
“القوة الناعمة” من مقاعد الدراسة إلى الابتكار
اقرأ أيضا: اعلان مهم لكافة الصيادين في الأردن…
ألقاب عالمية للناشئة الجزائرية في مجال الروبوتيك
البرمجة والتفكير الخوارزمي مواد أساسية بالطور الابتدائي
حاضنات مدرسية لرعاية ابتكارات الأطفال
إلزامية تعليم الأطفال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
تكوين جيل بمهارات البحث والاستكشاف
بعقول صغيرة وطموحات لا تعرف الحدود… بأفكار تتجاوز أعمارهم، يقتحم أطفال جزائريون عالم الابتكار من بوابة الروبوتيك والذكاء الاصطناعي، محولين فضولهم الطفولي إلى مشاريع واختراعات واعدة تنافس الكبار.
وبين المختبرات الذكية ومساحات التجريب، تتشكل ملامح جيل جديد بعقول قادرة على المنافسة عالميّا بعد سنوات من الآن، بعيدا عن السبورة والطبشور، حيث يستعد لحجز مكانه في سباق التكنولوجيا العالمية، قد يحمل مستقبلا اسم الجزائر إلى منصات “الميتافريس” الدولية.
وتماشيًا مع التزامات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، تجسيدا للأهداف الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي في أفق “جزائر رقمية 2030″… تخطو الجزائر نحو رهان وطني إلى ترسيخ التكنولوجيا الحديثة داخل المدرسة، من خلال تسريع مسار الرقمنة وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، باعتباره نقطة انطلاق لمواكبة التطورات التكنولوجية وتوفير البيئة الرقمية لجناح هذا المشروع.
وعليه، فإن المدرسة الجزائرية تعيش اليوم على وقع تحول رقمي غير مسبوق. لم يعد القسم مجرد سبورة وطبشور، بل تحول إلى منصة تفاعلية ترسم ملامح جيل جديد.
إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد “موضة تكنولوجية”، بل هو المحرك الأساسي الذي ينقل تلاميذنا من مرحلة “التلقين الحفظي” إلى مرحلة “الابتكار الرقمي”، ليتحول “المبتكرون الصغار” من متلقين للتكنولوجيا إلى صناع لها في قلب التحول الاقتصادي الجزائري.
روبوتات واختراعات بأنامل صغيرة وطموحات عالمية
تجارب ملهمة لأطفال وعائلات آمنوا بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من تنمية عقول صغارهم، فرسموا نماذج ناجحة في الابتكار، وحصدوا جوائز دولية، وقدموا اختراعات تخدم الإنسان والمجتمع… هذا ما وقفت عليه “الشروق” خلال جولة قادتها إلى إحدى المدارس الخاصة بالذكاء الاصطناعي في ولاية المدية، والتي فتحت أبوابها لتدريب وتكوين الأطفال والمراهقين في مجال الابتكارات و”الربوتيك”.
وبينما نحن نجول بالمدرسة، ينهمك أطفال لم تتجاوز أعمار بعضهم الخمس سنوات في تركيب روبوتات صغيرة تحت إشراف مؤطرين مختصين، وآخرون يختبرون نماذج ذكية صمموها بأيديهم، في تجربة جميلة فتحت الباب نحو إعداد جيل متمكن من تكنولوجيات المستقبل.
تقود هذا المشروع العائلي السيدة كريمة بوجواج، وهي أستاذة في قطاع التكوين المهني فتحت أبواب مشروعها الذي تشرف عليه رفقة زوجها وابنها منذ أربع سنوات، حيث أكدت في حديثها إلينا أن الهدف الأساسي من إنشاء هذه المدرسة يتمثل في غرس ثقافة الابتكار لدى الأطفال منذ سن مبكرة، وتعليمهم أساسيات الذكاء الاصطناعي والروبوتيك وتقنيات البحث العلمي…
وفي هذا الصدد، كشفت محدثتنا أن المدرسة تستقبل أطفالا ابتداء من سن الخامسة، حيث يتدرجون في برامج تعليمية تجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي، بما يسمح لهم بتحويل أفكارهم إلى مشاريع واختراعات تصبح قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
أطفال “مبتكرون” يتألقون ويحصدون الألقاب
وأشارت بوجواج إلى أن هذا المسار أثمر نتائج مشرفة، بعد ما تمكن طلبة المدرسة من حصد جوائز دولية منذ سنة 2020، ومن بين تلك الإنجازات، كان تحقيق الفوز بالمرتبة الثالثة عالميا في مسابقة “للروبوت” أقيمت بروسيا، إضافة إلى التتويج بالميدالية “الماسية” في مجال الابتكار بكوريا الجنوبية، فضلا عن إحراز المرتبة الثانية في المسابقة نفسها بفضل اختراع قدمه طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، مؤكدة أن هذه النجاحات جاءت ثمرة سنوات من العمل المتواصل والاجتهاد والدعم العائلي.
وخلال جولتنا بين الورشات، لفت الانتباه تنوع المشاريع التي يشتغل عليها المتربصون، إذ شملت الروبوتات وابتكارات وحلول ذكية لتسهيل الحياة اليومية والأعمال المنزلية لربات البيوت.
وأوضحت بوجواج أن المدرسة تشجع الأطفال على تصميم روبوتات تساعد في تنظيف الأرضيات، وتطوير تطبيقات ذكية لمراقبة أوقات الطهي بالمنزل، وكذا آلات غسيل يمكن التحكم فيها وبرمجتها عن بعد، إلى جانب مشاريع موجهة لخدمة قطاعي الزراعة وتربية الدواجن، وترى أن هذه الابتكارات من شأنها تخفيف الأعباء اليومية عن المرأة، ومنحها وقتا أكبر للاهتمام بأسرتها وتربية أبنائها.
وفي إحدى زوايا المدرسة، تعرفنا على “منصف فرحات”، البالغ من العمر 14 سنة، الذي كان يستعرض نموذج روبوت ابتكره بنفسه… يروي منصف أن رحلته مع الروبوتيك بدأت وهو في العاشرة من عمره، بعد ما وجد في هذا المجال فرصة لتنمية مهاراته الفكرية والإبداعية، ويؤكد أن شغفه بالتكنولوجيا دفعه إلى المشاركة في مسابقات وطنية ودولية، ليتوج هذا المسار بالحصول على المركز الثاني في بطولة عالمية بكوريا الجنوبية، عقب تأهله من منافسة وطنية احتضنتها ولاية سطيف.
“منصف” هو خريج مدرسة عائلة “بوجواج”، قرر منذ نعومة أظافره أن يشق طريقه في عالم التكنولوجيا والابتكار، أحد أبرز اختراعاته كان روبوت للتنظيف عندما كان عمره 12 عاما فقط، يشرح لنا بابتسامة فخر، عن طريقة تصميمه لروبوت قائلا أنه يحتوي على ثلاث تقنيات، بحيث يعمل على رفع الأوساخ وكنس الغبار ثم تنظيف الأرضيات، وأردف محدثنا أن مثل هذه الاختراعات بإمكانها أن تسهل الأعمال المنزلية وتختصر الكثير من الجهد..
تحدث إلينا منصف بخجل شديد عن طموحاته مستقبلا قائلا: “هوايتي وانشغالي بالاختراع العلمي لم يمنعني من التفوق الدراسي، ذلك لأنه أضحى بمثابة حافز لي، لأواصل طريقي نحو تحقيق حلمي الأكبر في أن أصبح مهندس رياضيات، كما أنني لا أزال أحمل في جعبتي الكثير من الأفكار والابتكارات التي أتطلع لتقديمها في المستقبل”.
إياد عبد المؤمن… بداية مبكرة
يواصل الطالب إياد عبد المؤمن مشقق، البالغ من العمر 17 سنة، بناء مسار علمي طويل بعد انطلاقة موفقة عبر بوابة البحث في الذكاء الاصطناعي والتعلم الذاتي منذ نعومة أظافره، من خلال تطوير مشاريع تطبيقية في التشخيص الطبي وتحليل الصور الطبية والاكتشافات، إلى جانب مشاركاته العلمية داخل الجزائر وخارجها.
لم يكن دخول إياد إلى عالم الذكاء الاصطناعي نتيجة دراسة أكاديمية تقليدية، بل بدأ رحلته في سن العاشرة من خلال التعلم الذاتي، معتمدا على المصادر التعليمية المفتوحة عبر الإنترنت، وهو ما سمح له باكتساب أساسيات البرمجة بلغة “Python” قبل التعمق في تعلم الآلة والتعلم العميق، خاصة خلال فترة جائحة كوفيد-19…
هذا ما شرحه أياد في حديثه لـ”الشروق” حول نبوغه العلمي واهتماماته بعالم الابتكار والبحث، قائلا أنه خاض تجربة مختلفة في مجال الكتابة الإبداعية، حيث توج في مسابقة “أقلام بلادي” الوطنية باللغة الفرنسية، وهي تجربة يعتبرها محطة مهمة ساهمت في تطوير مهاراته في البحث وصياغة الأفكار، والتي انعكست لاحقا على أسلوبه في إعداد المشاريع والأبحاث العلمية.
وحرص إياد على تطوير معارفه في الذكاء الاصطناعي من خلال عدد من الشهادات التخصصية،عبر منصة Coursera، إضافة إلى شهادة في الجبر الخطي الهندسي من جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا.
كما أتقن محدثنا استخدام عدد من أشهر الأطر البرمجية في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب أدوات تطوير التطبيقات وتحليل البيانات.
ولم يقتصر نشاطه على التعلم، بل شارك في تقديم محاضرات وورشات تدريبية لفائدة الطلبة والمهتمين، تناولت أساسيات تعلم الآلة وتطبيقاته في المجال الطبي، إيمانا بأهمية نشر المعرفة وتشجيع ثقافة التعلم الذاتي.
مشاريع بحثية في خدمة القطاع الصحي
وركز إياد في معظم أعماله البحثية على تطوير حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمعالجة تحديات واقعية في الطب، ومن أبرز هذه المشاريع AI.ChestXray، الذي يوظف نموذج BLIP لإنتاج مسودة تقرير طبي انطلاقا من صور الأشعة السينية للصدر، بما يساعد اختصاصيي الأشعة في إعداد التقارير الأولية.
كما طور مشروعا يعتمد على شبكة U-Net لتجزئة الميتوكوندريا في الصور المجهرية، بهدف استخدامها كمؤشر بديل في أبحاث الإجهاد التأكسدي، وهو البرنامج الذي قدمه خلال الملتقى الوطني حول الإجهاد التأكسدي.
وفي مجال اكتشاف الأدوية، أنجز نموذجا يجمع بين الشبكات العصبية البيانية “Neural Networks” وتقنيات “Transformer” للتنبؤ بألفة ارتباط الجزيئات الدوائية بالبروتينات المستهدفة، في محاولة للإسهام في تسريع المراحل الأولى من تطوير الأدوية.
وامتدت اهتماماته حسب ما يرويه لنا إياد، إلى تطوير نماذج للذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، من بينها تحليل صور الشبكية، وتشخيص أمراض العيون، وتجزئة القلب والأورام الدماغية، وتحليل إشارات تخطيط القلب الكهربائي، والكشف عن سرطان الثدي وحصى الكلى، إضافة إلى مشروع لتصنيف اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه اعتمادا على إشارات الدماغ.
“رصد بكاء الرضع”… أبرز الابتكارات الإنسانية
ومن المشاريع ذات البعد الإنساني، مشروع “SOSBaby”، الذي يعتمد على نموذج LSTM مرتبط بمتحكم ESP32 لرصد بكاء الرضع في الزمن الحقيقي وإرسال تنبيهات إلى الآباء والأمهات من ذوي الإعاقة السمعية، بما يسمح لهم بالتدخل بسرعة عند الحاجة.
ولم تتوقف اهتماماته عند التطبيقات الطبية، إذ عمل كذلك على تطوير مشاريع في مجالات القيادة الذاتية، والتعلم المعزز، والرؤية الحاسوبية، والزراعة الذكية، والسلامة الصناعية، وكشف الحفر في الطرقات، فضلا عن تصميم لوحات تحليل بيانات تفاعلية.
… ومشروع للكشف عن نعاس السائق لتقليل مجازر الطرقات
إلى جانب نشاطه البحثي، يولي إياد اهتماما خاصا بتكوين الناشئين في مجالات البرمجة والذكاء الاصطناعي، حيث يشرف حاليا على تكوين التلميذ محمد أيوب بأولاد يعيش في ولاية البليدة ويعتبر هذا الأخير شقيقه الأصغر، حيث رافقه في تعلم أساسيات البرمجة والإلكترونيات، قبل مساعدته على تطوير مشروع للكشف عن نعاس السائق باستخدام الذكاء الاصطناعي، وذلك لأجل التقليل من مجازر الطرقات التي تحصد يوميا عديد الأرواح.
وتمكن المشروع من الوصول إلى المرحلة النهائية للجائزة الوطنية للابتكار، وعرض أمام عدد من أعضاء الحكومة، في تجربة يعتبرها إياد دليلا على أهمية الاستثمار في قدرات الشباب منذ سن مبكرة.
يؤكد إياد أن ما حققه حتى اليوم رغم صغر سنه يمثل بداية فقط، مشيرا إلى أنه يواصل تطوير مشاريع جديدة في تحليل الصور الطبية، واكتشاف الأدوية، والرؤية الحاسوبية.
ويختصر ذلك قائلا: “أؤمن بأن الاستثمار الحقيقي لا يكون في التقنيات وحدها، بل في الإنسان القادر على توظيفها لخدمة مجتمعه، فالذكاء الاصطناعي أداة، أما قيمته الحقيقية فتتجلى عندما يساعد على تحسين حياة الناس، ويدعم البحث العلمي، ويمنح الأطباء وسائل إضافية لاتخاذ قرارات أكثر دقة”.
اقرأ أيضا: خسائر جماعية للأسهم الأوروبية مع ختام تعاملات اليوم
الدكتور علي كحلان مختص في الذكاء الاصطناعي:
أطفال الجزائر سيقودون الاقتصاد الرقمي مستقبلا
وفي الموضوع، يؤكد الدكتور علي كحلان، عالم حاسوب ومستشار في إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، أن الجزائر تتوجه نحو جعل المعرفة والابتكار أساس مشروعها الوطني، وشدد على أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أعمدة التنمية التي تراهن عليها الدولة إلى جانب البنية التحتية الرقمية ورأس المال البشري.
وأوضح كحلان أن التحول الرقمي الحقيقي يبدأ من المدرسة، حيث يتيح الذكاء الاصطناعي طريقة تعليم تتكيف مع احتياجات كل تلميذ وفق قدراته وإمكاناته، وأضاف أن التلميذ المتفوق يستطيع التقدم بوتيرة تناسب مستواه، بينما يحظى التلميذ الذي يواجه صعوبات بمرافقة تعليمية أكثر دقة، وهو ما يضمن تقليص الفوارق وتحسين فرص النجاح للجميع.
وأشار المتحدث إلى أن المدرسة الجزائرية تتجه اليوم نحو تكوين جيل يمتلك مهارات التفكير النقدي والبحث والاستكشاف، بدل الاكتفاء بالحفظ والاستظهار،
ولفت في هذا الصدد إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي تساعد على تنمية روح المبادرة والابتكار، وتحول التلميذ من متلق للمعلومة إلى مشارك في إنتاجها وتحليلها وتطويرها.
وفي حديثه لـ”الشروق”، أكد كحلان أن أبناء الجزائر يمثلون القوة الحقيقية التي ستقود الاقتصاد الرقمي مستقبلا، وأضاف أن الجزائر بادرت بإطلاق إستراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، وإنشاء المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي، بهدف تطوير حلول وطنية ونماذج لغوية جزائرية تعزز الاستقلالية الرقمية وتدعم السيادة التكنولوجية، يساهم فيه هؤلاء الصغار من خلال اختراعاتهم واجتهادهم طيلة مسارهم الدراسي في مجال الابتكارات والربوتيك.
وشدد عالم الحاسوب على أن إدماج الذكاء الاصطناعي في المؤسسات التربوية لا يعني الاستغناء عن المعلم، لما يمنحه له من أدوات أكثر كفاءة لإنجاز رسالته، فالذكاء الاصطناعي، بحسب تصريحه، يمكن أن يخفف الأعباء الإدارية، ويساعد في تحليل نتائج التلاميذ، واكتشاف حالات التعثر الدراسي مبكرا، واقتراح مسارات دعم فردية، مع توفير بيئات تعليمية تفاعلية تعتمد على المحاكاة والوسائط الرقمية الحديثة.
وفي سياق متصل، اعتبر الدكتور كحلان أن تعميم شبكات الجيل الخامس يمثل فرصة إستراتيجية لتقليص الفوارق الجغرافية في الحصول على المعرفة، حيث سيتمكن التلاميذ في مختلف ولايات الوطن من الاستفادة من المحتوى التعليمي نفسه بذات السرعة والجودة، وكذا فتح مجالات التعاون بين المؤسسات التعليمية، وتطوير مشاريع البرمجة والتصميم والبحث.
وأكد في المقابل، أن هذه القفزة يجب أن ترافقها تربية رقمية مسؤولة، تضمن الاستخدام الآمن والواعي للتكنولوجيا، وتجعلها في خدمة الطفل والأسرة والمدرسة، بعيدا عن الممارسات السلبية أو الاستخدام غير الرشيد.
ولفت محدثنا إلى أن ذلك يبدأ بإدماج البرمجة والتفكير المنطقي والمهارات الرقمية في المراحل التعليمية المبكرة، ثم ربط التكوين باحتياجات القطاعات الإستراتيجية، مثل الفلاحة والصناعة والصحة والطاقة، إلى جانب تشجيع الابتكار وريادة الأعمال من خلال الحاضنات والمخابر والمسابقات العلمية مستقبلا.
أنفال ثابت صاحبة مشروع “لمسة أستاذ”:
الذكاء الاصطناعي سيعيد الشغف لحجرات التدريس
ومن جهتها، ترى الأستاذة أنفال ثابت، بصفتها مشرفة على مشروع “لمسة أستاذ”، الخاص بتدريب الأساتذة وتكوينهم حول البرمجة الذكية واستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي، أن قطاع التربية الوطنية يخوض رهانا كبيرا من أجل التحول نحو المدرسة الرقمية، وتحديث الأساليب البيداغوجية لمواكبة التطورات المذهلة التي يعرفها العالم في تكنولوجيا التعليم.
وتحدثت ثابت، وهي أستاذة في مادة اللغة الفرنسية بالطور الابتدائي، لـ”الشروق”، عن أبعاد المبادرة التدريبية الميدانية التي أطلقتها تحت عنوان “لمسة أستاذ”، والموجهة لتدريب الأساتذة من مختلف الأطوار التعليمية على كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي خلال العطلة الصيفية، واستغلال الفرصة من أجل الالتحاق خلال الموسم المقبل على أتم الاستعداد، مواكبين التحول الرقمي الذي تعرفه مختلف المدارس في العديد من الدول.
وأكدت أن الفكرة راودتها انطلاقا من المشاق والمعاناة التي يواجهها ويعيشها المعلم يوميا في ميدان التعليم، من ضيق في الوقت وثقل المادة الإدارية والتربوية، وأشارت إلى أن الهدف الأساسي من هذه الدورات التطبيقية هو تسهيل مهام الأستاذ الشاقة وإنجاز الواجبات التربوية في وقت وجيز وباحترافية عالية، حتى ينعكس ذلك على المردود التعليمي للتلميذ، حسب ذات المتحدثة.
ولم تخف محدثتنا الواقع الصعب الذي يواجه الأساتذة داخل الحجرات الدراسية، حيث تصطدم رغبة التجديد بفقر التجهيزات التقنية، قائلة: “إن المدارس اليوم تفتقر في كثير من الأحيان للإمكانات الرقمية، ناهيك عن بعض القوانين التي تمنع استخدام الهواتف وشبكة الإنترنت داخل المؤسسات التعليمية، وهو ما يجعل الأستاذ المعاصر أمام خيار واحد أن يكسر القيود بجهده الخاص، فيضطر لنقل حاسوبه الشخصي ومعداته الذاتية لتقديم درس تفاعلي يعيد للشغف مكانته بين التلاميذ”.
وعن تفاصيل المشروع، لفتت الأستاذة إلى أن التجاوب مع الدورة تجاوز كل التوقعات، حيث لم يقتصر الإقبال على منتسبي أطوار التعليم الثلاثة “ابتدائي، متوسط، وثانوي” من مختلف ولايات الوطن فحسب، بل امتد ليشمل أساتذة من التعليم الجامعي والتكوين المهني، وحتى أساتذة على مشارف التقاعد يسعون بشغف كبير لإنهاء “أميتهم الرقمية”، من خلال امتلاك المفاتيح الجديدة للذكاء الاصطناعي، والاطلاع على خباياه وتعلم كيفية استخدامه والانتفاع به داخل حجرات الدرس وخارجها.
وعن المحتوى التطبيقي الذي تقدمه هذه المبادرة عبر المنصات الرقمية، أوضحت الأستاذة أنفال أن البرنامج يسعى لتمكين الأستاذ من التحكم في أكثر من 20 منصة عالمية متخصصة، تسمح له بإعداد المذكرات والملخصات، والخرائط الذهنية في دقائق معدودة واختصار ساعات طويلة من العمل في التدوين، والكتابة والطباعة وغيرها من المهام، من خلال توليد فيديوهات تعليمية وصور عالية الجودة مع إدراج تعليقات صوتية، وأنشودات تعليمية مخصصة حسب مستوى التلاميذ، بالإضافة إلى تصميم ألعاب رقمية وتجارب محاكاة تفاعلية، مع برمجة ملفات “إكسل” بذكاء لحساب المعدلات وتنظيم نتائج التلاميذ بسرعة ودقة متناهية.
وشددت على أن استغلال فترات العطلة الصيفية للرفع من كفاءة المعلمين وتحديث مهاراتهم الرقمية، باعتباره استثمارا استراتيجيا حقيقيا في العنصر البشري الذي يشكل العمود الفقري لأي إصلاح مرتقب في قطاع التربية والتعليم، موضحة أن إمداد الأستاذ بتقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة وتمكينه من أدواتها يمكنه أن يساعده على تجاوز العقبات الميدانية التقليدية، وتحويل العمل التربوي إلى تجربة رقمية إبداعية ممتعة ومحفزة للطرفين، داعية في الوقت ذاته الجهات الوصية والفاعلين في القطاع إلى تبني مثل هذه المبادرات الميدانية الحرة، والدفع بها ونشرها على نطاق واسع، لتأسيس بيئة تعليمية ذكية ومستدامة تمهد الطريق لبناء جيل جزائري جديد، قادر على مواكبة تحديات المستقبل.
عومر بن عودة رئيس منظمة إطارات التربية:
ثورة الجيل الخامس وقود الإبداع عند الأطفال
ومن جانبه، أبرز رئيس منظمة إطارات التربية عومر بن عودة في تصريح لـ”الشروق”، أنه المعلم كان في الماضي يوجه الشرح لثلاثين أو أربعين تلميذا بنفس الوتيرة، مما يظلم التلميذ البطيء في الاستيعاب ويهضم حق العبقري السريع.
اليوم يغير الذكاء الاصطناعي هذه القواعد من خلال ما يعرف اصطلاحا “بالتعليم الشخصي”، بحيث تقوم الخوارزميات بتحليل نقاط قوة وضعف كل تلميذ، وتقديم تمارين مخصصة تناسب وتيرته الخاصة، على حد تعبيره.
كما تقوم أدوات الذكاء الاصطناعي، بتدريب الطفل على كيفية التفكير نقديا، وكيف يحل المشكلات المعقدة، وكيف يبحث عن المعلومة بدلا من حفظها، ما يسهم في تنمية مهارات القرن الحادي والعشرين، يضيف محدثنا.
وأشار الخبير التربوي إلى أن الاستفادة من هذه الأدوات ليست حكرا على التلميذ، بل تشمل المنظومة التربوية ككل، إذ تستفيد المؤسسات التعليمية الجزائرية من هذه الطفرة عبر أنظمة “التقييم الذكي”، والتي تساعد المعلمين على تصحيح الفروض الفصلية وتحليل النتائج بدقة، مما يربحهم وقتاً إضافياً للتركيز على الجانب الإنساني والتوجيهي للتلاميذ.
كما تسهم نفس الأنظمة الذكية في التنبؤ بالتسرب المدرسي، من خلال رصد تراجع أداء التلاميذ مبكرا وتنبيه الإدارة للتدخل الاستباقي.
ومن جهة أخرى، لفت محدثنا إلى دور التكنولوجيا الحديثة والإنترنت السريع “مثل الجيل الخامس 5G الذي تتبناه الجزائر تدريجيا”، وهو التدفق العالي الذي سيحدث فرقا هائلا في المستقبل، بحسب ذات المتحدث، إذ يمكن لتلميذ في أقصى الجنوب الجزائري أن يرتدي نظارة افتراضية ليزور أعماق البحار، أو يتجول داخل خلية بشرية، أو يزور متحف المجاهد بالعاصمة وهو في مكانه.
أما عن إمكانية مساهمة الطفل الجزائري في التحول الرقمي، فنبه عومر بن عودة، من أن نوادي الروبوتيك والذكاء الاصطناعي المنتشرة عبر الولايات، يمكن أن تساعد أطفال بعمر الزهور للقيام ببرمجة منصات، ومن ثمّ، فهم ليسوا مشاريع للمستقبل فقط، بل هم جزء من الحاضر الرقمي للبلاد، ويمثلون القوة الناعمة التي ستسرع من رقمنة الإدارات والخدمات.
كما أثار محدثنا نقطة هامة تخص تحويل هذه الطاقات إلى ثروة مستدامة تخدم المجتمع والاقتصاد الوطني، وهي الرؤية الوطنية التي يمكن أن تتحقق على أرض الواقع، من خلال إدراج البرمجة والتفكير الخوارزمي كمواد أساسية منذ الطور الابتدائي، فضلا عن تشجيع “الحاضنات المدرسية”، بالشراكة بين وزارتي التربية واقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة، لرعاية ابتكارات الأطفال.
علاوة على الانخراط في تعليم الأطفال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ليكون أداة للبناء وخدمة المجتمع لا للهدم أو الاتكال أو ما يعرف اصطلاحا بأنسنة التكنولوجيا.
مدير الأنظمة المعلوماتية بوزارة التربية الوطنية غانم عمارة:
هذه التزامات الرئيس تبون لتحقيق مدرسة رقمية في آفاق 2030
وبدوره، كشف مدير الأنظمة المعلوماتية بوزارة التربية الوطنية، غانم عمارة، في تصريح لـ”الشروق” أن الوصاية تسعى لتسريع وتيرة التحول الرقمي وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية لتحسين العملية التربوية وتطوير منصات تعليمية وإدارية مبتكرة تُحسن من تجربة المتعلم، وتُسهل عمل الأستاذ، وتُقرب الخدمات من المواطنين، وفق مقاربة مدروسة، ترتكز على تحليل احتياجات المستخدمين، وتوظيف أحدث التقنيات على غرار الذكاء الاصطناعي، الواقع المعزز، وتحليل البيانات الضخمة “بيغ داتا”.
وأضاف أن الهدف من “العبور الرقمي” هو تحقيق الإنصاف في الحصول على مختلف الخدمات والانتقال من رقمنة جزئية إلى تحول رقمي شامل ومستدام، يُسهم في تحديث القطاع، انطلاقا من سياسة “صفر ورق”، حيث جرى رقمنة أزيد من 60 وثيقة رسمية، وصولا إلى تبني تقنيات رقمية تعليمية تقدم خدمات ذات جودة عالية لكل من التلاميذ، الأساتذة، الإداريين، وأولياء التلاميذ، تعتمد على الحوكمة الرقمية، ما يكرس مبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص، تماشيا تمامًا مع التزامات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، وتجسيدا للأهداف الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي في أفق “جزائر رقمية 2030″، مثلما يشرح محدثنا.
وأبرز غانم عمارة بدقة الدور الذي تلعبه المنصات الرقمية التعليمية، والتي تسهم، حسبه، في دعم التحصيل العلمي، وتجعل العملية التعليمية أكثر تفاعلية وفعالية، فهي توفر مصادر تعلم متنوعة وسهلة الوصول، مثل الكتاب الرقمي الذي تم توفيره لملايين التلاميذ في الطور الابتدائي. كما تعرض في نفس الوقت أرضيات للدعم المدرسي عن بعد، وتقنيات الألعاب التعليمية التفاعلية، وأدوات التقويم الإلكتروني، مما يوفر بيئة محفزة للتعلم ويسمح للمعلمين بتحليل أداء التلاميذ بشكل أفضل.
وعرج محدثنا على كيفيات توظيف الذكاء الاصطناعي بالقطاع، موضحا أن تطبيقه يجب أن يتم في إطار قانوني وأخلاقي محكم، يضع في الاعتبار أولويات حساسة مثل أمن المعلومات وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، تماشيا مع مقتضيات القانون 18-07 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، ووفق ما تنص عليه استراتيجية أمن المعلومات تحت إشراف وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية.
وأفاد مدير المعلوماتية أنه من أبرز المشاريع المستقبلية، هو التوجه لاستغلال الذكاء الاصطناعي في مجالات “الاستشراف التربوي”، حيث يمكن استخدامه لتحديد الميول والقدرات الفردية للتلاميذ، مما يسهم في توجيههم أكاديميا ومهنيا بطريقة مبنية على البيانات والتحليل الذكي.
وأردف غانم أن هذا النظام عبارة عن بيئة رقمية مركزية تربط جميع المؤسسات التربوية والإدارية المعنية، وتسهل تنظيم التقييمات وضبط إعداداتها وفق المعايير البيداغوجية المعتمدة، كما يمكن الأساتذة أيضا من حجز التقييمات، وتحليلها من خلال لوحات تحكم تفاعلية مدعومة بتقنيات تحليل البيانات، بالإضافة إلى ذلك يساعد الأولياء على متابعة مستوى أبنائهم، ويجعل التقييم أكثر دقة وشفافية، لتحسين جودة التعليم، خاصة بعدما استفاد من هذا النظام أكثر من مليون تلميذ في مرحلة التعليم الابتدائي، واستخراج ما يزيد عن مليون دفتر وشهادة تقويم سنويا، بحسب ذات المتحدث.
الأمين العام الوطني لنقابة “الساتاف” بوعلام عمورة:
مخابر ذكية وكفاءات جزائرية للمرور للجيل السادس
ومن جهته، يؤكد بوعلام عمورة، الأمين العام الوطني للنقابة المستقلة لعمال التربية والتكوين، في تصريح لـ”الشروق”، أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع لوحده أن يطور مهارات التلميذ إن كانت المنظومة التربوية غير مبنية على اليقظة والتنافس الجاد بين التلاميذ.
ولفت إلى أنه يمكن للتحول الرقمي أن يساهم بنسبة معينة في تطوير ذكاء التلميذ، لكنه يبقى غير كاف نظرا لصغر سنه ومحدودية قدراته الذهنية.
ويتوقع محدثنا أن يتطور الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب بصفة “جنونية” ومذهلة وسريعة، وبالتالي وجب على الجميع مواكبة هذا التطور حتى لا يتجاوزه الزمن، الذي سيحتاج إلى تجهيز كل المؤسسات التربوية بمخابر الإعلام الآلي وسبورات ذكية وتزويدها بالأنترنيت عالية التدفق على غرار تقنية “5G”، فضلا عن توظيف أساتذة الإعلام الآلي والذكاء الاصطناعي، ثم تحديد حجم ساعي كاف من أجل تدريس هذا التخصص .
كما أن التلميذ قد يستغني في المستقبل القريب عن القلم والكراس والكتاب، حيث أن كل ما يحتاجه يجده في الإنترنت، وكل سؤال يريد طرحه يجد له إجابة فورية عبر التطبيقات المطورة في الذكاء الاصطناعي وبسرعة فائقة، يشرح عمورة.
اقرأ أيضا: بينهم 186 في غزة.. 350 عاملًا بالمجال الإنساني قُتلوا خلال عام
