عميد متقاعد منير شحادة يكتب: لبنان بين الدولة «المرتهنة» و«المستباحة»: من يرسم مستقبل الجمهورية؟
اقرأ أيضا: امتحانات البكالوريا والثانوية العامة.. 50% اختيار من متعدد و50% مقالي
لم يعد السؤال في لبنان: من يحكم؟ بل أصبح أكثر تعقيداً: من يملك قرار الحكم؟ ومن يرسم حدود الدولة؟ ومن يحدد وظيفة الجمهورية في الشرق الأوسط الجديد؟
فلبنان الذي كان يوماً مساحة توازن بين الشرق والغرب، ومنبراً للحريات العربية، وساحةً للتفاعل الثقافي والسياسي، يجد نفسه اليوم في قلب إعادة تشكيل إقليمية كبرى، تُعاد فيها صياغة الخرائط السياسية والأمنية والاقتصادية، فيما يقف اللبنانيون أمام دولة تتآكل مؤسساتها، واقتصاد ينهار، وسيادة تُستنزف تحت وطأة الاحتلال والضغوط الخارجية والانقسام الداخلي.
ليست الأزمة اللبنانية وليدة السنوات الأخيرة، بل نتيجة تراكمات تاريخية، إلا أن الحرب الأخيرة على لبنان وما أعقبها من ترتيبات سياسية وأمنية أدخلت البلاد في مرحلة مختلفة، تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار إلى محاولة إعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية نفسها. فالمعركة لم تعد تدور حول الحدود فقط، وإنما حول هوية لبنان، وموقعه في النظام الإقليمي الجديد.
لقد أثبتت الحرب أن إسرائيل، بدعم أمريكي غير محدود، لم تكن تنظر إلى المواجهة باعتبارها عملية عسكرية مؤقتة، بل كفرصة لإعادة إنتاج واقع سياسي جديد يضمن لها أمناً طويل الأمد، ويمنحها حرية حركة عسكرية واستخباراتية داخل الأراضي اللبنانية تحت عناوين متعددة، من مكافحة التهديدات إلى منع إعادة بناء القدرات العسكرية لخصومها.
ومن هنا جاء ما يُعرف بـ(اتفاق الإطار)، الذي أثار جدلاً واسعاً داخل لبنان، لأنه لم يُنظر إليه باعتباره اتفاقاً متوازناً بين طرفين، بل باعتباره نتاج اختلال كبير في موازين القوى، فرض على لبنان التزامات واضحة، في حين لم يضمن له إنهاء الاحتلال، ولم يوفر ضمانات حقيقية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية أو احترام السيادة اللبنانية.
وبغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة، فإن القراءة الاستراتيجية لهذا الاتفاق تُظهر أنه نقل جزءاً من النقاش من مسألة إنهاء الاحتلال إلى مسألة إدارة الاحتلال، ومن الدفاع عن السيادة إلى تنظيم حدود الحركة داخلها. وهنا تكمن خطورة المرحلة.
فحين يصبح الاحتلال قادراً على فرض قواعد اشتباك جديدة، وحين تتحول الضغوط الدولية إلى وسيلة لإلزام الدولة اللبنانية بتنفيذ ما تعجز القوة العسكرية عن فرضه وحدها، فإن مفهوم السيادة نفسه يصبح موضع اختبار.
وليس خافياً أن الولايات المتحدة لعبت الدور المركزي في هذه العملية، ليس بوصفها وسيطاً محايداً، وإنما باعتبارها الشريك الاستراتيجي لإسرائيل، وصاحبة المشروع الأوسع لإعادة ترتيب المنطقة وفق مصالحها الأمنية والاقتصادية.
لقد انتقلت السياسة الأمريكية من إدارة الأزمات إلى إدارة موازين القوى، بحيث تُستخدم المساعدات، والعقوبات، والضغوط الدبلوماسية، والملفات الاقتصادية، أدواتٍ لإعادة تشكيل القرار الوطني في عدد من دول المنطقة، وكان لبنان إحدى أبرز ساحات هذا النهج.
لكن الخطأ الأكبر يكمن في الاعتقاد أن مستقبل لبنان يمكن رسمه في العواصم الخارجية.
فالتجارب اللبنانية منذ الاستقلال وحتى اليوم أثبتت أن كل مشروع يُفرض من الخارج، مهما بدا قوياً، يصطدم في النهاية بخصوصية المجتمع اللبناني وتعقيداته السياسية والطائفية والجغرافية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا تريد واشنطن أو تل أبيب من لبنان؟ بل ماذا يريد اللبنانيون لأنفسهم؟
فاللبنانيون اليوم لا يختلفون على الحاجة إلى الدولة، لكنهم يختلفون على شكلها ووظيفتها.
هناك من يريد دولةً تكون جزءاً من النظام الإقليمي الجديد مهما كانت الأثمان السياسية، وهناك من يرى أن الدولة لا يمكن أن تقوم إلا بحماية السيادة كاملة ورفض أي ترتيبات تُشرعن الاحتلال أو تمنحه امتيازات دائمة. وبين هذين الاتجاهين، يقف المواطن اللبناني منهكاً بأزماته المعيشية، يبحث عن الكهرباء والدواء والعمل، فيما تُرسم فوق رأسه خرائط جديدة لا يشارك في رسمها.
لقد غيّرت الحرب الأخيرة معادلات القوة داخل لبنان، لكنها لم تُنهِ أسباب الصراع. فالقوة العسكرية وحدها لم تستطع فرض الحل، كما أن الضغوط السياسية وحدها لم تستطع إنتاج الاستقرار. ولذلك يبدو لبنان اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد: دولة ضعيفة لا تستطيع فرض سيادتها الكاملة، وواقع أمني لا يسمح لإسرائيل بتحقيق أهدافها بصورة نهائية، ومجتمع دولي يسعى إلى إدارة الأزمة أكثر مما يسعى إلى حلها. وفي ظل هذه الصورة، يبرز سؤال الجمهورية الجديدة.
اقرأ أيضا: من قلب العزاء.. أحد ذوي ضحايا «الدواويس» يوجه رسالة شكر للرئيس السيسي و«الجبهة الوطنية».. صور
هل يحتاج لبنان فعلاً إلى جمهورية جديدة؟
إذا كان المقصود إعادة توزيع الصلاحيات بين المؤسسات أو تعديل النظام السياسي، فإن ذلك لن يحل الأزمة ما لم تُحسم أولاً مسألة السيادة الوطنية. فلا يمكن لأي دستور أن ينجح إذا بقي القرار الوطني رهينة التدخلات الخارجية. ولا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن ينجح إذا بقي الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة للاعداءات. ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن يستقر إذا شعر جزء من اللبنانيين بأن وطنهم يُدار وفق توازنات إقليمية لا وفق مصالحهم الوطنية.
إن الدولة ليست مجرد مؤسسات وإدارات، بل هي قبل كل شيء احتكار شرعي للقرار الوطني، وقدرة على حماية الأرض والحدود والمواطن. ومن دون ذلك، تبقى الدولة شكلاً قانونياً يفتقد جوهر السيادة.
ولعل أخطر ما يواجه لبنان اليوم هو محاولة تحويل أزمته إلى حالة دائمة، بحيث يصبح الانهيار أمراً طبيعياً، والاحتلال أمراً يمكن التعايش معه، والوصاية الخارجية أمراً مقبولاً بحجة الإنقاذ الاقتصادي أو تحقيق الاستقرار. وهذا هو التحدي الحقيقي. فالأمم لا تنهزم فقط حين تُحتل أراضيها، بل حين تعتاد على الاحتلال، أو تتعامل معه بوصفه قدراً لا يمكن تغييره. لقد أثبت التاريخ اللبناني أن هذا البلد الصغير استطاع، رغم الحروب والأزمات، أن يستعيد حضوره كلما توفرت إرادة وطنية جامعة. وليس المطلوب اليوم خطاباً تعبوياً أو شعارات سياسية، بل مشروع وطني يعيد تعريف أولويات الدولة. مشروع يبدأ بإعادة بناء المؤسسات، ومحاربة الفساد، وتعزيز القضاء، وإطلاق الاقتصاد، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن يكون ثمن الإصلاح هو التنازل عن السيادة أو القبول بمعادلات تُكرّس الاحتلال.
إن لبنان لا يحتاج إلى دولة تُدار من الخارج، ولا إلى جمهورية تُصاغ وفق موازين القوى الدولية، بل يحتاج إلى عقد وطني جديد يستند إلى مبدأ بسيط: لا استقرار بلا سيادة، ولا سيادة بلا دولة قادرة، ولا دولة قادرة إذا كان قرارها موزعاً بين العواصم.
إن مستقبل لبنان لن ترسمه إسرائيل وحدها، ولا الولايات المتحدة وحدها، ولا القوى الإقليمية مجتمعة، إذا امتلك اللبنانيون القدرة على إنتاج رؤية وطنية مشتركة تتجاوز الانقسامات الآنية. أما إذا بقي الداخل منقسماً، واستمرت القوى الخارجية في استخدام لبنان ساحةً لتصفية الحسابات، فإن البلاد ستبقى تدور في الحلقة ذاتها: حروب تتوقف لتعود، واتفاقات تُوقَّع لتُخرق، وأزمات تُدار بدل أن تُحل.
ولذلك، فإن السؤال الذي تطرحه مجلة «الوطن العربي»: «من يرسم مستقبل لبنان؟» لا يمكن الإجابة عنه باسم دولة أو محور، بل بإجابة أكثر عمقاً: مستقبل لبنان يرسمه اللبنانيون عندما يمتلكون قرارهم الحر، ويُحصِّنون دولتهم، ويمنعون تحويل وطنهم إلى ساحة نفوذ أو صندوق بريد للصراعات الإقليمية والدولية.
وحينها فقط، يمكن أن ينتقل لبنان من دولة حائرة تبحث عن مستقبلها، إلى دولة تعرف ما تريد، وتفرض إرادتها على العالم، بدل أن تُفرض عليها إرادات الآخرين

