عصام حجي يراجع موقفه من انقلاب 2013 ويعتذر عن قبوله منصب مستشار عدلي منصور

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

قدم العالم المصري في الخارج عصام حجي مراجعة علنية لتجربته في مؤسسة الرئاسة المصرية خلال فترة تولي عدلي منصور الرئاسة المؤقتة، معلنا اعتذاره للشعب المصري عن قبوله منصب المستشار العلمي للرئيس عقب الانقلاب العسكري عام 2013، ومؤكدا أن تجربته داخل قصر الرئاسة دفعته إلى إعادة النظر في كثير من المواقف التي تبناها آنذاك.

اقرأ أيضا: مسرحية الانتخابات الفلسطينية

وقال حجي، في كلمة ألقاها في ذكرى مذبحة رابعة، إن حديثه لا يستهدف مهاجمة أشخاص بعينهم ولا تقديم نفسه باعتباره أفضل من غيره، وإنما يأتي في إطار مراجعة ذاتية لما وصفه بأحد أصعب الفصول في حياته، وما تعلمه من تجربته داخل مؤسسة الرئاسة.

وأضاف: “أقدم اعتذاري الكامل للشعب المصري عن قبولي العمل كمستشار في تلك الفترة”، معتبرا أن الاعتراف بالخطأ ومراجعة المواقف يمثلان جزءا من المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق المثقف والعالم.

“اكتشفت أنني لا أفهم السياسة”

وتحدث حجي عن أسباب انضمامه إلى مؤسسة الرئاسة في تلك المرحلة، قائلا إنه دخل التجربة وهو يعتقد أن وجوده كمستشار علمي يعني المشاركة في وضع خطط للمستقبل والمساهمة في بناء الدولة، لكنه اكتشف لاحقا أن الصورة كانت مختلفة عما تصور.

وقال: “اكتشفت سبب وجودي كمستشار في الرئاسة.. إني مش فاهم سياسة”، مضيفا أنه كان يعتقد أن وجوده داخل مؤسسة الرئاسة يمكن أن يسهم في خدمة الدولة ومدنيتها، قبل أن يدرك، وفق روايته، أن كثيرا من الملفات والقرارات كانت تدار خارج الدائرة التي كان يعمل فيها.

وأشار إلى أنه دخل المؤسسة متأثرا بما كان يسمعه في وسائل الإعلام، وقال: “كنت مصدق كل اللي بيتقال في الإعلام، لحد ما دخلت الرئاسة واكتشفت الحقيقة”.

ووصف ما جرى في تلك المرحلة بأنه “أكبر عملية تلاعب بالوعي وتلاعب فكري في العصر الحديث”، معتبرا أن تجربته داخل الرئاسة جعلته يعيد تقييم الخطاب السياسي والإعلامي الذي كان سائدا آنذاك.

اظهار أخبار متعلقة

جهاز “الكفتة” وصدمة داخل الرئاسة

وتطرق حجي إلى قضية الجهاز الذي أعلن عنه الجيش المصري في ذلك الوقت، والمعروف إعلاميا باسم “جهاز الكفتة” لعلاج فيروس سي والإيدز، بوصفها واحدة من الوقائع التي أثارت لديه علامات استفهام بشأن طريقة التعامل مع العلم داخل مؤسسات الدولة.

وقال إن هذه القضية كانت من بين الأمور التي جعلته يدرك، أن هناك فجوة بين ما يفترض أن يكون عليه القرار العلمي وبين الطريقة التي كان يجري بها التعامل مع بعض الملفات.

وأضاف أن مسؤولا كبيرا قال له في حينه، في إشارة إلى الشخص الذي قدم الجهاز: “مش مهم كلامه، المهم تحترم البدلة اللي عليه”.

واعتبر حجي أن هذه الواقعة كشفت له أن الاعتراض العلمي لم يكن يحظى بالمكانة التي كان يتوقعها داخل المؤسسة، مشددا على أن العالم لا ينبغي أن يتحول إلى واجهة لتبرير قرارات سياسية أو أمنية.

وقال في هذا السياق: “العلم اللي ما بيحاربش الجهل والظلم.. قلته أحسن”، مضيفا أن العلم لا يمنع الإنسان من ارتكاب الأخطاء، لكنه يمنحه القدرة والشجاعة على الاعتراف بها والاعتذار عنها.

رابعة.. “لا يمكن تبرير الدماء”

وفي حديثه عن مذبحة رابعة، قال حجي إن ما جرى كان صدمة إنسانية أثرت بصورة عميقة في نظرته إلى السياسة والمجتمع، مؤكدا أن سقوط الضحايا لا يمكن تبريره تحت أي غطاء سياسي.

وتابع حجي إن “ما حدث في رابعة كان صدمة إنسانية غيرت مجرى حياتي وتفكيري، ولا يمكن تبرير الدماء تحت أي مسمى سياسي”.

وربط بين تجربته في مؤسسة الرئاسة وبين مسؤوليته عن المواقف التي اتخذها في تلك الفترة، قائلا إن قبوله المنصب كان خطأ، وإن الصمت أمام الخطأ لا يمكن فصله عن المسؤولية الأخلاقية لمن كان موجودا في موقع يسمح له برؤية ما يجري من الداخل.

وأضاف: “أعتذر لكل مصري آمن بي وبأني قد أحدث فارقا”، مؤكدا أن اعتذاره لا يأتي من الندم على محاولة خدمة بلاده، وإنما على ما وصفه بالسذاجة في التعامل مع مشهد سياسي شديد التعقيد.

انتقاد الرواية الإعلامية

وتحدث العالم المصري كذلك عن الدور الذي لعبته وسائل الإعلام في تشكيل وعي المصريين خلال تلك المرحلة، معتبرا أن الخطاب الإعلامي السائد أسهم، بحسب تقييمه، في تقديم رواية أحادية للأحداث وتشويه صورة الخصوم السياسيين.

وقال إنه كان يصدق كثيرا مما كان ينقل عبر الإعلام قبل دخوله مؤسسة الرئاسة، لكنه رأى بعد وجوده في الداخل أن كثيرا من الأمور أكثر تعقيدا مما كانت تظهر عليه في وسائل الإعلام.

وأشار إلى أن بعض الروايات التي استخدمت لتبرير ما جرى أو للتقليل من حجم الانتهاكات الإنسانية اعتمدت على السخرية وتشويه صورة المعتصمين، معتبرا أن تحويل الضحايا إلى مادة للتشويه الإعلامي ساهم في تزييف وعي الجمهور.

وشدد على أن “الحق ملوش تاريخ صلاحية”، وأن الاعتراف بالخطأ والشهادة بما يراه الإنسان حقا، حتى بعد مرور سنوات، يظلان واجبا أخلاقيا.

من خدمة السلطة إلى مسؤولية العالم

وفي الجزء الآخر من شهادته، أعاد حجي تعريف الدور الذي يرى أنه ينبغي أن يؤديه العالم والمثقف تجاه بلده، قائلا إن قيمة العالم لا تقاس فقط بما ينشره من أبحاث في الخارج، وإنما أيضا بقدرته على قول الحقيقة عندما يرى الخطأ في بلاده.

وأضاف أن مصر لا تحتاج فقط إلى تحويلات المصريين في الخارج أو إلى نجاحاتهم الفردية، بل تحتاج إلى توظيف المعرفة والخبرات العلمية في مواجهة مشكلات الفقر والجهل والتعليم والمياه والبحث العلمي.

وقال إن الوطنية، من وجهة نظره، لا تعني تأييد السلطة بصورة عمياء، وإنما تعني امتلاك شجاعة نقد الأخطاء والعمل على إصلاحها.

اقرأ أيضا: البنيان: أول اجتماع لمجلس شؤون التعليم العام خلال أسبوعين ونتائج ملموسة قبل 3 سنوات

وأضاف أن “مستقبل مصر لن يبنيه من يصفقون للأخطاء، بل سيبنيه من يمتلكون الجرأة والوعي لنقد الذات وإصلاح المسار”.

اظهار أخبار متعلقة

“التجربة كسرت أشياء كثيرة داخلي”

وتحدث حجي عن الأثر الشخصي الذي تركته تلك المرحلة عليه، قائلا إن التجربة غيرت كثيرا من أفكاره وقناعاته، وإنها جعلته أكثر تمسكا بالحقيقة وأقل خوفا من الاعتراف بالأخطاء.

وقال: “التجربة دي كسرت جوايا حاجات كتير، بس بنت فيا إنسان جديد مبيخافش من الحقيقة”.

وأوضح أنه لا يندم على محاولته خدمة بلاده، لكنه يندم على ما وصفه بالسذاجة التي تعامل بها مع المشهد السياسي في ذلك الوقت، معتبرا أن أهم درس خرج به هو ضرورة عدم السماح باستخدام الاسم أو الصفة العلمية لتوفير غطاء لأي ممارسات سياسية أو إنسانية خاطئة.

رسالة إلى الشباب والمصريين في الخارج

ووجه حجي رسالة إلى الشباب، دعاهم فيها إلى عدم تسليم عقولهم للإعلام أو لأي جهة تسعى إلى قلب الحقائق، وحثهم على بناء وعيهم على العلم والبحث والتحقق بدلا من الشائعات والشعارات.

وقال، بحسب التفريغ المرفق: “أوعوا تسلموا عقولكم للإعلام أو لأي جهة تقلب لكم الحقائق وتخليكم تشوفوا الظلم عدل”.

كما دعا المصريين في الخارج إلى عدم اختزال علاقتهم ببلدهم في الزيارات والصور والتحويلات المالية، قائلا إن المصري الحقيقي هو من يساهم في مواجهة الفقر والجهل والظلم.

وأكد أن دوره الحالي لا ينبغي أن يكون مرتبطا بالعمل داخل السلطة، وإنما بالمجال العلمي والأكاديمي، قائلا: “دوري دلوقتي مش إني أكون مسؤول في سلطة، دوري إني أكون صوت عاقل وعلمي بيشخص الأزمات بكل أمانة ومن غير نفاق”.

واختتم حجي رسالته بالتأكيد على أن الاعتذار ومراجعة المواقف لا يمثلان ضعفا، وإنما يمكن أن يكونا بداية لتصحيح المسار، قائلا: “الاعتذار والمراجعة مش نقطة ضعف، دي بداية الطريق الصح عشان نقدر نتحرك لقدام كبشر وكمجتمع”.

وتأتي هذه الشهادة، وفق التفريغ المقدم للكلمة، بوصفها مراجعة ذاتية من حجي لتجربته السياسية القصيرة داخل مؤسسة الرئاسة المصرية عام 2013، ولا سيما قبوله منصب المستشار العلمي للرئيس المؤقت عدلي منصور، في وقت شديد الحساسية أعقب عزل الرئيس الراحل محمد مرسي وأحداث رابعة.

ويبرز في مراجعة حجي انتقاله من النظر إلى مشاركته في مؤسسة الرئاسة باعتبارها محاولة لخدمة الدولة إلى اعتبارها تجربة كشفت له، بحسب روايته، حدود الدور الذي يمكن أن يؤديه العالم عندما يوضع داخل مؤسسة سياسية لا تسمح له بالاستقلال الكامل في إبداء رأيه العلمي.

اقرأ أيضا: الملحق الثقافي الصيني يزور مركز عجلون الثقافي لتعزيز التعاون

‫0 تعليق