بين غزة وإيران.. ترمب يفتح قنوات اتصال بحثا عن صفقة | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

كشفت تقارير نشرتها نيويورك تايمز وأكسيوس وذا تايمز عن تحرك دبلوماسي أمريكي واسع ومتعدد المسارات، يهدف إلى إعادة تحريك الملفات الأكثر تعقيدا في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها مستقبل غزة والحرب الإسرائيلية الفلسطينية، بالتوازي مع محاولة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إيران.

وعلى الرغم من اختلاف الملفات، فإن التقارير الثلاثة ترسم صورة واحدة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تعتمد على قنوات خلفية وشخصيات غير تقليدية، والتواصل المباشر مع مراكز القوة الفعلية، بدل الاكتفاء بالقنوات الدبلوماسية الرسمية.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

تضع نيويورك تايمز جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب ومستشاره المقرب، في مركز الجهود الأمريكية الرامية إلى إنقاذ خطة الرئيس الخاصة بغزة، فقد التقى قادة من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في مصر، في محاولة لإعادة تحريك الاتفاق المتعثر، ولا سيما في ما يتعلق بنزع سلاح الحركة والانسحاب الإسرائيلي وإعادة إعمار القطاع.

وتؤكد ذا تايمز الرواية نفسها من زاوية أوسع، مشيرة إلى أن كوشنر لم يكن وحده في هذه المهمة، فكان إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير ونيكولاي ملادينوف، ممثل “مجلس السلام”.

كوشنر في قلب التحرك بشأن غزة

وبعد اجتماعات القاهرة، كان من المقرر أن يتوجه كوشنر وبلير إلى القدس للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وهنا يظهر جوهر الأزمة، إذ تقول حماس إنها ملتزمة من حيث المبدأ بنزع السلاح وتسليم إدارة غزة إلى حكومة فلسطينية تكنوقراطية، لكنها لم تحدد بوضوح حجم ونوع الأسلحة التي ستتخلى عنها، في حين تصر إسرائيل على نزع سلاح فعلي قبل أي انسحاب عسكري.

وقد حاول كوشنر -حسب ذا تايمز- إقناع حماس بأن عليها تقديم خطوات ملموسة، لأن إسرائيل لا تثق بمجرد التعهدات، موضحا أن الولايات المتحدة ستبذل جهودها لدفع إسرائيل إلى اتخاذ خطوات مقابلة إذا أظهرت الحركة تقدما حقيقيا.

وتتقاطع الصحيفتان بوضوح في تحديد العقدة المركزية في خطة غزة، إذ يفترض الاتفاق الانتقال من وقف إطلاق النار إلى مرحلة سياسية تتضمن نزع سلاح الفصائل المسلحة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإنشاء إدارة فلسطينية جديدة وإطلاق عملية إعادة الإعمار.

ولكن إسرائيل وحماس تختلفان على ترتيب هذه الخطوات، إذ لا تريد إسرائيل -وفق التقارير- انسحابا تدريجيا يسمح لحماس أو غيرها من الجماعات المسلحة بالاحتفاظ بأسلحتها داخل القطاع.

أما الصيغة التي تحاول واشنطن الدفع بها فتقوم على مسار تدريجي ومتواز، تقوم خلاله حماس بخطوات في اتجاه نزع السلاح مقابل خطوات إسرائيلية، خصوصا في موضوع الانسحاب.

ولهذا فإن زيارة كوشنر ليست مجرد محاولة لإجراء محادثات مع حماس، وإنما جزء من عملية أوسع هدفها إيجاد صيغة تسمح لكل طرف بتقديم تنازل دون أن يشعر بأنه خسر المعركة سياسيا أو أمنيا.

كومبو من اليمين: خليل الحية رئيس حركة حماس وجاريد كوشنر مستشار الرئيس الأمريكي ترمب Hamas arab relations chief Khalil al-Hayya holds a press conference during a visit to the Syrian capital Damascus on October 19, 2022 for the first time since the Palestinian Islamist group severed ties with Syria a decade ago. Palestinian movement Hamas said it restored relations with the Damascus government after a visiting delegation held a
كوشنر (يسار) يحاول إقناع حماس بأن عليها التحرك أولا لإثبات جديتها في نزع السلاح (الفرنسية)

نتنياهو يمثل العقبة المقابلة

وتوضح نيويورك تايمز وذا تايمز أن نتنياهو يمثل الطرف الآخر في معادلة الإنقاذ الصعبة للخطة، لأنه رفض النسخة المعدلة من الخطة، لكنه أبقى الباب مفتوحا لمناقشة بعض عناصرها مع الولايات المتحدة.

وترى التقارير أن موقفه لا يرتبط بالاعتبارات الأمنية فقط، وإنما يتأثر أيضا بالحسابات السياسية الداخلية، خصوصا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.

وبالتالي، فإن إدارة ترمب تواجه مهمتين متزامنتين، الأولى إقناع حماس بأن عليها التحرك أولا لإثبات جديتها في نزع السلاح، والأخرى إقناع نتنياهو بأن تقديم خطوات إسرائيلية مقابلة لن يؤدي إلى تعريض أمن إسرائيل للخطر.

وهذا يفسر لماذا جاءت محادثات القاهرة مع حماس ثم اللقاءات المرتقبة مع نتنياهو ضمن تحرك واحد.

أما تقرير أكسيوس فيكشف عن مسار مختلف ظاهريا، لكنه يحمل الدلالة نفسها، فقد حاولت إدارة ترمب خلال مفاوضاتها مع إيران معرفة ما إذا كان المفاوضون الإيرانيون الرسميون يمثلون بالفعل موقف الجهة صاحبة النفوذ الأكبر، أي الحرس الثوري الإيراني.

اقرأ أيضا: توقيف شخص يمارس طقوس السحر والشعوذة داخل منزله بسوق أهراس – النهار أونلاين

المشكلة التي تواجه إستراتيجية ترمب ليست غياب قنوات الاتصال، بل صعوبة تحويل الاتصالات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ

وعندما بدأت واشنطن تشك في أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي لا يمتلكان السلطة الكافية لإبرام اتفاق نهائي، لجأت الإدارة إلى قناة خلفية مباشرة مع قيادة الحرس الثوري.

وهنا ظهر نيجيرفان البارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، باعتباره وسيطا يتمتع بعلاقات وثيقة مع الطرفين، وقد اتصلت تولسي غابارد، التي كانت تشغل منصب مديرة الاستخبارات الوطنية، بالبارزاني -حسب أكسيوس، وذلك بموافقة ترمب ونائبه جيه دي فانس، وطلبت منه معرفة موقف قائد الحرس الثوري الجنرال أحمد وحيدي من المفاوضات.

قناة البارزاني

نجح البارزاني في الوصول إلى وحيدي، الذي أكد دعمه للمفاوضات ورغبته في حل الأزمة من خلال التفاوض، ثم نقل البارزاني الرد إلى غابارد، التي أطلعت عليه البيت الأبيض بدورها.

وتكمن أهمية تقرير أكسيوس في أنه يقدم مفتاحا لفهم الأسلوب الذي تتبعه إدارة ترمب في المنطقة، ففي إيران، اكتشفت واشنطن أن المفاوض الرسمي ليس بالضرورة صاحب القرار الحقيقي، ولذلك بحثت عن قناة مباشرة إلى مركز القوة الفعلي.

FILE - Director of National Intelligence Tulsi Gabbard sits in the James Brady Press Briefing Room at the White House, July 23, 2025, in Washington. (AP Photo/Alex Brandon, File)
غابارد شكّلت الرابط بين إدارة ترمب وقائد الحرس الثوري الإيراني عن طريق نيجيرفان البارزاني (أسوشيتد برس)

وفي غزة، تفعل الإدارة شيئا مشابها ولكن بطريقة مختلفة، فهي لا تعتمد فقط على الوسطاء التقليديين، بل تستخدم كوشنر وبلير ومصر وقطر، ومجلس السلام، للتواصل مباشرة مع قيادة حماس ثم الانتقال إلى نتنياهو.

وبذلك تبدو السياسة الأمريكية قائمة على قاعدة واحدة، وهي الوصول إلى من يستطيع اتخاذ القرار فعليا، حتى لو كان خارج القنوات الدبلوماسية المعتادة.

وبذلك، فإن المشكلة التي تواجه إستراتيجية ترمب ليست غياب قنوات الاتصال، بل صعوبة تحويل الاتصالات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، فواشنطن تستطيع الوصول إلى حماس والحرس الثوري والحكومة الإسرائيلية والوسطاء الإقليميين، لكن الوصول إلى الأطراف لا يعني بالضرورة القدرة على إقناعها بالتنازل.

وفي حالة غزة تحديدا، ستتوقف الخطوة التالية على سؤال بالغ الحساسية: هل تستطيع حماس تقديم أدلة عملية على نزع سلاحها، وهل تستطيع واشنطن في المقابل إقناع نتنياهو بتقديم تنازلات موازية دون أن يعتبر ذلك تهديدا لأمن إسرائيل؟

وإذا فشل الطرفان في هذه المعادلة، فإن خطة ترمب ستبقى عالقة بين وقف إطلاق نار هش وبين تسوية سياسية لم تكتمل بعد، أما إذا نجحت القنوات الخلفية في بناء قدر كافٍ من الثقة، فقد تتحول لقاءات القاهرة والقدس إلى نقطة انطلاق للمرحلة الثانية من خطة غزة، بدل أن تكون مجرد محاولة جديدة لإنقاذ اتفاق يوشك أن ينهار.

اقرأ أيضا: Gemini في مدارس أمريكا.. سباق الذكاء الاصطناعي يدخل الفصول

‫0 تعليق