د. صلاح عبدالعاطي يكتب: من غزة إلى جنوب لبنان.. كيف تغيّرت قواعد الصراع مع إسرائيل؟
اقرأ أيضا: أمطار ورياح تضرب البلاد في عز الصيف.. وتحذير للمصطافين بـ5 شواطئ
لم تكن الحرب التي اندلعت عقب السابع من أكتوبر 2023 مجرد جولة جديدة في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بل مثلت نقطة تحوُّل استراتيجية أعادت صياغة طبيعة الصراع في المشرق العربي، وكشفت تحولات في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وآليات إدارة الولايات المتحدة للأزمات الإقليمية، وحدود فاعلية النظام الدولي في حماية المدنيين وإنفاذ القانون الدولي.
وقد تجاوزت الحرب حدود قطاع غزة إلى جنوب لبنان، وأعادت رسم العلاقة بين الجبهتين الفلسطينية واللبنانية ضمن سياق إقليمي يمتد إلى إيران وسوريا والعراق واليمن والبحر الأحمر، لتصبح الساحتان جزءاً من معادلة استراتيجية واحدة، مع احتفاظ كل منهما بخصوصيتها القانونية والسياسية.
كما كشفت الحرب أزمة عميقة في منظومة العدالة الدولية، بعدما وثَّقت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية أنماطاً واسعة من القتل والتدمير والتهجير والتجويع، في وقت عجز فيه المجتمع الدولي عن فرض وقف للعمليات العسكرية أو توفير حماية فعلية للمدنيين، بما عمّق الفجوة بين قواعد القانون الدولي وموازين القوى السياسية، وأضعف الثقة في منظومة العدالة الدولية.
ورغم الدمار غير المسبوق في قطاع غزة والدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل، فإن الحرب لم تحقق ما وصفته الحكومة الإسرائيلية بـ«النصر المطلق»، إذ لم تتمكن من القضاء على حركة حماس، أو تهجير سكان القطاع، أو استعادة جميع الأسرى بالقوة، أو فرض نظام سياسي بديل. وفي المقابل، لم تحقق المقاومة الفلسطينية حسماً سياسياً، لكنها أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، وأسهمت في توسيع الاعتراف بدولة فلسطين وتعميق العزلة السياسية والأخلاقية لإسرائيل.
ومن ثَمَّ، لم يعد السؤال: من انتصر في الحرب؟ بل: كيف غيّرت الحرب طبيعة الصراع؟ فقد دخل الشرق الأوسط مرحلة أصبحت فيها القوة العسكرية أداة لإعادة تشكيل البيئات الأمنية والسياسية وإدارة الأزمات الممتدة، أكثر من كونها وسيلة لتحقيق الحسم العسكري.
هندسة البيئة الأمنية
اعتمدت العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ قيام الدولة على الردع، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، وتحقيق الحسم السريع، إلا أن حرب غزة أظهرت حدود هذه العقيدة في مواجهة الفاعلين من غير الدول، حيث لم يعد التفوق العسكري وحده كافياً لإحداث نتائج سياسية مستدامة.
وأمام ذلك، برز تحوُّل نحو مقاربة تقوم على إعادة تشكيل البيئة الأمنية التي تنشط فيها المقاومة، بدلاً من الاكتفاء بمحاولة القضاء عليها عسكرياً، عبر سياسات التدمير واسع النطاق، وإنشاء المناطق العازلة، والسيطرة على المحاور الاستراتيجية، وربط إعادة الإعمار بشروط أمنية وسياسية، مع الإبقاء على حرية التدخل العسكري حتى في ظل ترتيبات وقف إطلاق النار.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى التصريحات الإسرائيلية بشأن تحويل جنوب لبنان إلى «غزة ثانية» باعتبارها مجرد رسائل ردع، بل تعبيراً عن عقيدة أمنية جديدة تستهدف إعادة تشكيل المجال الأمني المحيط بإسرائيل وتقليص قدرة خصومها على استعادة قواعد الاشتباك السابقة.
بين الفصل القانوني والترابط الاستراتيجي
من الناحية القانونية، تختلف الحالتان الفلسطينية واللبنانية؛ فغزة جزء من أرض فلسطينية محتلة تخضع لقواعد القانون الدولي الخاصة بالاحتلال وحق تقرير المصير، بينما يُعد لبنان دولة ذات سيادة تحكم حدوده الجنوبية التزامات دولية، في مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 1701. كما أن حزب الله لا يمثل الدولة اللبنانية، رغم كونه فاعلاً رئيسياً في معادلاتها السياسية والأمنية.
إلا أن هذا الفصل القانوني لا يعكس كامل المشهد الاستراتيجي، إذ تتعامل إسرائيل مع غزة ولبنان باعتبارهما جزءاً من منظومة أمنية مترابطة تمتد إلى سوريا والعراق واليمن وإيران، بما يجعل أي تغير في إحدى الساحات ينعكس على بقية الساحات عسكرياً وسياسياً.
ومن هنا، تطور مفهوم «وحدة الساحات» إلى مفهوم أشمل هو «ترابط الجبهات»، حيث تحتفظ كل ساحة بخصوصيتها، لكنها تؤثر بصورة مباشرة في بقية الساحات ضمن شبكة إقليمية واحدة من الأزمات والتوازنات، ليصبح جنوب لبنان مختبراً لتطبيق العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة واختبار ترتيبات أمنية وسياسية يُراد تعميمها على الإقليم.
وتكشف التطورات في جنوب لبنان أن الهدف الإسرائيلي لم يعد يقتصر على إبعاد «حزب الله» عن الحدود أو تقليص قدراته العسكرية، وإنما يتجه إلى إعادة صياغة البيئة الأمنية اللبنانية عبر تعزيز دور الدولة والجيش، وتقليص هامش حركة الحزب، وربط إعادة الإعمار والاستقرار بتفاهمات أمنية طويلة الأمد.
غير أن هذا المشروع يصطدم بتعقيدات داخلية، إذ إن «حزب الله» يمثل فاعلاً سياسياً واجتماعياً مؤثراً، كما أن طبيعة النظام اللبناني القائم على التوازنات الطائفية تجعل فرض ترتيبات أحادية أمراً بالغ الصعوبة. ومن ثَمَّ، فإن مستقبل الجنوب اللبناني سيظل مرهوناً بقدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها وإدارة توازناتها الداخلية والتعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية، بما يحفظ سيادتها ويحولُ دون انزلاق البلاد إلى دورة جديدة من عدم الاستقرار.
منطق الأمن الأنطولوجي
لا يمكن تفسير سلوك «حزب الله» منذ الثامن من أكتوبر 2023 استناداً إلى موازين القوى العسكرية وحدها، بل أيضاً إلى مفهوم «الأمن الأنطولوجي» الذي يفسر سلوك الفاعلين السياسيين انطلاقاً من حاجتهم إلى الحفاظ على هويتهم ودورهم وشرعيتهم، بقدر حرصهم على أمنهم المادي.
فقد وجد الحزب نفسه أمام معادلة معقدة؛ إذ إن الامتناع عن إسناد غزة كان سيضعف موقعه داخل محور المقاومة ويؤثر في شرعيته لدى بيئته الحاضنة، بينما كان الانخراط في حرب شاملة سيحمّل لبنان والحزب كلفة استراتيجية واقتصادية وبشرية باهظة في ظل أزمة داخلية وبيئة إقليمية ودولية لا تشجع على توسع الحرب. لذلك انتهج سياسة «الإسناد المحسوب»، ساعياً إلى التوفيق بين الحفاظ على دوره وهويته من جهة، وتجنب المواجهة الإقليمية المفتوحة من جهة أخرى. إلا أن إسرائيل والولايات المتحدة سعتا إلى استثمار هذا النمط من الاشتباك لإعادة صياغة البيئة الأمنية اللبنانية، بما يجعل العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة أكثر صعوبة.
وقد أظهرت الحرب تحولاً في المقاربة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، إذ لم تعد واشنطن تنظر إلى أزمات المنطقة باعتبارها نزاعات ينبغي تسويتها نهائياً، بل ملفات يجب احتواؤها وإدارتها بما يحافظ على التوازنات الإقليمية ويمنع خصومها من تحقيق مكاسب استراتيجية.
وخلال الحرب، وفرت الولايات المتحدة دعماً سياسياً وعسكرياً واستخبارياً واسعاً لإسرائيل، واستخدمت نفوذها الدبلوماسي للحيلولة دون صدور قرارات دولية ملزمة بوقف العمليات العسكرية، الأمر الذي أسهم في إطالة أمد الحرب وأضعف الثقة بقدرة النظام الدولي على تطبيق قواعد القانون الدولي بصورة متساوية.
وفي الوقت نفسه، واصلت واشنطن إدارة مسارات التفاوض الخاصة بغزة ولبنان وإيران باعتبارها ملفات مترابطة، هدفها احتواء الصراع ومنع توسعه إلى حرب إقليمية شاملة، أكثر من السعي إلى معالجة أسبابه البنيوية، لتصبح الوساطات والعقوبات والردع العسكري أدوات لإدارة الصراع لا لإنهائه.
الدفاع عن النفوذ
كشفت الحرب أن إيران دخلت مرحلة جديدة من إعادة التموضع الإقليمي. فبعد سنوات من استراتيجية «الدفاع المتقدم» عبر شبكة حلفائها في لبنان وسوريا والعراق واليمن وبعض الفصائل الفلسطينية، باتت تواجه بيئة أكثر تعقيداً دفعتها إلى الانتقال تدريجياً من سياسة توسيع النفوذ إلى سياسة الدفاع عن المكتسبات.
ولم يعد الهدف الإيراني توسيع دوائر التأثير بقدر ما أصبح الحفاظ على عناصر القوة الرئيسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي والقدرات الصاروخية وشبكة الحلفاء، باعتبارها أوراقاً تفاوضية واستراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية. ومن ثَمَّ، فإن تطورات غزة ولبنان لا يمكن فصلها عن مسار العلاقة الأمريكية – الإيرانية أو عن التنافس على إعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم.
إدارة الفوضى المنظمة
اقرأ أيضا: باحث سياسي: تنظيم الإخوان يعتمد على تزييف الوعي.. ويحول أتباعه لأدوات لتنفيذ أهدافه
تشير هذه التحولات إلى انتقال المنطقة من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً يمكن وصفها بـ«إدارة الفوضى المنظمة»، حيث لا تسعى القوى الكبرى إلى إنهاء النزاعات، وإنما إلى إبقائها ضمن مستويات يمكن التحكم فيها، عبر الهدن المؤقتة، والضربات المحدودة، والمناطق العازلة، والعقوبات، والمفاوضات غير المباشرة.
ورغم نجاح إسرائيل في تحقيق مكاسب عملياتية وتوسيع هامش حركتها العسكرية، فإنها لم تستطع تحويلها إلى حسم استراتيجي، إذ أخفقت في القضاء على حركة حماس أو إنهاء حزب الله أو فرض نظام سياسي جديد في غزة أو تحقيق أمن مستدام. وفي المقابل، نجحت المقاومة الفلسطينية وحلفاؤها في منع إسرائيل من تحقيق أهدافها كاملة، لكنها لم تتمكن أيضاً من فرض معادلة سياسية أو إقليمية جديدة، ليستقر المشهد عند معادلة تمنع الحسم الكامل لأي طرف وتؤسس لجولات متكررة من التصعيد والتهدئة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
في ضوء هذه المعطيات، يمكن استشراف أربعة سيناريوهات رئيسية خلال المرحلة المقبلة.
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، يتمثل في استمرار حالة «اللاحرب واللاسلم»، عبر جولات متكررة من التصعيد المحدود والهدن الهشة والمفاوضات غير المباشرة، مع بقاء مختلف الجبهات قابلة للاشتعال.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على نجاح الولايات المتحدة وشركائها في فرض ترتيبات أمنية تدريجية في غزة ولبنان تعزز دور المؤسسات الرسمية وتحد من نفوذ الفاعلين المسلحين، دون معالجة الأسباب السياسية والقانونية للصراع، بما ينتج استقراراً هشاً وقابلاً للانهيار.
ويتمثل السيناريو الثالث في انهيار منظومة الردع نتيجة سوء التقدير أو تعثر الوساطات، بما يفتح الباب أمام حرب إقليمية أوسع، وهو احتمال تظل كلفته الباهظة عامل ردع لجميع الأطراف، لكنه يبقى قائماً.
أما السيناريو الرابع، وهو الأقل احتمالاً، فيرتبط بقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.
خاتمة
تكشف حرب غزة وامتداداتها إلى جنوب لبنان أن المنطقة لم تشهد مجرد تغير في قواعد الاشتباك، بل دخلت مرحلة جديدة يعاد فيها تعريف مفاهيم الأمن والردع والسيادة وإدارة الصراعات. كما أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإنتاج شرعية سياسية أو استقرار دائم، وأن استمرار الإفلات من المساءلة يقوض النظام القانوني الدولي ويغذي دورات جديدة من العنف.
لقد أصبحت غزة وجنوب لبنان محورين رئيسيين في إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية واختبار قدرة القانون الدولي على حماية الشعوب الواقعة تحت الاحتلال والنزاعات المسلحة. وإذا كان المشروع الإسرائيلي يسعى إلى فرض هذه البيئة بالقوة، فإن التجربة تؤكد أن الأمن المستدام لا يتحقق بالاحتلال أو التدمير أو فرض الوقائع، وإنما باحترام القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال، وضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
وعليه، فإن السؤال الذي سيحكم مستقبل الشرق الأوسط لن يكون: من انتصر في غزة أو جنوب لبنان؟ بل: هل ينجح المجتمع الدولي في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء سلام عادل يقوم على سيادة القانون والمساءلة وإنهاء الاحتلال، أم تبقى المنطقة أسيرة نموذج «الفوضى المنظمة» بما يحمله من دورات متكررة للحرب والهدنة؟
**باحث وخبير في القانون والعلاقات الدولية – فلسطين.

اقرأ أيضا: موهبة استثنائية في سن الـ12 .. طفل يبهر السائحين بالحديث بـ15 لغة بطلاقة
