
تحولت صورة الحرب الاسرائيلية الأمريكية–الإيرانية من الهدف الظاهري وهو الملف النووي والصواريخ البالستية أو النفوذ الإقليمي إلى أخطر من ذلك في منظومة الاقتصاد العالمي وهي سلاسل امدادت الطاقة وأسعارها .
اقرأ أيضا: بطل المشروع القومي للموهبة بالقليوبية يحرز المركز السابع عالميا في المصارعة اليابانية بباكو
فمع تصاعد تهديدات استخدام القوة من كلا الطرفين علي مضيق هرمز ولهجه تصاعد المواجهة العسكريةً واستهداف ناقلات النفط ، وأصبح السؤال المطروح الان ليس فقط من يستطيع حماية الملاحة في المضيق، وإنما من يمتلك فعليًا قرار دخول السفن وخروجها منه.
وتشير التصريحات الترامبية الاخيره الي انتقال واشنطن إلى مستوى أكثر صرامة من الضغط على طهران. فإلى جانب القوة العسكرية والوجود البحري، توسعت الولايات المتحدة في استخدام الحرب الاقتصادية؛ إذ استهدفت العقوبات الأمريكية أكثر من ألف فرد وسفينة وطائرة، إضافة إلى شبكات «أسطول الظل» الإيراني والأصول المرتبطة بتمويل طهران، مع دراسة توسيع العقوبات الثانوية لتشمل مصافي ومؤسسات مالية تتعامل مع النفط الإيراني.
وهنا يظهر سيناريو أكثر خطورة ،أن تتحول حماية حرية الملاحة إلى سيطرة عسكرية أمريكية فعلية على الممر الملاحي في هرمز، بحيث تصبح واشنطن صاحبة اليد العليا في تحديد حركة السفن وتأمين عبور ناقلات دول الخليج، وفي الوقت نفسه تشديد الخناق على صادرات إيران.
لكن السيطرة العسكرية على المضيق بل واحتلاله إذا حدثت فلن يحل أزمة الطاقة بين ليله وضحها فهرمز كان يمر عبره في النصف الأول من ٢٠٢٥ نحو ٢٢ مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات البترولية، أي ما يعادل نحو ربع الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية. كما أن خطوط الأنابيب القائمة في السعودية والإمارات لا تستطيع تعويض كامل هذه الكميات؛ إذ تقدر القدرة المتاحة الرئيسية لتجاوز هرمز بنحو ٧ مليون برميل يوميًا فقط.
ومن ثم فإن أي مواجهة عسكرية واسعة للسيطرة على المضيق يمكن أن تحدث صدمة فورية في الأسواق ، وتليها ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، اضطراب إمدادات المصافي، ونقص بعض المنتجات البترولية والبتروكيماويات، وارتفاع تكاليف النقل والصناعة والغذاء، لتنتقل الأزمة من سوق النفط إلى موجة تضخم في الاقتصاد العالمي .
وقد يكون تصورا لسوء وهو ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات استثنائية إذا طال التعطيل، وإن كان تحديد رقم مسبق أمرًا غير واقعي؛ لأن السعر سيتوقف على مدة الأزمة، وحجم المخزونات الاستراتيجية المتبقيةً، والطاقة الإنتاجية الاحتياطية، وقدرة الدول المستهلكة على خفض الطلب وتوفير الإمدادات البديلة.
هنا يظهر التصور الذي نعرضه الي أهمية التفكير في مشروع بديل للحفاظ علي تدفق النفط الخليجي الي العالم ، حيث هناك تصور لانشاء ممر بري–بحري عربي للنفط يتجاوز مضيق هرمز ويربط الخليج مباشرة بالبحر المتوسط عبر السعودية ومصر.
يقوم التصور على إنشاء شبكة تجميع للخام القادم من السعودية والكويت والبحرين وقطر وربطها بمركز تجميع استراتيجي داخل الأراضي السعودية. والأدق هندسيًا ألا يُحسم موقع المركز قرب الرياض مسبقًا، وإنما تحدده دراسة متكاملة لمسارات الخطوط والتضاريس ومواقع الحقول والمنشآت القائمة والتكلفة.
ومن مركز التجميع تتحرك مجموعة من خطوط الأنابيب عالية السعة شمالًا وغربًا عبر الأراضي السعودية باتجاه خليج العقبة، وصولًا إلى أقرب نقطة عبور فنية واقتصادية باتجاه سيناء.
ويصبح عبور خليج العقبة الجزء الأكثر حساسية في المشروع. ولذلك يجب دراسة بدائل النفق المخصص لخطوط الطاقة أو خطوط الأنابيب البحرية إضافة إلى دراسة أي منشأ علوي فقط إذا سمحت الاعتبارات الملاحية والبيئية والسيادية بذلك.
بعد الوصول إلى سيناء، تمتد الشبكة عبر الأراضي المصرية باتجاه ساحل البحر المتوسط، حيث يمكن إنشاء مراكز تخزين ومحطات ضخ ومع دراسة إمكانية الربط بالبنية التحتية البترولية المصرية القائمة.
وهذه ليست نقطة بداية من الصفر. فمصر تمتلك بالفعل منظومة استراتيجية تتمثل في قناة السويس وخط SUMED الذي يربط البحر الأحمر بالمتوسط، وتقدر طاقته بنحو ٣ مليون برميل.
اقرأ أيضا: إسرائيل تفجّر موقعا ببلدة لبنانية وتقصف الجنوب بقنابل حارقة – الأسبوع
بعد وصول النفط الخليجي إلى الساحل المصري على المتوسط، تستطيع الناقلات التحرك غربًا عبر المتوسط ثم مضيق جبل طارق إلى المحيط الأطلسي ومنها إلى الولايات المتحدة. وهنا يجب تصحيح نقطة مهمة في تصور المسار المقترح وهو ان الناقلة المتجهة من مصر إلى الساحل الأمريكي لا تحتاج إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح؛ فهذا سيضيف آلاف الأميال بلا ضرورة. الطريق الطبيعي هو المتوسط–جبل طارق–الأطلسي–الولايات المتحدة.
أما رأس الرجاء الصالح فيصبح مسارًا بديلًا للناقلات المتجهة بين المحيط الهندي والأسواق الأخرى عندما تتعطل مسارات البحر الأحمر وقناة السويس.
وفي حاله قيام امريكا باحتلال مسارات مضيق هرمز ستكون الأيام والأسابيع الأولى هي الأخطر لان الأسواق لا تنتظر اكتمال خطوط الأنابيب الجديدة، ولذلك قد نشهد نقصًا في الإمدادات، وقفزات في أسعار الخام والمنتجات، وارتفاعًا في أسعار الشحن والتأمين،
أما على المدى المتوسط والطويل، فسيدفع ذلك دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا والدول الآسيوية المستوردة إلى إعادة النظر جذريًا في مفهوم أمن الطاقة ولن يصبح السؤال من يمتلك النفط؟ بل من يستطيع تامّين تدفقه إلى الأسواق إذا أُغلق المضيق او نفذت ايران أعمال إنتحارية لغلق المضيق ميكانيكا اما بإغراق سفن او استهداف بالستي .
ومن هنا فإن المشروع العربي المقترح عبر السعودية ومصر يمكن أن يتحول من فكرة هندسية إلى مشروع أمن قومي وإقليمي ودولي.
فالهدف ليس استبدال هرمز بالكامل، وإنما إنشاء قدرة تصديرية استراتيجية مستقلة عنه، بحيث لا يستطيع طرف واحد مستقبلاً تحويل أهم شريان للطاقة العالمية إلى أداة ضغط سياسي أو عسكري.
وإذا أرادت مصر الاستفادة من التحولات الحالية، فعليها أن تبدأ مبكرًا في طرح دراسة دولية متكاملة لممر الخليج–السعودية–خليج العقبة–سيناء–البحر المتوسط، تشمل السعات المطلوبة، ومسارات الأنابيب، وبدائل عبور خليج العقبة، والتخزين والموانئ والتكلفة والتمويل والحماية الأمنية.
فالأزمة الحالية قد تنتهي باتفاق سياسي، لكن الخطر الذي كشفته لن ينتهي: اعتماد جزء ضخم من تجارة الطاقة العالمية على ممر بحري ضيق. ومن هنا يمكن أن تصبح مصر جزءًا أساسيًا من الإجابة عن أحد أهم أسئلة أمن الطاقة في العقود القادمة.
اقرأ أيضا: 16 سبتمبر.. أولى جلسات معارضة المنتج عوض ماهر في قضية شيك لصالح مدحت تيخا
