
مرض الطاعون أكبر خطر واجه البشرية وهدد بفنائها، وما بين عامى 1946 و1953، قضى على 200 مليون إنسان، وأباد مثلا نصف سكان أوروبا وقضى على مدن كاملة، وكانت له تداعياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على العالم، ولم تكن كل التداعيات سلبية بل بعضها جاء إيجابيا للغاية، أهمها: تطوير النظم الصحية والقضاء على العبودية وتغيير أبجديات الأدب والفنون والاقتصاد.
الآن أرى أن البشرية أمام خطر أشد فتكا، ربما لا ينهى الحياة مثل الطاعون لكنه يهدم أسسها ويغير ملامحها ويبدل مبادئ وقيمًا ويثير الفتن والضغائن ويجعل حياة بعض الشعوب والأمم أشد قسوة من مواتها، إنه السوشيال ميديا، والتى أصفها بأنها طاعون العصر، ولى فى ذلك أسباب قد أكون مخطئا أو مصيبا فيها أو بعضها، لكنى مصر عليه.
ولننظر حولنا، ليس بالعالم الخارجى أو المحيط الإقليمى والمحلي، بل داخل نفس المكان وربما المقعد ذاته، كيف سيطرت السوشيال ميديا على عقولنا جميعا، وأصبحت بديلا للأب والأم والأخ والصديق، إذا شعرت بتعب سارعت بسؤالها، وإذا فرحت فورا تنشر فرحتك بها وكذلك همك وحزنك، هى المستشار الأقرب، والموجه الأقوي، والمعلم ربما الأوحد، والمربى الأشد تأثيرا، وعندما نرى نتائج وآثار كل هذا على حياتنا ندرك جدية وصفها بالطاعون، فلا هدأت أنفس بها ولا استقرت حياة ولا نجحت فكرة ولا استتب أمن عائلى أو مجتمعي، إلا من رحم ربي.
وإذا كان ما سبق يخص الأفراد، فواقع الأوطان أكثر تعقيدا، والدول أشد عرضة للفتك، فالعدو خفى ووسائله مستترة وتوغله بالمجتمعات يستحيل إيقافه والحد منه، ناهيك عن صعوبة مواجهة حروب السوشيال لتعدد أشكالها وتخفى منفذيها، وتلوين وصبغ أدواتها بصيغ مختلفة لا قبل لنا بحصرها ودحضها، فإن كان الطاعون مرضا لعينا لكننا نهاية ندرك تداعياته وضرباته، ونجحت البشرية فى هزيمته، هذا يستحيل مع السوشيال ميديا التى صنعها الإنسان ولا يدرك معظمنا مصدرها ولا وسائلها وأهدافها.
السؤال الآن، كيف يمكن أولًا تحديد خطر السوشيال ميديا، ثم من يستطيع مواجهتها، والسؤال الأهم بمجتمعاتنا العربية والإسلامية، متى ننجح فى توحيد جهدنا للحد من مخاطرها ووقف إبادتها لمبادئنا وديننا وعناصر قوتنا.
اقرأ أيضا: تعليم كفر الشيخ يكرّم 11 طالبًا لحصدهم على 11 ميدالية في مسابقات التربية الفنية
