عمان – تكشف أحدث البيانات الرسمية امتلاك الأردن قاعدة شبابية تحمل مقومات مهمة للتحول إلى رأسمال بشري منتج، في ظل ارتفاع نسبة المتعلمين بين الأردنيين في الفئة العمرية (15-24 عاماً) إلى 99.3 %، بالتزامن مع انتشار شبه كامل لاستخدام الإنترنت بين هذه الفئة. وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة بمناسبة اليوم العالمي للشباب.
وتأتي هذه المؤشرات في وقت يزداد فيه اعتماد الاقتصادات الحديثة على المعرفة والمهارات الرقمية باعتبارها من محركات الإنتاجية والنمو، ما يفتح أمام الأردن فرصة للاستفادة من قاعدة شبابية واسعة، تتمتع بمستويات مرتفعة من التعليم والاتصال الرقمي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه يتمثل في مدى قدرة الاقتصاد الأردني على تحويل هذا الرصيد البشري المتعلم والمتصل رقمياً إلى قوة إنتاجية حقيقية، تساهم في رفع النمو والإنتاجية وخلق وظائف ذات قيمة مضافة.
وأكد خبراء اقتصاديون أن ارتفاع نسبة المتعلمين وانتشار استخدام الإنترنت بين الشباب الأردنيين يشكلان رصيداً بشرياً ورقمياً مهماً يمكن أن يعزز تنافسية الاقتصاد ويدعم انتقاله نحو قطاعات أكثر إنتاجية وقيمة مضافة، إلا أن تعظيم العائد من هذا الرصيد يتطلب تحويل التعليم والمعرفة الرقمية، إلى مهارات عملية وفرص عمل منتجة.
وأوضح الخبراء، في تصريحات صحفية لـ”الغد”، أن التحدي لم يعد في زيادة أعداد المتعلمين، وإنما في جودة المهارات ومدى ارتباطها باحتياجات القطاعات الاقتصادية الواعدة، إلى جانب قدرة الاقتصاد على توليد وظائف لائقة ومستقرة تستوعب هذه الطاقات، مشيرين إلى أن انخفاض المشاركة الاقتصادية للشباب ولا سيما، الشابات يعكس فجوة بين حجم رأس المال البشري وقدرة الاقتصاد على استثماره.
واعتبروا أن قطاعات تكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية، والصناعات الدوائية والهندسية، والغذائية والطاقة المتجددة، والسياحة المتخصصة، والخدمات المهنية القابلة للتصدير، توفر فرصاً واعدة لتحويل مهارات الشباب إلى إنتاج وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
ودعا الخبراء، إلى ضرورة تبني سياسات اقتصادية وتعليمية متكاملة تربط التدريب بالتشغيل الفعلي والتلمذة المهنية والإرشاد الوظيفي، بالتوازي مع سياسات استثمارية وتمويلية تدفع نحو توسع الاقتصاد وخلق وظائف جديدة.
وأكدوا أن المطلوب لا يقتصر على مواءمة مخرجات التعليم مع الوظائف القائمة، وإنما يتطلب أيضاً توسيع قدرة الاقتصاد على خلق وظائف تتناسب مع قدرات الجيل الأردني المتعلم والرقمي، وتحويل هذه القدرات إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
الشباب الأردني.. منسوب تعليمي مرتفع للغاية وبحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة بمناسبة اليوم العالمي للشباب، الذي صادف الأربعاء الماضي، بلغت نسبة الشباب الأردنيين الذين يحملون مؤهلاً ثانوياً 34.8 %.
وأظهرت نتائج مسح استخدام وانتشار الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في المنازل للعام 2024 انتشاراً واسعاً لاستخدام الإنترنت بين الشباب؛ إذ بلغت النسبة 99.7 % بين الذكور و99.4 % بين الإناث في الفئة العمرية (15-19 عاماً)، و99.5 % للذكور و99.6 % للإناث في الفئة العمرية (20-24 عاماً).
وتعكس هذه الأرقام مستوى مرتفعاً للغاية من الانتشار الرقمي بين الشباب الأردني، بما يجعل الوصول إلى الأدوات والخدمات الرقمية جزءاً شبه شامل من البيئة التي يعيش ويتعلم ويتحرك فيها هذا الجيل.
ورغم قوة المؤشرات المتعلقة بالتعليم والاتصال الرقمي، تظهر البيانات فجوة واضحة عند الانتقال إلى سوق العمل.
فقد بلغ معدل المشاركة الاقتصادية المنقح للشباب الأردنيين في الفئة العمرية (15-24 عاماً) خلال العام الماضي، نحو %21، بواقع 30.9 % للذكور، مقابل 9.2 % للإناث.
وتعزز بيانات فرص العمل المستحدثة الجانب الإيجابي في الصورة؛ إذ أظهر مسح فرص العمل المستحدثة للعام 2024 أن الشباب الأردنيون في الفئة العمرية (15-24 عاماً)، شكلوا 39.9 %، من إجمالي الحاصلين على وظائف جديدة، في حين بلغت نسبة من تركوا العمل 15.7 %.
كما أظهرت البيانات أن صافي فرص العمل المستحدثة للشباب بلغ 63.9 % من إجمالي صافي فرص العمل المستحدثة، وهو ما يعكس حضوراً لافتاً لهذه الفئة في حركة سوق العمل.
إلا أن ارتفاع حصة الشباب من الوظائف المستحدثة لا يلغي التساؤلات المتعلقة بطبيعة هذه الوظائف، ومدى استقرارها، ومستويات أجورها، وقدرتها على توفير مسارات مهنية مستدامة، خصوصاً في ظل الفجوة الكبيرة بين المؤهلات التعليمية والمشاركة الاقتصادية.
الأردن يمتلك قاعدة بشرية مؤهلة للانتقال نحو اقتصاد رقمي ومعرفي وتقني وذكي
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش: “إن الأردن يمتلك رصيداً بشرياً ورقمياً كبيراً”، مشيراً إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توافر الشباب أو ارتفاع مستويات التعليم والاتصال بالإنترنت، وإنما في تحويل هذا الرصيد إلى مهارات مطلوبة ووظائف منتجة، للشباب عموماً والنساء خصوصاً.
وأوضح عايش أن وصول نسبة المتعلمين بين الشباب الأردنيين إلى 99.3 %، واقتراب استخدام الإنترنت من الشمول الكامل بينهم، يعني أن الأردن يمتلك قاعدة بشرية مؤهلة للانتقال نحو اقتصاد رقمي ومعرفي وتقني وذكي، إلا أن القيمة الاقتصادية الفعلية لهذه القاعدة لن تتحقق إلا بتحويل التعليم والاتصال الرقمي إلى مهارات قابلة للاستخدام في السوقين المحلي والخارجي.
اقرأ أيضا: ملثم صحراوي وسيدة وقس وطبيب.. قصص القنوات السرية بين أطراف القتال | أخبار

وأشار إلى أن هذه القراءة تتوافق مع تشخيص منظمة العمل الدولية بشأن وجود فجوة بين التعليم والعمل، وعدم تطابق المهارات مع احتياجات سوق العمل، إلى جانب محدودية فرص العمل المتاحة، مؤكداً أن معالجة هذه الفجوة تمثل أحد أهم التحديات الاقتصادية أمام الأردن.
وأكد عايش أن الإنترنت ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد وسيلة للاتصال، وإنما بنية تحتية للتأهيل والعمل والاستثمار في الشباب، موضحاً أن بالإمكان توظيف هذه القاعدة الرقمية في مجالات، مثل البرمجة والتصميم والمحاسبة وخدمات الأعمال والذكاء الاصطناعي والتسويق الرقمي وغيرها من المجالات التي تتيح للشباب تقديم خدماتهم للأسواق المحلية والعالمية.
ولفت إلى أن الاستفادة من هذه الفرص لا تعني بالضرورة هجرة الكفاءات الأردنية، وإنما يمكن أن تتيح لهم العمل من داخل الأردن لصالح أسواق خارجية، بما يحول المهارات الرقمية إلى مصدر جديد للدخل والتصدير، ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على الاستفادة من رأس ماله البشري.
التحدي الأبرز أمام القاعدة الشبابية الكبيرة تمكينها من مهارات سوق العمل والعصر
بدوره، قال أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري: “إن وصول نسبة المتعلمين بين الشباب الأردنيين إلى 99.3 %، يعد مؤشراً إيجابياً، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في مدى قدرة الاقتصاد على تحويل هذا المستوى التعليمي المرتفع إلى قوة إنتاجية”.
وأوضح أن سوق العمل لا يبحث اليوم عن حملة شهادات فقط، وإنما عن مهارات متخصصة قادرة على رفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الأردني، مشيراً إلى أن استمرار معدلات البطالة رغم ارتفاع مستويات التعليم يعكس وجود فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
وأضاف أن المطلوب هو الانتقال من التعليم القائم على المعرفة النظرية والحصول على الشهادة، إلى تعليم ينتج مهارات عملية قابلة للتوظيف، بما يسمح بتحويل القاعدة الشبابية الكبيرة إلى قوة عاملة منتجة تساهم في النمو الاقتصادي.
وأشار الحموري، إلى وجود طلب فعلي على مهارات أردنية في عدد من القطاعات، منها الإنشاءات وتكنولوجيا المعلومات والخدمات والسياحة، مؤكداً أن تأهيل الشباب وفق احتياجات هذه القطاعات، يمكن أن يوسع فرص العمل أمامهم ويرفع إنتاجيتهم.
وشدد الحموري، على أن المرحلة المقبلة تتطلب سياسات تعليمية وتدريبية تركز على المهارات التطبيقية والمهنية والتقنية، ومعالجة فجوة المواءمة بين التعليم وسوق العمل بصورة عملية، بما يضمن تحويل الاستثمار في تعليم الشباب من مجرد تحصيل أكاديمي إلى إنتاجية، وقيمة مضافة وتنافسية للاقتصاد الوطني.
المرحلة المقبلة تتطلب سياسات اقتصادية متنوعة
من جانبه، أكد مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض، أن زيادة مشاركة الشباب تحتاج إلى سياسات اقتصادية متنوعة ترتبط بالاستثمار والمنظومة الضريبية وأسعار الفائدة، وتدفع باتجاه توسع الاقتصاد لتوليد فرص عمل جديدة لائقة.
وقال: “إن ذلك يتطلب أيضاً سياسات عمل نشطة ومتكاملة تشمل التدريب المرتبط بالتشغيل الفعلي، والتلمذة المهنية، وخدمات الوساطة والإرشاد المهني، ودعم الانتقال من التعليم إلى العمل”.
وأشار عوض، إلى أنه لا يمكن رفع نسب مشاركة الشابات في الاقتصاد والعمل من دون معالجة معيقات النقل والحضانات وبيئة العمل والأجور، إلى جانب التمييز القائم في بعض القطاعات.
ولفت إلى وجود فرص حقيقية في قطاعات التكنولوجيا والخدمات الرقمية، والصناعات الدوائية والهندسية والغذائية، والطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر، والسياحة المتخصصة والخدمات المهنية القابلة للتصدير، إلا أن ذلك يحتاج إلى سياسة اقتصادية واستثمارية توجه الحوافز نحو القطاعات الأعلى إنتاجية وقيمة مضافة.
واعتبر عوض، أن حصول الشباب على 39.9 % من الوظائف المستحدثة، يعد مؤشراً إيجابياً، لكنه لا يكفي، متسائلا في الوقت ذاته عن نوعية هذه الوظائف وأجورها واستقرارها وشمولها بالضمان الاجتماعي.
ويرى عوض، أن التحدي الحقيقي أمام الأردن ليس فقط خلق وظائف للشباب، بل خلق وظائف لائقة ومنتجة تستطيع الاحتفاظ بهم، وتحول تعليمهم ومهاراتهم إلى قيمة اقتصادية واجتماعية أعلى.
وفي المقابل، أشار عوض إلى أن المؤشرات المتعلقة بالشباب الأردني تكشف عن مفارقة اقتصادية واضحة؛ فنحن أمام جيل تصل نسبة المتعلمين فيه إلى 99.3 %، ويكاد استخدام الإنترنت بين أفراده يكون شاملاً، في الوقت الذي لا تتجاوز فيه المشاركة الاقتصادية للشباب 21 %، وتنخفض بين الشابات إلى 9.2 %.
وقال: “إن ذلك يعني أن المشكلة الأساسية لم تعد في توفر رأس المال البشري بقدر ما تكمن في ضعف قدرة الاقتصاد على استثماره وتحويله إلى قوة إنتاجية”.
وشدد عوض على أن اختزال المشكلة في عدم مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل غير دقيق؛ فهناك فجوة مهارات بالتأكيد، لكن هناك أيضاً فجوة أكبر في عدد ونوعية الوظائف التي يولدها الاقتصاد المحلي.
وبذلك، تبرز أمام الأردن معادلة اقتصادية واضحة: قاعدة شبابية متعلمة إلى حد شبه شامل، واتصال رقمي يكاد يكون عاماً، مقابل مشاركة اقتصادية محدودة، خصوصاً بين الشابات. وبين طرفي هذه المعادلة تقع مسؤولية السياسات الاقتصادية والتعليمية والاستثمارية، في تحويل ما يمتلكه الأردن من رأسمال بشري ورقمي إلى إنتاج وفرص عمل لائقة، وصادرات وخدمات ذات قيمة مضافة.
فالاستفادة الحقيقية من هذا الرصيد لا تتوقف عند تأهيل الشباب أو زيادة أعداد خريجي المؤسسات التعليمية، وإنما تبدأ من قدرة الاقتصاد على خلق الطلب على مهاراتهم، وتوفير بيئة تسمح لهم بتحويل المعرفة والمهارات الرقمية، إلى عمل وإنتاج ودخل ونمو مستدام.
