دراسة تكشف قدرة ChatGPT على توقع الاستجابات النفسية…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أظهرت دراسة جديدة طريقة مبتكرة لاستخدام ChatGPT، وتحديداً نموذج
GPT-4، في إنشاء استبيانات لتقييم الشخصية والتحقق من صلاحيتها والتنبؤ
باستجابات مجموعات سكانية كاملة لها، انطلاقاً من أي نص مصدر تقريباً.

اقرأ أيضا: ربع قرن على العدالة والتنمية في تركيا.. ذروة القوة الظاهرة

اضافة اعلان

واختبر الباحثون هذه الطريقة من خلال إنشاء استبيانين اعتماداً على نصين متناقضين تماماً من حيث الأساس العلمي: الأول مأخوذ من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM-5 المستخدم في الطب النفسي، والثاني من كتاب غير علمي عن التنجيم والأبراج.

وأظهرت النتائج أن الاستبيانات التي أنشأها نموذج اللغة الكبير استطاعت استخراج إشارات نفسية ذات معنى من كلا النصين. كما أظهر الاستبيان المستند إلى DSM-5 درجة مرتفعة من الاتساق الداخلي، واقتربت نتائجه من استبيان العوامل الخمسة الكبرى للشخصية BFI، الذي يعد من أكثر اختبارات الشخصية اعتماداً وتحققاً.

والأكثر إثارة للاهتمام أن GPT-4 تمكن من التنبؤ بالطريقة التي سيجيب بها المشاركون البشر على أسئلة الاستبيانات، كما توقع أنماط الترابط بين الأسئلة قبل أن تُعرض الاستبيانات فعلياً على المشاركين.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن نماذج اللغة الكبيرة ربما طورت، من خلال تدريبها على كميات هائلة من النصوص البشرية، نماذج داخلية متقدمة لطريقة عمل علم النفس البشري على مستوى السكان، ما قد يفتح الباب أمام استخدامها في تطوير الاختبارات النفسية بسرعة أكبر وتقييم الاستبيانات بصورة آلية.

ماذا كشفت الدراسة؟

أحد أبرز الاستنتاجات هو أن GPT-4 أظهر فهماً ضمنياً لبنية الشخصية البشرية، رغم أنه لم يُدرّب خصيصاً على نظريات الشخصية أو علم النفس.

ويرى الباحثون أن السبب يعود إلى أن سمات الشخصية تنعكس بصورة مستمرة في اللغة اليومية، وبالتالي فإن تدريب نماذج اللغة على تريليونات الكلمات والنصوص المنشورة على الإنترنت قد يسمح لها بالتقاط العلاقات والأنماط النفسية الموجودة في اللغة بصورة غير مباشرة.

كما كشف الاختبار عن فرق واضح بين الاستبيان المستند إلى DSM-5 والاستبيان المستند إلى التنجيم.

فالاستبيان المبني على DSM-5 أظهر اتساقاً داخلياً مرتفعاً بين السمات النفسية المرتبطة ببعضها في الواقع، بينما أظهر استبيان الأبراج ضعفاً في الاتساق بين السمات التي تربطها كتب التنجيم بعلامات الأبراج المختلفة.

ومع ذلك، لم يكن استبيان التنجيم عديم الفائدة تماماً. فرغم أن توزيع السمات على الأبراج لا يستند إلى أساس علمي، استطاع ChatGPT استخراج عبارات تتعلق فعلياً بالشخصية، وكانت إجابات المشاركين عنها قادرة على التنبؤ بنتائج حياتية ونفسية مثل الاكتئاب والقلق والرفاه النفسي، بمستويات قريبة من استبيان العوامل الخمسة الكبرى.

كيف أُجريت الدراسة؟

نشرت الدراسة في 6 أغسطس في مجلة iScience التابعة لمجموعة Cell Press، وشرح الباحثون فيها كيفية تطوير طريقة تسمح بإنشاء استبيانات للشخصية باستخدام ChatGPT اعتماداً على أي نص مصدر.

ولاختبار الطريقة، استخدم الفريق مقتطفات من DSM-5، الذي يعتمد عليه الأطباء والمتخصصون في تشخيص الاضطرابات النفسية.

وانطلق الباحثون من افتراض أن سمات الشخصية يمكن النظر إليها باعتبارها موجودة على امتداد طيف يتصل باضطرابات الشخصية.

وطلبوا من GPT-4 إنشاء استبيان يحتوي على عبارات تصف سمات الشخصية استناداً إلى أوصاف اضطرابات الشخصية الواردة في DSM-5.

فعلى سبيل المثال، اعتماداً على القسم الخاص بـاضطراب الشخصية الزورانية أو البارانوية، أنشأ النموذج عبارات مثل:
«غالباً ما يشك في دوافع الآخرين».

وأخرى مثل:«يجد من السهل الوثوق بالناس».
وطُلب من المشاركين تحديد درجة اتفاقهم مع كل عبارة على مقياس يمتد من 1، أي لا أوافق بشدة، إلى 5، أي أوافق بشدة.
أما الاستبيان الثاني، فأنشأ GPT-4 عباراته بالطريقة نفسها، لكنه اعتمد هذه المرة على السمات الشخصية التي ينسبها كتاب التنجيم إلى علامات الأبراج المختلفة.

لماذا اختار الباحثون التنجيم؟

قال المؤلف الرئيسي للدراسة روتم مونسا من الجامعة العبرية في القدس إن الفريق أراد اختيار نصين يقدمان وصفاً غنياً للشخصية البشرية، لكنهما يقعان على طرفي نقيض من حيث الأساس العلمي.

وأوضح أن DSM-5 جرى تطويره وتحسينه على مدى عقود من الأبحاث السريرية، ويعد الدليل التشخيصي القياسي في الطب النفسي السريري حول العالم.

أما نص التنجيم، فهو قائم بدرجة كبيرة على الثقافة والمعتقدات، لكنه غير مثبت علمياً.
وبذلك استطاع الباحثون اختبار ما إذا كان النموذج يستخرج البنية النفسية الفعلية الموجودة في النص، أم أنه سيعيد ببساطة إنتاج العلاقات التي يفرضها المصدر.

600 مشارك واختبار مقابل «العوامل الخمسة الكبرى»

بعد إنشاء الاستبيانين باستخدام نموذج اللغة الكبير، قدمهما الباحثون إلى 600 مشارك.
وفي الوقت نفسه، أكمل هؤلاء المشاركون استبيان العوامل الخمسة الكبرى للشخصية BFI، بهدف مقارنة نتائج الاستبيانات الجديدة بأحد أكثر مقاييس الشخصية اعتماداً واستخداماً.

وأظهرت نتائج الاستبيان المستند إلى DSM-5 درجة عالية من الاتساق الداخلي داخل مجموعات السمات الشخصية.

والمقصود بالاتساق الداخلي أن السمات التي ترتبط عادة ببعضها في الحياة الواقعية ظهرت مرتبطة أيضاً في إجابات المشاركين.
فعلى سبيل المثال، السمات المرتبطة بـالتجنب والاعتمادية أظهرت ترابطاً في الإجابات بالطريقة المتوقعة نفسياً.

والأهم أن هذه النتائج جاءت مشابهة للأنماط التي ظهرت في استبيان العوامل الخمسة الكبرى، وهو ما قدم دليلاً إضافياً على قدرة الاستبيان الذي أنشأه GPT-4 على قياس أنماط حقيقية في علم النفس البشري.

ماذا حدث مع استبيان الأبراج؟

كما توقع الباحثون، أظهر الاستبيان المستند إلى التنجيم اتساقاً داخلياً ضعيفاً بين السمات.

وقال مونسا إن البيانات تشير إلى أن العناصر الفلكية لا تمثل أبعاداً نفسية متماسكة.

فعلى سبيل المثال، الصفات التي يضعها التنجيم معاً تحت ما يسمى «الأبراج النارية» لا تظهر في الواقع مجتمعة بالطريقة نفسها لدى السكان.

وهذا يعني أن GPT-4 لم يجعل التنجيم صحيحاً نفسياً، بل أظهرت النتائج أن التقسيمات الفلكية نفسها لا تتطابق مع البنية الحقيقية للشخصية البشرية.

ومع ذلك.. استبيان الأبراج تنبأ بالاكتئاب والقلق

كانت المفاجأة أن ضعف الأساس العلمي للتنجيم لم يمنع الاستبيان من التقاط بعض المعلومات النفسية المفيدة.

فقد استطاع كلا الاستبيانين استخدام إجابات المشاركين للتنبؤ بنتائج حياتية ونفسية، من بينها الاكتئاب والقلق والرفاه النفسي، وبمستويات مماثلة تقريباً لاستبيان العوامل الخمسة الكبرى.

ويفسر الباحثون ذلك بأن الطريقة التي تُجمع بها السمات داخل الأبراج قد تكون غير علمية، لكن العبارات الفردية التي أنشأها ChatGPT من النص لا تزال تتضمن لغة مرتبطة فعلياً بالشخصية.

وبالتالي، فعندما يجيب الأشخاص عن هذه العبارات، يمكن لإجاباتهم أن تكشف معلومات نفسية ذات معنى حتى لو كان النص الأصلي الذي اشتقت منه غير علمي.

ChatGPT توقع إجابات المشاركين قبل مشاركتهم

كان أبرز نتائج الدراسة قدرة ChatGPT على التنبؤ باستجابات البشر قبل جمع أي بيانات منهم.

ففي كلا الاستبيانين، استطاع النموذج تقدير متوسط إجابات المشاركين وكذلك التنبؤ بدرجة الترابط المتوقعة بين الأسئلة المختلفة، ثم جاءت النتائج الفعلية للمشاركين قريبة بدرجة كبيرة من هذه التوقعات.

وقال مونسا إن قدرة نماذج اللغة الكبيرة على التنبؤ بأنماط الاستجابة البشرية قبل الاطلاع على أي بيانات بشرية جديدة تشير إلى أن هذه النماذج التقطت شيئاً عاماً وذا معنى عن علم النفس البشري.

وأضاف أن النتائج تظهر أن نماذج اللغة ليست مجرد أدوات جيدة لإنشاء المحتوى، بل يمكنها أيضاً أن تعمل باعتبارها مقيّماً مطلعاً على طبيعة المحتوى الذي تنتجه.

اقرأ أيضا: الهلال يجهز لخلافة بنزيما.. اتفاق مع واتكينز وشرط الفرنسي يعطل الصفقة

كيف تعلم ChatGPT الشخصية من دون دراسة علم النفس؟

تعتمد نماذج اللغة الكبيرة المتاحة للعامة على تدريبها باستخدام كميات ضخمة من اللغة البشرية، تشمل نصوصاً من المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي ومصادر أخرى.

وبحسب الباحثين، قد تكون الشخصية البشرية متضمنة بصورة غير مباشرة داخل هذا الكم الهائل من اللغة.

وقال مونسا إن سمات الشخصية تنعكس في الطريقة التي يتحدث بها الناس ويكتبون بها، ولذلك ربما تعلمت النماذج بنية الشخصية البشرية بوصفها نتيجة طبيعية لعملية التدريب.

وأضاف أنه حتى لو لم يتم تعليم النموذج نظريات علم النفس أو نظريات الشخصية بصورة مباشرة، فإن هذه الأنماط موجودة بالفعل داخل اللغة التي يتعلم منها.

ما أهمية ذلك للأبحاث النفسية؟

يمكن لهذه القدرة أن تغير الطريقة التي يُطور بها الباحثون الاختبارات والاستبيانات النفسية.
فعادة ما يتطلب تطوير مقياس نفسي جديد وقتاً طويلاً لإنشاء الأسئلة واختبارها على مجموعات بشرية كبيرة، ثم تحليل النتائج والتحقق من أن الأسئلة تقيس ما يفترض أن تقيسه فعلاً.

أما إذا تمكن نموذج لغوي من إنشاء الاستبيان والتنبؤ مسبقاً بمتوسط إجابات السكان والعلاقات بين الأسئلة، فقد يستطيع الباحثون استخدامه لاختبار الاستبيانات وتنقيحها قبل الانتقال إلى التجارب البشرية المكلفة والمستهلكة للوقت.

وهذا يضع نماذج اللغة في دور يتجاوز إنشاء أسئلة الاستبيان إلى التقييم الآلي والسريع للأدوات النفسية والسريرية.

حدود ثقافية ولغوية مهمة

حذر الباحثون مع ذلك من تعميم النتائج على جميع الثقافات واللغات.
فالقدرة الحالية للنماذج على التنبؤ بالسلوك والاستجابات النفسية ترتبط إلى حد كبير بالبيانات التي دُربت عليها، والتي تميل إلى أن تكون باللغة الإنجليزية ومن ثقافات غربية.

وقال مونسا إن الباحثين يتوقعون أن تكون النتائج أضعف عند تكرار التجربة بلغات وثقافات أخرى، لأن نماذج اللغة تدربت بدرجة أكبر على النصوص الإنجليزية وفي السياقات الغربية.

وأشار إلى أن عدداً من أعضاء المختبر يعملون بالفعل على اختبار هذه الطريقة باستخدام نماذج لغوية بلغات وثقافات مختلفة.

هل يمكن لـChatGPT بناء اختبار شخصية من أي نص؟

تشير نتائج الدراسة إلى إمكانية استخدام نماذج اللغة الكبيرة في إنشاء استبيانات للشخصية بسرعة انطلاقاً من مصادر نصية متنوعة، ثم اختبار مدى صلاحيتها للاستخدام النفسي أو السريري.

لكن النتائج لا تعني أن أي نص يتحول تلقائياً إلى اختبار نفسي علمي.

فالمقارنة بين DSM-5 وكتاب التنجيم أظهرت أن النموذج يستطيع الحفاظ على البنية النفسية الموجودة في المصدر: عندما كانت العلاقات بين السمات مدعومة علمياً ظهرت في نتائج المشاركين، وعندما كانت التجميعات غير علمية، كما في الأبراج، لم تظهر باعتبارها أبعاداً نفسية متماسكة.

لماذا فشل استبيان الأبراج في الاتساق لكنه نجح في التنبؤ بالرفاه؟

يعود ذلك إلى الفرق بين طريقة تجميع السمات وبين السمات الفردية نفسها.
فالصفات الموضوعة تحت علامة برج معينة لا تظهر بالضرورة مجتمعة لدى الأشخاص في الواقع، ولذلك فشل الاستبيان في إظهار اتساق داخلي قوي.

لكن كل سؤال على حدة ظل يتضمن لغة تصف جوانب حقيقية من الشخصية، وبالتالي احتفظت إجابات الأشخاص عن هذه الأسئلة بإشارات نفسية يمكن ربطها بالقلق والاكتئاب والرفاه النفسي.

ماذا يعني التنبؤ بإجابات الناس قبل سؤالهم؟

تتمثل الأهمية السريرية والبحثية الرئيسية لهذه النتيجة في أن نموذج اللغة يستطيع نظرياً تقييم اختبار نفسي قبل إجراء التجربة البشرية الفعلية.

فإذا كان قادراً على توقع متوسط الاستجابات والعلاقات بين الأسئلة على مستوى السكان، فقد يستخدمه الباحثون لتحديد الأسئلة الضعيفة أو المكررة أو غير المتماسكة، وتنقيح الاستبيان قبل اختباره على مئات أو آلاف الأشخاص.

ويرى الباحثون أن الجمع بين المعرفة السريرية والنفسية وبين أدوات الذكاء الاصطناعي قد يمثل مرحلة جديدة في تطوير علم النفس السريري والتجريبي، وقد يؤثر بصورة كبيرة في كيفية تصميم الاختبارات النفسية وتقييمها مستقبلاً.

اقرأ أيضا: مختصة لـ”اليوم”: العودة للمدارس فرصة لإعادة ضبط حياة الأطفال والحد من السمنة

‫0 تعليق