
تواجه شركة “روساتوم” الروسية، الخاضعة لسيطرة الدولة، اتهامات بإخفاقات تتعلق بالسلامة والأمن والهندسة في مشروع محطة الضبعة النووية في مصر، وفقا لوثائق داخلية حصلت عليها صحيفة “بوليتيكو”، في وقت تستخدم فيه المحطة المصرية التكنولوجيا نفسها المعتمدة في مشروع “باكس 2” النووي الذي تبنيه الشركة في المجر.
اقرأ أيضا: إيران تحتجز ناقلة نفط إماراتية أثناء عبورها مضيق هرمز
وتثير هذه الاتهامات مخاوف جديدة بشأن مدى موثوقية الشركة الروسية وقدرتها على الالتزام بمعايير السلامة، خصوصاً في ظل توسع حضورها في قطاع الطاقة النووية داخل الاتحاد الأوروبي.
وبحسب رسالة سرية مؤرخة في 4 حزيران/ يونيو وموجهة إلى مسؤول تنفيذي في “روساتوم”، وصفت هيئة المحطات النووية المصرية “عيوبا” تؤثر في عدة وحدات مفاعلات، إلى جانب انتهاكات لـ”ثقافة السلامة النووية” خلال بناء محطة الضبعة، مشيرة كذلك إلى “إهمال متعمد” من جانب مسؤول في المشروع.
وتضمنت مجموعة الوثائق، التي شاركها مسؤول استخبارات طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث إلى وسائل الإعلام، وثائق سرية للشركة تصف تأخيرات في البناء ومخاوف هندسية وردت في مراجعات أجرتها “روساتوم” نفسها للمشروع، ولم يسبق نشر هذه الوثائق.
اظهار أخبار متعلقة
وتكتسب الاتهامات أهمية إضافية بالنسبة إلى أوروبا، فمنذ أن دفع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 الدول الأوروبية إلى فرض عقوبات واسعة على موسكو، سعت “روساتوم” إلى إقناع الحكومات الأوروبية بأنها لا تزال مورداً موثوقاً وكفؤاً في سوق الطاقة النووية، ومن شأن اتهامات خرق معايير السلامة أن تزيد المخاوف القائمة بشأن عمليات الشركة الخاضعة لسيطرة الكرملين في الاتحاد الأوروبي.
رد روساتوم وموقف المفوضية الأوروبية
وفي بيان عبر البريد الإلكتروني إلى “بوليتيكو”، قالت “روساتوم” إنها تلتزم بأعلى مستويات السلامة النووية، وإنها فعلت ذلك طوال فترة بناء محطة الضبعة، لكنها رفضت التعليق على ما إذا كانت قد تلقت الرسالة أو الشكاوى التي قدمتها هيئة المحطات النووية المصرية، والتي لم ترد بدورها على طلبات متعددة للتعليق على اتصالاتها مع “روساتوم”.
وأضافت الشركة أن “المستوى المرتفع لتنظيم العمل، ونظام إدارة الجودة، وثقافة السلامة”، تؤكده المتابعة المستمرة التي يوليها للمشروع كل من القيادة السياسية للاتحاد الروسي وجمهورية مصر العربية، وكذلك قيادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي يحضر ممثلوها بانتظام المراحل الرئيسية للمشروع.
وأشارت “روساتوم” إلى أن مراسم حديثة لإحدى وحدات المفاعل حضرها مسؤولون روس ومصريون ومسؤولون من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكدة في الوقت نفسه أن أيا من الاتهامات الواردة في الرسالة، والتي عرضتها “بوليتيكو” على الشركة، لم “يتم تأكيده ضمن الإجراءات التعاقدية والفنية والرقابية المنصوص عليها في المشروع”.
من جهتها، قالت المفوضية الأوروبية لـ”بوليتيكو” إنها لم تكن على علم بالوثائق السرية والاتهامات الواردة فيها، فيما أكد متحدث باسمها أن “السلامة النووية أولوية رئيسية” بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، مضيفاً أن المفوضية تتابع تطورات المشروع، إلا أن “قضايا السلامة النووية تقع على عاتق الدولة العضو المعنية في الاتحاد الأوروبي”.
اظهار أخبار متعلقة
وفي مصر، قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في تموز/ يوليو إنه يتوقع الانتهاء من بناء المفاعلات الأربعة في الضبعة بحلول عام 2030، على أن تبدأ الوحدة الأولى إنتاج الكهرباء عام 2028. ولم يتم حتى الآن إدخال أي وقود نووي إلى الموقع.
عيوب في الخرسانة ومخالفات في موقع الضبعة
عند تشغيل مجمع الضبعة بكامل طاقته، سيضم أربع وحدات مفاعلات نووية روسية التصميم تحت إشراف هيئة المحطات النووية.
وفي الرسالة التي أرسلتها الهيئة المصرية إلى “روساتوم”، قال مسؤول في الهيئة إن وحدات المفاعلات غير المكتملة واجهت بالفعل عيوبا.
وأُرسلت الرسالة في الأصل إلى “روساتوم” باللغة الإنجليزية، ويبدو أنها تُرجمت إلى الروسية للتداول الداخلي، بينما تستند “بوليتيكو” إلى نسخة من الرسالة تُرجمت مرة أخرى إلى الإنجليزية.
وفصلت الرسالة عددا من المشكلات، مشيرة إلى أن “عيوبا خطيرة في الخرسانة ظهرت مجددا”، من بينها فراغات خلف الكسوة المعدنية في الوحدة 4، وعيوب في بلاطات أساس الوحدات 1 و2 و3 استغرق إصلاحها عاماً، إضافة إلى عيوب في البنية الخلوية للجدار الأسطواني لمبنى المفاعل في الوحدة 4.
كما اتهمت الهيئة المصرية “روساتوم” باستخدام “أساليب مضللة” و”أعمال وهمية” لمحاولة إثبات أن أعمال بناء المحطة تجاوزت نصفها، في حين أن المعاينة البصرية في الموقع، وفق الرسالة، تظهر بوضوح أن المباني الرئيسية للجزيرة النووية لا تزال في مرحلة الإنشاء تحت الأرض.
ولم تقتصر المخاوف على أعمال البناء، إذ اتهمت الهيئة الشركة بالإشراف على بيئة عمل غير مهنية، مشيرة إلى ضبط عمال بحوزتهم “مشروبات كحولية محظورة” في موقع العمل، واستخدام “تصاريح مزورة وانتحال صفة آخرين للدخول غير المصرح به”، إلى جانب التقاط “صور ومقاطع فيديو في موقع البناء» انتهى بها الأمر على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي قالت إنه “أثر سلبا في سمعة المشروع”.
وأشارت الرسالة أيضاً إلى حادث خطير في موقع البناء أدى إلى إصابة عامل «بكسر مفتوح شديد«، قبل أن يجري تهريبه إلى سيارة خاصة بدلاً من «سيارة إسعاف مجهزة”, وقالت الهيئة المصرية إن ذلك تم عمدا للتستر على الحادث.
ووصفت الهيئة هذا السلوك بأنه “تجاهل خطير لكل من سلامة الإنسان والمسؤولية المهنية»، معتبرة أنه يشكل “انتهاكاً جسيماً للوائح السلامة في مكان العمل وثقافة السلامة النووية والتزامات الإبلاغ”.
إخفاقات ومشاكل في جودة البناء
وتعزز أربع وثائق أعمال داخلية إضافية لـ”روساتوم”، بعض جوانب مخاوف الهيئة المصرية، إذ توثق تأخيرات ومشاكل في جودة البناء وإخفاقات في إدارة المشروع.
وفي هذا السياق، حذر مشروع تدقيق داخلي أعدته “روساتوم” عام 2025 من “خطر كبير يتمثل في عدم الوفاء” بالتزامات الشركة التعاقدية، وتوقع أن يتأخر الجدول الزمني الأولي للوحدة الأولى في الضبعة 18 شهراً، من أيلول/ سبتمبر 2028 إلى آذار/ مارس 2030.
اظهار أخبار متعلقة
اقرأ أيضا: استشاري قلب: النقاط الصفراء حول العين ترفع خطر الجلطة 48%
وفي المقابل، قال مدبولي في تموز/ يوليو إنه يتوقع اكتمال بناء المفاعلات الأربعة بحلول عام 2030، مع بدء الوحدة الأولى إنتاج الكهرباء في 2028، ما يضع التقديرات الواردة في التدقيق الداخلي لـ«روساتوم» في سياق مختلف عن الجدول الزمني الذي أعلنته الحكومة المصرية.
التكنولوجيا نفسها في المجر
وتستخدم المحطة النووية المصرية التكنولوجيا نفسها الموجودة في قلب مشروع “باكس 2” في المجر، وهو التوسع النووي المدعوم من الكرملين والذي أثار مراراً توترات بين بودابست والمفوضية الأوروبية.
وكان رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان قد أعطى المشروع الضوء الأخضر في البداية عام 2014، ليكتسب لاحقاً رمزية باعتباره دليلا على اصطفاف بودابست مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما وفر موطئ قدم لتكنولوجيا الطاقة الروسية داخل الاتحاد الأوروبي. وبدأ العمل في المشروع في فبراير/شباط من هذا العام.
ولا يقتصر حضور “روساتوم” على المجر ومصر، إذ تمتلك الشركة الخاضعة لسيطرة الكرملين مشاريع لمحطات في تركيا والصين.
وفي ألمانيا، تواجه الحكومة انتقادات بسبب موافقتها في تموز/ يوليو على صفقة ستسمح لإحدى الشركات التابعة لـ”روساتوم” بالمساعدة في إنتاج قضبان الوقود النووي لمحطة في ولاية سكسونيا السفلى، فيما قالت الحكومة الألمانية إن الصفقة ستخضع لضوابط صارمة تتعلق بالأمن القومي.
ولم ترد الحكومة المصرية وسفاراتها في بلجيكا والولايات المتحدة على طلبات متعددة للتعليق.
مستقبل باكس 2 تحت الاختبار
وتلقي الاتهامات الواردة في الوثائق بظلالها على مشروع “باكس 2” في المجر، ومن المرجح أن تعزز المخاوف في بروكسل بشأن إسناد البنية التحتية الأوروبية الحيوية إلى شركة خاضعة لسيطرة الكرملين.
وفي تعليق مطول نشره المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز أبحاث بريطاني متخصص في الدفاع والأمن، حذر باحثون الدول الغربية من التعامل التجاري مع “روساتوم”، مشيرين إلى علاقاتها الوثيقة بأجهزة الاستخبارات الروسية ودورها المثير للجدل في إدارة محطة زابوريجيا للطاقة النووية التي تحتلها روسيا في أوكرانيا بالقوة العسكرية.
وبالنسبة إلى حكومة رئيس الوزراء المجري المنتخب حديثا بيتر ماغيار، تمثل التطورات المرتبطة بـ”روساتوم” مشكلة جديدة. فلا يزال مشروع “باكس 2” ضروريا لخطط المجر الرامية إلى خفض انبعاثات نظام الكهرباء لديها واستبدال القدرة النووية القديمة.
وفي إطار مسعى لإعادة النظر في سياسات عهد أوربان، فتحت حكومة ماغيار مؤخراً مراجعة لمشروع “باكس 2″، مشككة في تكلفته الباهظة وصلاته ببوتين.
وحذر النائب المجري السابق عن حزب الخضر بنديك يافور، الذي ركز على مشروع “باكس 2” وكان منتقداً لحكومة أوربان، حكومات أخرى من التعامل مع “روساتوم”، وقال لـ”بوليتيكو” إنه يعتقد الآن أن الاتهامات التي ظهرت بشأن الضبعة يمكن أن تكون لها تداعيات بعيدة المدى على “روساتوم” ومصير مشروع “باكس 2”.
وأضاف، في إشارة إلى حكومة ماغيار: “لقد قرروا بالفعل إعادة النظر في العقد، وقد تم الإعلان عن ذلك خلال الحملة الانتخابية. وستكون هذه المعلومات الواردة من مصر بالتأكيد جزءا من التقييم”.
اقرأ أيضا: “جيل ما بعد الطباشير”… أطفال يكتبون أولى صفحات الجزائر الرقمية! – الشروق أونلاين
