توقفنا في الحلقة السابقة من هذه السلسلة عند التساؤل الآتي: فما الذي يلي ذلك المدخل الاجتماعي/الثقافي/الدعائي؟
اقرأ أيضا: ماذا تعرف عن مرض التصلب المتعدد الذي توفي بسببه الفنان عمرو محمد علي؟ – الأسبوع
تأكيدًا لما ذهبت إليه في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، فنحن بصدد ظاهرة عالمية للتثاقف بأنواعه الإيجابية والسلبية والشديدة السلبية التي سلفت الإشارة إليها، وقد وجدنا ذيوع حالة الاستتباع والاستهلاكية انطلاقًا من هالة “سوبر” (super) بإيحاءاتها كافة إلى الوطن العربي كله؛ فوجدنا برنامجًا قوي التمويل، ذائع الانتشار، واسع القبول تحت اسم “سوبر ستار” لاكتشاف المواهب الغنائية – وهو منسوج على منوال برنامج بريطاني سبقه من حيث الفكرة والتنفيذ.
استمر ذلك البرنامج من ٢٠٠٣ إلى ٢٠٠٨، وأحدث حالة من المتابعة (الانجذاب) التالية على الاستتباع (التقليد عن أصل).
وبالعودة إلى الحالة المصرية نجد استمرارًا لدلالات “السوبر” في البذور الزراعية (كما أسلفنا)، وفي الشطائر (كما أسلفنا)، وفي المنتجات الاستهلاكية الأخرى (كما أسلفنا)، وانتشارًا أكبر لمبيعات السجائر “السوبر”، وما أشبه.
وترتيبًا على ذلك، اكتسبت “سوبر” ومشتقاتها -أو كادت- الجنسيات المحلية؛ وأقامت بذلك الدليل على حال من التثاقف الإحلالي أو الأثقفة كما سلف بيانهما في الحلقة الأولى من هذه السلسلة.
وغاب عن الحاضر العربي/ المصري -اللهم إلا في الأوساط المتخصصة- استخدامات لفظة “سوبر” في التحليلات اللسانية ودلالاتها التحولية على مر التاريخ (كما سلف بيانه) وفي الحاضر من حيث استقامة الكلمة باستقلال، وعدم الاضطرار إلى قصر استخدامها على عمل “الداخلة الحرفية”، والتمايز في أساليب كتابة الإنجليزية البريطانية والأمريكية والأسترالية (إلخ) بإضافة شرطة فاصلة بين كلمة super وما تليها عند استخدامها مركّبة أو عند سك مصطلح جديد هي طرف فيه!
كما غاب ذلك الاستخدام (وأكرر، اللهم إلا في الأوساط المتخصصة) عن مجال بالغ الأهمية لأي أمة تريد لنفسها مقعدًا في المستقبل؛ ألا وهو مجال الفضاء الذي تكثر في استخدامات كلمة super.
اقرأ أيضا: حالة الطقس غدًا الثلاثاء 18 أغسطس 2026.. انخفاض طفيف في الحرارة وشبورة صباحية
ومن أمثلة ذلك: مصطلح super-earth أو “الأرض الفائقة” ويعني كوكبًا يشبه الأرض لكنه أضخم وذو خصائص أقوى؛ وكذلك مصطلح Supercluster أو “العنقود الفائق” الذي يعني تجمعات (clusters) لعناقيد من المجرات وتوابعها، ومصطلح Supernova أو “المستعر الأعظم” الذي يعني انفجارًا نجميًا عظيمًا، ومصطلح Supermassive Black Hole أو “الثقب الأسود الفائق الكتلة”، ويعني ثقبًا أسودًا بالغ الضخامة بتكتلات تُحسب بالمليارات المناظرة للكتلة الشمسية، وهلم جرا.
وبالحديث عن الفضاء، أجد في نفسي سعادة وفخرًا أن أطلقت مصر “وكالة الفضاء المصرية” في الجمهورية الجديدة، بل وإنشاء واستضافة “وكالة الفضاء الإفريقية” بمقرها الدائم في مصر أيضًا… ولهذا التوجه إيجابيات جمة على كل الأصعدة لمن وعى! وأسعدني أيضًا وجود مسلسل كرتوني للأطفال عن وكالة الفضاء المصرية، وقد عرض في رمضان منذ عامين.
وإلحاقًا بالشأن الفني الوارد في صدر هذه الحلقة، فلا يخفى على القارئ الكريم التجاء بعض الكُتاب والممثلين إلى تحوير طريقة كتابة / نطق كلمة super في العربية لإحداث إسقاطات وتوليد معان غير خافية على المتلقي! وذلك بكتابة / بنطق الكلمة كما لو كانت تبدأ بصوت الزاي، لا بصوت السين! لهذا تفسيره في علوم الألسنية تحت مصطلح intentional malapropism (اللحن العمدي الساخر)، وهذه ممارسة لغوية مطردة في اللغات وعابرة للثقافات.
فما الذي يلي هذا المدخل الفني / العلمي؟
هذا ما نرصده في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة.
اقرأ أيضا: محافظ كفر الشيخ: تحويل موارد المحافظة إلى صناعات ذكية ومستدامة
