
Published On 17/8/2026
اقرأ أيضا: “التعليم العالي” تعترف تلقائياً بمؤهلات خريجي 41 جامعة داخل الدولة
أرقام غير مسبوقة، وأسماء تخرج من تحت ركام الحروب لتنافس على أرفع المنصات الثقافية، هذا ما كشفت عنه القوائم القصيرة لجائزة “كتارا” للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة.
وتعكس هذه الدورة طفرة غير مسبوقة؛ حيث استقبلت (2610) مشاركات، وهو الرقم الأعلى على الإطلاق. هذا الإقبال الكثيف يقرؤه النقاد كمؤشر لافت على لجوء الإنسان العربي إلى الكتابة الروائية كملاذ وجودي وأداة لتفكيك صدمات الواقع، وإعادة صياغة أحلامه وتوثيق يومياته.
حين يكتب الناجون
توزعت القوائم على خمس فئات رئيسية بإجمالي 45 رواية وتسع دراسات نقدية، لكن اللافت هذا العام هو الحضور الطاغي لأقلام قادمة من بلدان تعاني من الحروب والنزاعات، مثل فلسطين والسودان واليمن وسوريا، مما يُثبت أن الإبداع يُولد من رحم المعاناة.
الروايات المنشورة
برزت في فئة “الروايات المنشورة” تجارب تعكس هموم الإنسان المعاصر، شملت: “معزوفة اليوم السابع” (جلال برجس/الأردن)، “آشا.. الجعران والقمر” (سمر نور/مصر)، “مجانين أم كلثوم” (شريف صالح/مصر)، “رأيت ما لا يجوز لك” (طارق الطيب/السودان)، “سبدلا” (عبد القادر الجاسم/سوريا)، “بخلاف ما سبق” (عزت القمحاوي/مصر)، “مزامير التجاني” (محمد فتيلينه/الجزائر)، “يداي لا ترتجفان” (مها اليمني/السعودية)، و”حصار الغزالة واو” (مهند الدابي/السودان).
الروايات غير المنشورة
أما فئة “الروايات غير المنشورة”، التي تمثل النبض الأحدث للمواهب، فقد عكست صوتاً يقاوم المحو، وضمت الأعمال: “المخيم” للفلسطينية نسرين القيسي، و”للموت يوم آخر” للفلسطينية هدى المشهراوي، و”الطلسم” لليمني محمد الشويع، و”مدينة الماضي” للسوري سامر إسماعيل، إلى جانب أعمال من مصر وتونس والجزائر والأردن والسعودية.
التاريخ والفتيان كأدوات للوعي
لم تقتصر الجائزة على الاشتباك مع الحاضر، بل امتدت لتفكيك الماضي وتأمين المستقبل، حيث تبرز فئة “الروايات التاريخية” كأداة حيوية لتصحيح السردية العربية، وقد شملت 9 أعمال تتناول شخصيات وحقبات فارقة، من “جابر بن حيان” إلى “رجال الظل في قاهرة 1941″ و”غروب ألكازار”.
اقرأ أيضا: بن غفير يدعو إلى قتل المزيد من الفلسطينيين في غزة
وعلى خُطى تحصين الإنسان وصناعة وعي الأجيال، جاءت قائمة “روايات الفتيان” لتضم 9 أعمال تسعى لغرس قيم الانتماء والخيال الخلاق لدى اليافعين، بأقلام من مصر والجزائر واليمن والمغرب.
كتارا وتحرير الكاتب من ضغوط السوق
لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن السياق التأسيسي للجائزة؛ فمنذ انطلاقتها الأولى عام 2014، سعت “كتارا” لتغيير معادلة الصناعة الثقافية في العالم العربي. الجائزة التي رسخت مكانتها كواحدة من أضخم الجوائز الأدبية، حيث يتجاوز إجمالي جوائزها في بعض الدورات حاجز الـ600 ألف دولار؛ لم تكتفِ بالجانب المعنوي، بل ركزت على “التمكين المادي”.
يحصل الفائزون في فئات الرواية المنشورة وغير المنشورة على مبالغ تتراوح بين 30 ألفاً و60 ألف دولار. وفي بيئة عربية يعاني فيها الكاتب من التهميش وضعف المردود المالي، يمثل هذا العائد المادي أداة “تحرير” حقيقية؛ فهو يوفر للمبدع استقراراً يتيح له التفرغ الكامل للكتابة والبحث، متحرراً من ضغوط البحث عن لقمة العيش.
كسر المركزية الغربية
بهذه المشاركة المتنوعة، تؤكد “كتارا” أن دورها يتجاوز كونه مانحاً مالياً، ليصبح مشروعاً متكاملاً لتحقيق “السيادة الثقافية”. فالأعمال الفائزة لا تتوقف عند حدود التتويج والطباعة بالعربية، بل تأخذ مسارها نحو الترجمة إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
هذا الجهد الممنهج في الترجمة يحمل أثرا إستراتيجياً؛ فهو ينقل السردية العربية بأوجاعها وأحلامها ورؤيتها للعالم إلى الآخر الغربي بصوتها الأصلي وبلغتها، ليكسر بذلك احتكار المركزية الغربية والاستشراق في تأطير صورة الإنسان العربي.
اقرأ أيضا: ميزة «سجل الكمبيوتر» في ChatGPT تثير مخاوف بشأن الخصوصية…
