مساهمة: كيف تضع أزمة سبتة الجغرافيا السياسية للجزائر على المحك؟ ومن هم الأطراف الفاعلة فيها؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

صرح الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة قبل بضعة أيام بأن الجزائر لم تكن موجودة قبل عام 1962، وبناءً على ذلك فإنها “لا تفهم معنى الوحدة الترابية”.

اقرأ أيضا: كيف ربحت الملكية الأردنية في زمن الأزمات؟…

وكان هذا الشخص نفسه قد اختار منبراً داخل هذه الهيئة نفسها قبل بضع سنوات، في يوليو 2021، للدعوة إلى انفصال منطقة القبائل، الأمر الذي أثر بشدة على القرار الذي اتخذته الجزائر بعد شهر من ذلك بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب.

لا يمكن لوم الدبلوماسي على عدم إلمامه بثقل التاريخ في حاضر كل من البلدين، لأنه يخلط بين الدولة الحديثة — وهي مفهوم غربي يعود إلى أواخر القرن السادس عشر — والتاريخ القديم .

فالتاريخ الجزائري، الذي يمتد لعدة آلاف من السنين، يستند إلى نوميديا  القاعدة  التأسيسية  سواء من حيث المجال الجغرافي أو  الشخصية. منذ عهد ماسينيسا، الملك وابن الملك قبل أكثر من 2200 عام، حافظت الجزائر بشكل ملحوظ على نفس حدودها حتى الاستعمار الفرنسي الذي جردها من جزء من حدودها الغربية التي تم التنازل عنها للمغرب في معاهدة “لالا مغنية” عام 1845.

 وإذا ما استحضرنا التاريخ، نجد أن نوميديا كانت تمتلك، قبل وقت بعيد من ظهور الإمبراطورية العثمانية وفرنسا والمغرب مجتمعة، جميع مقومات الدولة، أي الأراضي والسكان وحكومة من الأمراء –  الأغليد – الذين تحدوا بالفعل روما وقرطاج ونزعتهما التوسعية المترددة، وبالتالي أعطوا معنى أولياً لسيادة الأراضي . وهي بذلك تُعد أحد العلامات المميزة  لعقيدتنا الوطنية في الشؤون الدبلوماسية والدفاع الوطني.

قبل أكثر من أسبوع، صرح من جهته طاهر بن جلون، الكاتب الأكثر تقلدًا للأوسمة في المغرب، بأن الجزائر كانت وراء “المسيرة الزرقاء” في سبتة، وأقسم بأن الجزائريين شكلوا غالبية الـ72 ألف مهاجر  الذين عبروا إلى الغرب في أقل من عشر ساعات، بينما التزم الصمت بشأن الـ140 قتيلاً الذين تم إحصاؤهم. وقد أثبتت الحقائق عكس ما قاله، وهي حقائق كان يعرفها جيدًا في الواقع، لكنه يصر على ذلك بهدف وحيد هو إلحاق الضرر بالجزائر، وربطها بالبؤس والعنف اللذين رافقا مأساة سبتا، وتصويرها على أنها أكبر تهديد لسلام و أمن أوروبا في المنطقة.

ومن الجلي أن بن جلون، بصفته عاملاً مؤثراً ومنشراً للدعاية، يمكنه أن يخدم بلده بكل شرعية دون أن يكون معادياً بشكل صريح للجزائر، وذلك في سعيه لإيجاد الحجج التي تهدف إلى التخفيف من الأثر السلبي لغزو سبتة على المغرب الذي يستمد قوته من صورته. لقد تم تجريد المهاجرين من إنسانيتهم، وأصبحوا اليوم أداة للتكيف الدبلوماسي على مقربة من حدودنا المعرضة لكل أشكال الأذى، لا سيما ما يتعلق منها بالمخدرات.

وأخيرًا، قبل أقل من شهر،  منصف المرزوقي — الذي انتُخب رئيسًا لتونس عام 2011 من قبل الجمعية الوطنية التأسيسية —دعا مرة أخرى الجزائريين إلى “حراك” جديد، وأعرب عن سخطه من تميز علاقاتنا مع تونس، بلده بالتبني الذي أضاع عليه فرصة تاريخية للانتقال الديمقراطي بعد سقوط بن علي.

وكان قد اختار توظيف طاقة تونس ومواردها في مهام دبلوماسية أوكلتها فرنسا والمغرب، وهي مهام تجاوزت مكانته، وخالف بذلك الحياد الإيجابي الذي ميز الموقف التونسي منذ عام 1975 بشأن قضية الصحراء الغربية. وفي عام 2014، تميّز معنا بجرأة غير مألوفة في علاقاتنا وبتحرك نشط غير مسبوق لتنظيم قمة الاتحاد المغاربي في تونس، تضمنت بنداً وحيداً على جدول الأعمال في شكل صفقة يقترح  فيها «الموافقة على خطة الحكم الذاتي المغربية مقابل منح الجزائر منفذاً إلى المحيط الأطلسي”.

اقرأ أيضا: ملف حساس لا يناقشه أحد…

تتميز هذه التصريحات الثلاثة، التي صدرت في أقل من شهر، بالتزامن المؤجل، والعداء الصريح تجاه الجزائر، وقبل كل شيء، وحدة المصدر. ويقوم “المخزن” بممارسة الدبلوماسية المزدوجة التي يتقنها، والتي اعتاد عليها الدبلوماسيون الجزائريون. فهو، في الواقع، يرسل إشارات تهدئة ويظهر رغبة في التطبيع من خلال الرسائل الموجهة إلى الجزائر عبر فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، لكنه في الوقت نفسه يقوم بتحريك مؤسساته واستدعاء وسطائه غير الرسميين في إطار إستراتيجية التوتر الدائم تجاه الجزائر التي دشّنها الملك الحسن الثاني فور استقلال الجزائر من خلال العدوان المسلح عام 1963.

من السهل ملاحظة أن هذا الخطاب لم يعد حتى يتقيد بأبسط أشكال التحفظ الدبلوماسي. وهو يستمد جرأته من دعم جماعات الضغط الأكثر تطرفاً في الولايات المتحدة، سواء بين الجمهوريين أو الديمقراطيين، الذين هم بالفعل مصرون على جعلنا ندفع ثمن موقفنا من فلسطين، وإجبارنا على التنازل عن التزامنا بحق تقرير المصير في الصحراء الغربية.

كما يهدف هذا الخطاب إلى تشويه صورة الجزائر لإضعافها، من خلال إظهارها كدولة معادية لمصالح الغرب، وذلك ليجني المغرب ثمار الاحتكار في تمثيل مصالحه في المنطقة، وذلك بالام مستلهما من النموذج الإسرائيلي . الجزائر لا تنازع في هذا الدور، ولا تسعى إلى ذلك، لكنها لا يمكن أن تكون سلمًا لتحويل منطقتنا إلى منطقة مواجهة بين القوى العظمى وساحة استقطاب لمختلف الأطراف من كل الأطياف . الجغرافيا هي التي  ا تضبط الاستراتيجية، وليس العكس وهكذا، على حدودنا، التي تحتل المرتبة الخامسة عشرة عالمياً من حيث الطول، اتخذت الجغرافيا السياسية أشكالاً أكثر تعقيداً مع تراجع الأيديولوجيات، و صعود التطرف؛ وأصبحت التحالفات مرنة وغير حصرية وغير دائمة، وفرضت تعددية التحالفات نفسها بشكل متزايد كقاعدة في العلاقات بين الدول.

دبلوماسي ووزير الثقافة والإعلام الأسبق

اقرأ أيضا: إليك أبرز 7 حوادث تسرب نفطي حول العالم.. وهذه آثارها ونتائجها

‫0 تعليق