور المبكر وفتح قنوات الحوار وتقريب وجهات النظر والبحث عن التسويات السياسية قبل تفاقم الخلافات، بما يجعل الدبلوماسية أداة لبناء الاستقرار لا لإدارة النزاعات فحسب.
وأضاف: “تحتل إفريقيا موقعا مركزيا في هذه الرؤية بوصفها عمقا استراتيجيا للجزائر. فاستقرار المحيط الإفريقي، ولا سيما منطقة الساحل، يمثل شرطا بنيويا للأمن الوطني الجزائري، بحكم تداخل الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة. غير أن هذا الحضور ينبني على رفض منطق الوصاية والتدخل، ويؤكد دعم الحلول السياسية الأفريقية-الأفريقية، وتتجاوز المقاربة الجزائرية البعد السياسي لتشمل الدبلوماسية الاقتصادية”.
وتابع محمد شيحات في حديثه لـ”عربي21″: تتسم المقاربة الجزائرية بكونها مقاربة حوار لا هيمنة وشراكة لا وصاية وتعاون لا تدخل، وتجمع بين السياسة والاقتصاد والثقافة والتنمية، وقد أفرز هذا التوجه، في عهد الرئيس تبون، حضورا إفريقيا أكثر كثافة في ملفات الساحل وليبيا ومسارات التكامل الاقتصادي والسلم والأمن، بما يعكس إعادة توظيف الرصيد التاريخي للدبلوماسية الجزائرية بأدوات أكثر ديناميكية واتساعا.
امتصاص صدمة التحولات
لكن رغم هذا الانفراج الدبلوماسي، إلا أن الخلافات الهيكلية لا تزال عميقة، إذ تصر باماكو على الحل العسكري كخيار أوحد لفرض سيادتها شمالا، بينما تتمسك الجزائر بالحل السياسي وإشراك الحركات الأزوادية لتأمين حدودها البالغة 1400 كيلومتر.
ويُضاف إلى ذلك امتعاض مالي المستمر من احتفاظ الجزائر بقنوات اتصال مع قادة معارضين ومنحها اللجوء للإمام المعارض محمود ديكو.
ويجمع المتابعون للتطورات في الساحل أن الجزائر نجحت في امتصاص صدمة التحولات وإعادة تموضعها في الساحل، مستبدلة لغة التصعيد بشحنات الطاقة والمروحيات العسكرية، إلا أن تحويل هذه “التهدئة المصلحية” إلى شراكة استراتيجية صلبة، سيبقى مرهونا – وفق متابعين- بقدرتها على إدارة التناقضات بين حلفاء الضرورة في رمال الساحل المتحركة.
اقرأ أيضا: إيرادات “سبايدرمان” تواصل التحليق عاليا في شباك التذاكر بأميركا الشمالية
