خلال الثلث الأول من العام الحالي، شهدت الصادرات الأردنية إلى دول الاتحاد الأوروبي ارتفاعًا بنسبة 49% لتصل إلى 218 مليون دينار، مقارنة بـ146 مليون دينار للفترة ذاتها من العام الماضي، في زيادة لافتة عن السنوات السابقة.
اقرأ أيضا: المساحات الخضراء وصحة الإنسان.. مضاد طبيعي للشيخوخة
لكن هذا النمو يأتي بالتزامن مع بدء الاتحاد الأوروبي منذ مطلع العام[1] تطبيق آليةٍ ستفرض كلفة على الانبعاثات الكربونية المرتبطة بإنتاج بعض السلع المستوردة في بلد المنشأ، والمعروفة باسم «آلية تعديل حدود الكربون» (CBAM). قانونيًا، سيدفع هذه الكلفة المستورد الأوروبي، لكن من المرجح أن تنعكس على المصدّرين خارج الاتحاد، سواء عبر الضغط لخفض أسعار منتجاتهم أو تفضيل موردين أقل انبعاثًا، ما قد يُضعف قدرة المنتج الأردني على المنافسة.
ومنذ طرحها، أثارت الآلية الأوروبية جدلًا واسعًا، فبينما يقول الاتحاد الأوروبي إنها ضرورية لتحقيق أهدافه المناخية وتشجيع الصناعة الخضراء، تتهمها دول أخرى بأنها سياسة حمائية، من بينها دول بريكس،[2] وفي مقدمتها الصين التي وصفتها العام الماضي بأنها سياسة «أحادية وتمييزية».
بالنسبة إلى الأردن، يأتي هذا الجدل في وقت تتزايد فيه أهمية السوق الأوروبية لصادراته، لا سيما في ظل عدم استقرار السوق الأمريكية جرّاء التغيرات المتكررة في الرسوم الجمركية خلال الفترة الماضية. فما القطاعات الصناعية الأردنية التي ستتأثر بآلية تعديل حدود الكربون؟ وما الذي يفعله الأردن للتعامل مع متطلباتها؟ وهل ستخسر بعض الصناعات الأردنية قدرتها التنافسية أم ستدفعها الآلية إلى الاستثمار في خفض انبعاثاتها؟
أكثر القطاعات الصناعية الأردنية تأثرًا
تدفع بعض الصناعات الأوروبية كثيفة الانبعاثات، مثل الحديد والصلب والأسمدة والإسمنت، ثمنًا للكربون ضمن ما يسمى بـ«نظام تداول الانبعاثات» (ETS)، وهو نظام يضع سقفًا إجماليًا للانبعاثات الكربونية المسموح بها، ويُلزم الشركات بشراء أو تداول تصاريح مقابل كل طن من الكربون الذي تطلقه، فيما لا تخضع الصناعات خارج الاتحاد الأوروبي غالبًا لكلفة مماثلة. يقول بشار زيتون، الخبير في البيئة والطاقة، إن الأوروبيين يعتبرون أن هذا النظام يمنح الصناعات خارج الاتحاد ميزة تنافسية، ويخلق «عدم مساواة» تسعى آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) إلى «إصلاحها» عبر فرض كلفة كربونية على البضائع المستوردة.
يوضح فضل اللبدي، مدير دائرة التنمية الصناعية في غرفة صناعة عمّان، أن المستوردين الأوروبيين سيدفعون الكلفة بناءً على حجم الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالمنتج في بلد المنشأ، لكنها ستنعكس في النهاية على المصدّرين الذين سيجدون أن منتجاتهم تُباع بأسعار أقل: «أكيد المستورد في أوروبا راح يعكسها على المُصدّر الأردني، أو بشكل عام على المُصدرين من مختلف دول العالم».
في مرحلتها الحالية، تستهدف الآلية أنواعًا محددة من المنتجات في ستة قطاعات: الأسمدة، والألمنيوم، والحديد والصلب، والإسمنت، والكهرباء، والهيدروجين. ويقول اللبدي إن ثلاثة قطاعات صناعية أردنية هي الأكثر تأثرًا، وهي: أنواع محددة من الأسمدة التي صدّر الأردن منها ما قيمته 68 مليون دولار إلى الاتحاد الأوروبي العام الماضي، وصناعات الألمنيوم بقيمة 37 مليون دولار، والحديد والصلب بقيمة 170 ألف دولار، فيما لا يصدر الأردن حاليًا الإسمنت أو الكهرباء أو الهيدروجين إلى الاتحاد. علمًا بأن صادرات القطاعات الثلاثة تشكل جزءًا محدودًا من إجمالي صادرات البضائع الأردنية إلى الاتحاد الأوروبي، التي بلغت قيمتها نحو مليار دولار العام الماضي. كما يوضح اللبدي أن الزيادة الأخيرة في الصادرات إلى أوروبا لم تأتِ أساسًا من القطاعات التي تستهدفها الآلية في مرحلتها الحالية.
يُذكر أن الآلية لا تفرض ضريبة ثابتة على السلعة الواحدة، بل ترتفع الكلفة كلما زادت الانبعاثات المرتبطة بإنتاجها، حيث يحسب الاتحاد الأوروبي كمية الانبعاثات التي يتحمل المستورد كلفتها، ثم يلزمه بشراء شهادات كربون تغطيها. ولا تُفرض هذه الكلفة كاملة منذ البداية، بل ترتفع تدريجيًا حتى 2034، بالتزامن مع خفض التصاريح المجانية للانبعاثات التي تحصل عليها الصناعات الأوروبية.
ويظهر حجم الكلفة المحتملة بوضوح في نترات البوتاسيوم، وهي سماد تنتجه شركة «كيمابكو» المملوكة لشركة البوتاس العربية، بطاقة إنتاجية تبلغ 175 ألف طن سنويًا. وفي 2024، استورد الاتحاد الأوروبي من الأردن نحو 69 ألف طن من هذه السلعة بقيمة 60 مليون دولار تقريبًا، أي ما يعادل أكثر من نصف صادرات الأردن العالمية التي بلغت نحو 135 ألف طن.
وبالاعتماد على قيم الانبعاثات الافتراضية التي وضعها الاتحاد الأوروبي، قدّرت شركة آرجوس المتخصصة في تحليل أسواق الطاقة والسلع، الكلفة الكربونية لنترات البوتاسيوم الأردنية بنحو 112 يورو للطن في الربع الأول من 2026. ولفهم أثر هذه الكلفة على السعر، ومع افتراض أن سعر طن نترات البوتاسيوم الأردنية يبلغ 800 يورو، فإن إضافة الكلفة الكربونية المقدرة البالغة نحو 112 يورو للطن ترفع كلفته إلى نحو 912 يورو، أي بزيادة تقارب 14%. وإذا لم يستطع المستورد الأوروبي تمرير هذه الزيادة إلى زبائنه، فقد يضغط على المصدّر الأردني لخفض سعره أو يلجأ إلى مورّد أقل كلفة كربونية، وهو ما قد يقلص هامش ربح المصنّع الأردني أو قدرته على المنافسة.
كما تختلف تقديرات الكلفة بين المنتجات بحسب بلد المنشأ؛ إذ قدّرت أرجوس كلفة نترات البوتاسيوم الصينية بنحو 168-171 يورو للطن، ما يوضح كيف يمكن للسلعة نفسها أن تدخل السوق الأوروبية بكلفة كربونية متفاوتة تبعًا لمنشئها. علمًا بأن الأردن والصين قد صدّرا كميات متقاربة عالميًا من هذه السلعة في 2024، بنحو 135 ألف طن للأردن و118 ألف طن للصين.
لكن هذه الكلفة الإضافية تظل حتى الآن تقديرية وليست بالضرورة الكلفة الفعلية، إذ يمكن أن تنخفض إذا أثبت المصنع، وفق المنهجية الأوروبية ومن خلال جهة معتمدة، أن انبعاثاته الفعلية أقل من القيم الافتراضية. عندها تُحتسب الرسوم بناءً على الأداء الحقيقي للمنشأة، ما يجعل القدرة على قياس الانبعاثات وتوثيقها بدقة عاملًا مباشرًا في تنافسية المنتج. غير أن هذا المسار يواجه تحديًا عمليًا في الأردن، يتمثل في تأخر اعتماد جهات التحقق: «صراحة صار في تأخير في موضوع اعتماد جهات التحقق من خفض الانبعاثات»، يقول اللبدي. وهو ما قد يدفع بعض المصانع إلى الاعتماد على القيم الافتراضية رغم أنها مصممة لتكون أعلى من انبعاثاتها الفعلية.
كانت هذه الأرقام الافتراضية «صادمة» بالنسبة لممتاز دعبول، المدير التنفيذي لشركة أوربيت لصناعات الألمنيوم، التي تصدر غالبية منتجاتها خارج الأردن، حوالي 70٪ منها لأوروبا، قائلًا إن القيم الافتراضية لانبعاثات الكربون التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي لكل طن من الألمنيوم «ولا يمكن لأي حدا لا بأوروبا ولا بغير أوروبا إنه يحققها لأنها مستحيلة. وكيف بدي أبلغ عن أرقامي الحقيقية إذا ما في حدا معتمد؟ (..) اليوم كثير من الزبائن صاروا يخافوا، يقولولك أنا ما بعرف قديش [انبعاثاتك الفعلية] فأنا رايح على أعلى قيمة [الافتراضية]». وهو يرى في آلية تعديل حدود الكربون سياسة حمائية للصناعات الأوروبية مصبوغة بمبررات بيئية، على خلاف الولايات المتحدة التي -بحسبه- لا تتردد في إعلان رغبتها بحماية صناعاتها من خلال الرسوم الجمركية.
وبحسب دعبول، تأتي الآلية في الوقت الذي باتت فيه السوق الأوروبية أكثر أهمية للشركة بعد تراجع صادراتها بشدة إلى الولايات المتحدة، فبعدما كانت السوق الأمريكية تستوعب نحو نصف صادرات الشركة، انخفضت حصتها إلى نحو 7%، ما دفع الشركة إلى التوجه أكثر نحو أوروبا.
وفي المقابل، يقول دعبول إن الحرب التجارية مع الصين ومشكلات الشحن منها دفعت بعض المستوردين الأوروبيين إلى البحث عن موردين بديلين، ما أتاح فرصًا جديدة لمصدّرين من المنطقة، وبذلك فإن آلية تعديل حدود الكربون جاءت في وقت تحاول فيه الشركة أصلًا تعزيز حضورها في السوق الأوروبية.
كيف يستعد الأردن؟
يصف دعبول تعامل الجهات المعنية بالتصدير مع آلية تعديل حدود الكربون في البداية بأنه كان «ضعيفًا جدًا»، ويرى أن الشركات لم تتلقَ توعية كافية بالتشريع ومتطلباته: «يعني أنا قبل سنة، لما كنت أحكي مع أي جهة رسمية بالموضوع وكأنك عم تحكي طلاسم، ما بفهموا عليك».
لكن التعامل مع الملف توسع منذ ذلك الحين، فقد عُقدت عدة ورشات لتعريف الصناعات الأردنية بالآلية، نظمتها وزارة الصناعة والتجارة وبعثة الاتحاد الأوروبي في الأردن وغرفة التجارة الأوروبية في الأردن، كما تُجرى دراسة أوروبية لتقييم مدى جاهزية الصناعات الأردنية للتعامل معها، بحسب اللبدي.
اقرأ أيضا: مراقب لكل 1000 حاج.. اشتراطات جديدة للسلامة في مخيمات المشاعر المقدسة-عاجل
يُذكر أن التشريع الأوروبي يسمح بخصم كلفة الكربون المدفوعة أصلًا في بلد المنشأ من الكلفة المستحقة ضمن آلية تعديل حدود الكربون، ما يعني أن وجود نظام محلي لتسعير الكربون -مثل نظام تداول الانبعاثات (ETS)- قد يخفض ما يُدفع لاحقًا للاتحاد الأوروبي، بدلًا من أن تذهب الكلفة كاملة إليه. وتطبق دول عدة أنظمة من هذا النوع أو تعمل على تطويرها، من بينها الصين والبرازيل التي أقرت نظامًا وطنيًا لتداول الانبعاثات.
أما إذا لم يمضِ الأردن في هذا الاتجاه، فستعتمد قدرة صناعاته على المنافسة في السوق الأوروبية، بحسب اللبدي، على خفض انبعاثاتها مقارنة بمنافسيها في الدول الأخرى، عبر إجراءات مثل ترشيد استهلاك الطاقة واستخدام مصادر أنظف، لكن هذه الاستثمارات تحتاج إلى منح وتسهيلات كما يقول.
وبدأت بعض الشركات الأردنية بالفعل استثمارات من هذا النوع، من بينها شركة كيمابكو لصناعة الأسمدة التي بدأت الشهر الماضي العمل على مشروع يهدف إلى خفض نحو 150 ألف طن من الكربون سنويًا في إحدى منشآتها. وكذلك شركة أوربيت التي اتخذت خلال السنوات الأخيرة إجراءات لخفض الانبعاثات واستهلاك الطاقة بما في ذلك تحسين كفاءة الإنتاج، والتحول إلى الغاز الطبيعي، وإنشاء مشروع للطاقة الشمسية يغطي نحو نصف احتياجات المصنع من الكهرباء. كما استثمرت أيضًا في بنية تحتية تتيح إعادة تدوير الألمنيوم، ما خفّض -بحسب دعبول- الانبعاثات المرتبطة بسلسلة التوريد من نحو 10 أطنان إلى نصف طن من الكربون لكل طن من الألمنيوم.
مع ذلك، يتفق دعبول واللبدي على أن السوق الأردنية ما تزال تفتقر إلى خدمات استشارية ذات خبرة كافية في الآلية الأوروبية الجديدة. ويدعو اللبدي إلى تدريب الشركات وغرف الصناعة والمؤسسات المعنية، وتقديم خدمات الإرشاد والتوعية، وإشراك القطاع الصناعي في صنع السياسات والقرارات الوطنية ذات الصلة: «كل ما برامج الدعم المالي أو التمويل الأخضر تُفعل بشكل أسرع، كل ما كانت المصانع قادرة على تخفيض حجم الانبعاثات وتكون قادرة على المنافسة أكثر مقارنة مع مصنعين آخرين من دول العالم».
ويرى دعبول أن متطلبات الآلية لن تقتصر على الشركات القائمة، بل ستواجه أيضًا الشركات الجديدة التي ستبدأ العمل في الأردن أو تفكر في دخول السوق الأوروبية، إذ سيكون «قدامهم مشوار طويل» للامتثال لتشريعات بيئية معقدة. ويقترح على الحكومة الانخراط أكثر في الملف والتفاوض مع الاتحاد الأوروبي للحصول على بعض المزايا، فبرأيه كان ينبغي أن تستهدف الآلية أساسًا الدول الصناعية الكبرى لا اقتصادًا بحجم الأردن. وقد حاولت «حبر» مرارًا التواصل مع وزارة الصناعة والتجارة للحصول على تعليقها إزاء آلية تعديل حدود الكربون، من دون استجابة.
يتوقع دعبول أن يصبح أثر الآلية أكثر وضوحًا مع مرور الوقت خصوصًا مع تصاعد الكلفة التي تفرضها الآلية عبر القيم الافتراضية لانبعاثات الكربون حتى عام 2034، وتوسع نطاق القطاعات والمنتجات المشمولة بها، يضاف إلى ذلك توجّه دول أخرى إلى تطبيق أنظمة مماثلة، من بينها المملكة المتحدة التي ستبدأ تطبيق آليتها مطلع 2027. ويختم بالقول: «لازم تكون الدولة منتبهة مش على اليوم بس، بل على السنين القادمة».
* ساهمت الزميلة بيان عطيّات في إجراء المقابلات لهذا التقرير.
[1] رغم بدء احتساب الالتزامات المالية على الواردات منذ 2026، يبدأ شراء شهادات الكربون الخاصة بواردات هذا العام في 1 شباط 2027، على أن يقدّم المستوردون أول إقرار سنوي ويسلّموا الشهادات المستحقة بحلول 30 أيلول 2027.
[2] دول بريكس هي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا ومصر وإثيوبيا وإيران والإمارات العربية المتحدة وإندونيسيا، وهي مجموعة اقتصادية وسياسية تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء وزيادة نفوذها في الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضا: معايير الأمان.. مقرر تدريبي لتعريف المختصين بمتطلبات الأمان النووي والإشعاعي
