كوشنر في القاهرة وتل أبيب.. كيف تفكر إدارة ترامب في إنقاذ خطة غزة؟ – الأسبوع

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تبدأ إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، جولة جديدة لاختبار قدرتها حول خطة إنهاء الحرب في غزة وتحويلها إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، من واقع زيارة جاريد كوشنر، مبعوث ترامب وصهره، إلى إسرائيل قبل انتقاله إلى القاهرة. جولة كوشنر تستهدف حلحلة الخلافات والتعامل مع التعنت الإسرائيلي بشأن ما تبقى من خطة ترامب بنقاطها الـ20، وسط لقاءات مرتقبة مع مسؤولين إسرائيليين، فضلًا عن الوسطاء من مصر وتركيا وقطر في القاهرة.

اقرأ أيضا: شبورة ورطوبة ورياح.. تفاصيل حالة الطقس غدا الثلاثاء 18 أغسطس 2026 – الأسبوع

تأتي زيارة كوشنر بعد أيام من إعلان رئيس حكومة إسرائيلي، بنيامين نتنياهو، رفضه الخطة الأمريكية بصيغتها التي تربط نزع سلاح حركة حماس بانسحاب إسرائيلي مرحلي، وفي المقابل، أعلنت الحركة، قبولها الخطة مع تمسكها بأن تفي إسرائيل بالتزاماتها أولاً. هذا التطور يضع كوشنر أمام مهمة أصعب من مجرد التوفيق بين مواقف متعارضة.

المشكلة الآن لا تتعلق بالاتفاق على الهدف النهائي، وإنما بترتيب الخطوات التي ستقود إليه، ومن يقدم التنازل الأول، ومن يضمن ألا يستغل الطرف الآخر هذا التنازل لإعادة فرض شروط جديدة. وهنا تكمن أهمية الزيارة، إذ تحتاج واشنطن إلى إخراج ما تبقى من خطتها من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى الآلية التنفيذية، بينما تريد إسرائيل ضمانات أمنية قبل الانسحاب، في حين تريد حماس ضمانًا معاكسًا يمنع استخدام نزع السلاح ذريعةً لاستمرار العمليات العسكرية.

مفتاح الحل

اختيار القاهرة نقطة رئيسية في تحرك كوشنر يحمل دلالة عملية. مصر تمتلك اتصالًا مباشرًا بالملف الفلسطيني، وحدودًا مع غزة، وخبرة طويلة في إدارة الاتصالات بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، كما أن إشراك تركيا وقطر يعني أن واشنطن لا تتعامل مع غزة باعتبارها ملفًا ثنائيًا بين إسرائيل وحماس، وإنما تحتاج إلى شبكة وساطة تستطيع مخاطبة الأطراف المختلفة وتوفير الضمانات السياسية والأمنية واللوجستية اللازمة.

تتحدث معطيات أمريكية عن عدم وجود خلاف كبير حول هدف نزع سلاح حماس، مع وجود «مخاوف مشروعة» يجري العمل على معالجتها، مما يكشف أساس المأزق أكثر مما يظهر كخلاف سياسي تقليدي. فإذا كان الهدف مقبولًا من حيث المبدأ، فالسؤال: كيف يتم نزع السلاح؟ من ينفذه؟ من يراقبه؟ ما الذي يحدث إذا رفضت الفصائل تسليم أسلحتها؟ وماذا تحصل إسرائيل في المقابل؟

خطة ترامب الأصلية طرحت بالفعل تصورًا لنزع السلاح، إعادة تشكيل إدارة غزة، إنشاء قوة استقرار دولية، تدريب شرطة فلسطينية، وربط الانسحاب الإسرائيلي بتحقيق معايير ومراحل محددة في عملية نزع السلاح، كما نصت الخطة على وقف الاحتلال، أو الضم من قبل الإسرائيليين للقطاع، وعلى وجود دور دولي وعربي في المرحلة الانتقالية.

لكن وضع هذه البنود على الورق يختلف جذريًا عن تنفيذها على أرض تسيطر عليها قوات إسرائيلية، وتتحرك فيها حركة حماس التي تمتلك بنية تنظيمية وعسكرية منذ 2007، ويعيش فيها أكثر من مليوني فلسطيني في ظروف إنسانية وأمنية شديدة الصعوبة، نتيجة عدوان قوات الاحتلال المكثف منذ أكتوبر 2023، قبل طرح الخطة الأمريكية وبدء تنفيذها منذ أكتوبر الماضي.

ماذا يحمل؟

تكمن أهمية كوشنر في قربه من ترامب، وتكليفه في محطات سابقة بملفات تسوية إقليمية، فضلًا عن قدرته على نقل رسائل سياسية مباشرة إلى الرئيس الأمريكي، لكن هذه المكانة لا تعني امتلاكه حلًّا جاهزًا. مهمته الحقيقية ستكون اختبار حدود التنازلات الممكنة لدى الأطراف.

هنا يمكن أن تقدم مصر عنصرًا بالغ الأهمية: صيغة تنفيذية تجعل كل خطوة مرتبطة بخطوة مقابلة. فبدل مطالبة حماس بنزع السلاح ثم انتظار الانسحاب الإسرائيلي، يمكن ربط كل مرحلة من عملية نزع السلاح بانسحاب إسرائيلي محدد وقابل للمراقبة، على أن يرتبط الانتقال إلى المرحلة التالية بالتحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية المتفق عليها.

هذا الترتيب لا يلغي انعدام الثقة بين الأطراف، لكنه يقلل من مخاطره، حيث لا يفترض توافر ثقة كاملة بين الطرفين، وإنما يستبدل جزءًا منها بآليات واضحة للرقابة والتحقق والتزامات متبادلة، بحيث يصبح خرق أي طرف للاتفاق مكلفًا سياسيًا وأمنيًا.

أمام خيارين

المشكلة التي تواجهها إدارة ترامب أن الصيغة الأمريكية لتنفيذ الخطة تصطدم بموقف إسرائيلي معلن بشأن ترتيب الخطوات، فبينما تقوم الخطة على مسار مرحلي يربط نزع سلاح حماس بالانسحاب الإسرائيلي، يتمسك نتنياهو بأن أي انسحاب إسرائيلي مشروط بنزع سلاح حماس بالكامل والتحقق منه. ومن ثم، فإن نقطة التباين لا تتعلق بالهدف النهائي بقدر ما تتعلق بتسلسل الالتزامات وضمانات تنفيذها.

إذا أصرت واشنطن على الصيغة الحالية، فسيتعين عليها استخدام نفوذها السياسي على إسرائيل لإقناع حكومة نتنياهو بقبول انسحاب مرحلي. أما إذا اختارت تعديل الخطة، فإنها ستحتاج إلى إقناع حماس بأن التعديلات لا تعني التخلي عن مبدأ الانسحاب، وأن نزع السلاح لن يتحول إلى عملية أحادية الجانب.

يمتلك ترامب أدوات ضغط وتأثير مهمة على الحكومة الإسرائيلية، لكنه يواجه في المقابل حسابات سياسية داخلية معقدة لدى نتنياهو. فرئيس الوزراء الإسرائيلي يتحرك في ظل انتخابات مرتقبة وضغوط من شركائه في الائتلاف، ولا سيما التيارات اليمينية التي ترى أن أي انسحاب من غزة قبل نزع سلاح حماس بالكامل يمثل مخاطرة أمنية وسياسية.

لذلك، لن تتوقف قدرة ترامب على دفع نتنياهو نحو ترتيبات أكثر توافقًا مع الصيغة الأمريكية على ما يستطيع الرئيس الأمريكي إعلانه من مواقف، وإنما على مدى استعداده لاستخدام أدوات النفوذ الأمريكية فعليًا، وعلى الكلفة السياسية التي يمكن أن يتحملها نتنياهو إذا اختار الاستجابة للضغوط الأمريكية على حساب تماسك ائتلافه وموقعه الانتخابي.

معادلة نتنياهو

الموقف الإسرائيلي يحتاج إلى قراءة تتجاوز التصريحات العلنية. بالنسبة إلى نتنياهو، نزع سلاح حماس لا يمثل بندًا تفاوضيًا عاديًا. إنه مرتبط بصورة الأمن الإسرائيلي بعد الحرب، بالسؤال عن قدرة حماس على إعادة بناء قوتها، وبمستقبل السيطرة الأمنية على غزة.

ولهذا يتمسك نتنياهو بأن يسبق نزع سلاح حماس أي انسحاب إسرائيلي، بينما تدفع واشنطن نحو مسار مرحلي يتقدم فيه المساران بالتوازي. والفارق بين الصيغتين يتجاوز الترتيب الإجرائي، فالصيغة الإسرائيلية تربط الانسحاب باستكمال نزع السلاح، والتحقق منه وفق معايير أمنية محددة، بينما تجعل الصيغة الأمريكية الانسحاب جزءًا من عملية متبادلة تقوم على التزامات متزامنة وآليات للرقابة والتحقق.

تضيف الانتخابات الإسرائيلية عاملًا سياسيًا ضاغطًا إلى هذه المعادلة، فقبول نتنياهو بانسحاب إسرائيلي قبل اكتمال نزع سلاح حماس قد يعرّضه لضغوط من اليمين داخل ائتلافه، في حين أن استمرار الجمود يضعه أمام إدارة ترامب التي تريد الانتقال بالخطة إلى مرحلة التنفيذ. لذلك قد يسعى رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى صيغة تمنحه هامشًا زمنيًا أكبر، أو تضع معايير أكثر صرامة للتحقق من نزع السلاح قبل الانتقال إلى مراحل الانسحاب.

ترحيل المشكلة

قبول حماس بالخطة لا يعني موافقتها على جميع تفاصيلها، فموقفها يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل: إذا كان المطلوب منها التخلي عن سلاحها، فعلى إسرائيل في المقابل تنفيذ التزاماتها بالانسحاب ووقف الهجمات. وفي ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، يصعب فصل نزع السلاح عن ضمانات الانسحاب ووقف العمليات.

اقرأ أيضا: حملات ميدانية مكثفة بجميع أحياء بورسعيد لإزالة الإشغالات ومكافحة النباشين ورفع كفاءة الخدمات

في المقابل، لن يكون نزع السلاح الجزئي مقبولًا لإسرائيل من دون ضمانات تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحماس. لذلك، فإن نقطة التوازن لا تبدو في إعلان سياسي من أي طرف، وإنما في آلية تحقق مستقلة تضمن تنفيذ الالتزامات المتبادلة.

وهنا يمكن أن تلعب قوة الاستقرار الدولية والشرطة الفلسطينية دورًا مركزيًا، إذا تحولت من فكرة عامة إلى جهاز له صلاحيات واضحة، وقواعد اشتباك محددة، وقيادة مقبولة من الأطراف، وآليات مراقبة، وتمويل مستدامة.

الثقة المفقودة

تجري هذه المفاوضات في بيئة لا تساعد على بناء الثقة، فعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، استمرت الهجمات الإسرائيلية على القطاع خلال فترة الهدنة، وسُجلت أعداد كبيرة من الضحايا. ووفق وزارة الصحة في غزة، قُتل أكثر من 1250 فلسطينيًا منذ بدء الهدنة، بينما وثقت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان 629 وفاة حتى أوائل أبريل 2026، مع استمرار عملية التحقق من الحالات.

تكشف هذه الوقائع أن وقف إطلاق النار لم ينهِ أعمال العنف بصورة كاملة، وهو ما يجعل وجود آلية مستقلة للرقابة والتحقق من تنفيذ الالتزامات أمرًا أساسيًا في أي ترتيبات مقبلة. فأي خطة جديدة تحتاج أولًا إلى وقف حقيقي للعنف، لأن استمرار الهجمات يضعف قدرة الوسطاء على إقناع الفلسطينيين بأن المرحلة التالية ستختلف عن السابقة.

وعليه، لا يقتصر دور الأطراف العربية- الإقليمية الثلاثة على الوساطة السياسية، إذ يمكن لمصر أن تساهم في الترتيبات الأمنية واللوجستية، خاصة ما يتعلق بالحدود وتدريب الشرطة الفلسطينية وضمان تدفق المساعدات وإعادة الإعمار، فيما تمتلك قطر قنوات اتصال مع حماس يمكن توظيفها في التفاوض، بينما تستطيع تركيا توفير قنوات إضافية للاتصال ودعم المسار سياسيًا واقتصاديًا.

لكن التحدي أمام هذه الأطراف هو الانتقال من مجرد الوساطة بين الأطراف إلى بناء شبكة ضمانات تساهم في تنفيذ الالتزامات ومراقبتها، بحيث يصبح لكل طرف دور واضح في تثبيت الاتفاق ومنع انهياره.

السيناريو الواقعي

في ضوء هذه التعقيدات، تبدو مهمة واشنطن أقرب إلى إعادة هندسة مسار التنفيذ منها إلى طرح خطة جديدة. ويعزز ذلك تكوين الوفد المرافق لكوشنر، إذ يضم نيكولاي ملادينوف، المسئول عن ملف غزة في «مجلس السلام»، وتوني بلير، عضو الهيكل القيادي للمجلس، بما يعطي الجولة بعدًا يتجاوز التحرك السياسي المباشر إلى بحث ترتيبات المرحلة المقبلة.

تتجه زيارة كوشنر إلى اختبار صيغة مرحلية تربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع السلاح، مع آليات للرقابة والتحقق. وقد تنجح واشنطن في تحقيق تقدم جزئي يتيح تثبيت وقف إطلاق النار وزيادة المساعدات وبدء ترتيبات الإدارة وإعادة الإعمار، مع تأجيل الملفات الأكثر حساسية، بينما يبقى الانسداد قائمًا إذا تمسك كل طرف بشروطه.

اقرأ أيضاًترامب يطالب إسرائيل بوقف هجماتها على غزة

وزير الاحتلال المتطرف يدعو لقتل 30 أو 40 فلسطينيا في غزة يوميا

اقرأ أيضا: موعد ومكان جنازة الفنان عمرو محمد علي بعد رحيله

‫0 تعليق