بورصة الرغبات.. ماذا يدور خلف شاشات القبول الموحد؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عمان – كامل النصيراتجريدة الدستور الأردنية

اقرأ أيضا: وداع بعثة العمرة العسكرية الخاصة بالعائلات

حين تفتح بوابة القبول الموحد، يتحول البيت الأردني إلى غرفة عمليات مشحونة بالترقب والتوتر. يجلس الطالب أمام الشاشة وحوله أفراد الأسرة، لتبدأ لحظة التردد الكبرى في ترتيب الخيارات. لا يتعلق الأمر هنا بمجرد إدخال رغبات دراسية تمثل ميول الطالب الشخصية، بل بعملية تفاوض معقدة تتقاطع فيها مشاعر متناقضة. فالطالب الذي أنهى لتوه مرحلة التوجيهي المرهقة يجد نفسه محاصرا بين ما يريده هو في داخله، وبين نظرة العائلة التي ترى في هذا القرار تتويجا لسنوات طويلة من التضحيات المالية والنفسية.في تلك اللحظة بالذات، تتوارى رغبة الطالب الفردية بهدوء لصالح ما يعرف بالرأسمال الرمزي للعائلة؛ حيث تصبح بطاقة القبول أداة لتعزيز المكانة الاجتماعية للأسرة داخل محيطها، وشهادة تأمين نفسي لطبقة وسطى تكافح يوميا لحماية أبنائها من تقلبات الواقع الاقتصادي وضبابية المستقبل.جريدة الدستور الأردنية

وتجسد الطالبة الناجحة سلمى الحوراني (المتجهة لدراسة القانون) بعدا إنسانيا واجتماعيا عميقا في توارث المهنة وبناء الهوية، موضحة: «نشأت على رؤية والدي المحامي قدوة حقيقية يصنع لنفسه اسما ويحظى بمحبة الناس واحترامهم في كل مكان، وظل يشجعني على أخذ وقتي لأجد المساحة التي تشبهني دون ندم. فكرت في مسارات متنوعة من الإعلام إلى الطب البيطري، لكنني وجدت في القانون الحقل الشامل الذي يجمع الثقافة والقدرة على فهم مختلف مجالات الحياة ومساعدة الآخرين، فضلا عن المكانة والهيبة الاجتماعية التي يحملها لقب «الأستاذة المحامية». إن اختياري لم يكن بحثا عن وظيفة فحسب، بل رغبة في استكمال مسيرة والدي ورؤية نظرة الفخر في عينيه.جريدة الدستور الأردنية

 سحر الألقاب القديمةجريدة الدستور الأردنية

رغم التقارير السنوية الصادمة التي تصدرها الجهات الرسمية حول الإشباع التام والركود الثقيل في كليات الهندسة والحقوق والعلوم الإنسانية، تصر شريحة واسعة من المجتمع على التمسك بهذه المسارات دون تردد. يعود هذا السلوك في جوهره إلى متلازمة اجتماعية عميقة ترى في اللقب الأكاديمي، مثل «مهندس» أو «محام»، جواز مرور للمكانة العائلية والاعتبار الاجتماعي في المناسبات العامة والجاهات. لا ينظر المجتمع إلى هذه التخصصات كقنوات تشغيل تخضع لقوانين العرض والطلب الصارمة، بل كألقاب تمنح صاحبها حضورا ومظهرا ثابتا يصعب التنازل عنه. وهكذا، يستمر تدفق الطلبة نحو هذه الكليات الكلاسيكية، لتتجدد المفارقة السنوية بين واقع التوظيف المغلق أمام مئات الآلاف من الخريجين، وبين إصرار جمعي على دفع الأبناء نحو المسارات ذاتها طمعا في بريق اللقب لا جدوى المهنة.جريدة الدستور الأردنية

وتلخص الطالبة الناجحة علياء الرحامنة (المرشحة لدراسة الهندسة) هذه التشابكات المعقدة بقولها: لم يكن خياري وليد سبب واحد، بل مزيجا من الرغبة في استثمار تفوقي الدراسي بما يليق بجهدي، وحسابات الجدوى الاقتصادية، إلى جانب الحضور الاجتماعي للقب المهندس الذي ما يزال يحتفظ ببريقه ومكانته في عيون الأهل والمجتمع متفوقا على التخصصات الحديثة، مع يقيني التام بأن التوفيق أولا وأخيرا هو البوصلة الحقيقية.جريدة الدستور الأردنية

 فخاخ «التريند»جريدة الدستور الأردنية

في السنوات الأخيرة، برزت موجة جديدة تبدو في ظاهرها نقيضا للمسارات التقليدية، لكنها تحمل في طياتها الآليات الاجتماعية ذاتها. اندفعت آلاف العائلات لتسجيل أبنائها في تخصصات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وعلم البيانات، مدفوعة ببريق التسميات الحديثة وما يتردد في وسائل الإعلام حول احتياجات الثورة الصناعية الرابعة. إلا أن هذا الإقبال الكثيف تحول تدريجيا إلى ما يشبه الفقاعة أو فخ الإشباع الجديد. فقد تم تسويق هذه البرامج كحل سحري سريع للبطالة، في حين أن كثيرا من الطلبة الذين اندفعوا خلفها يفتقرون إلى الأساس الرياضي المتين والشغف الحقيقي بالبرمجة والتفكير الخوارزمي المعقد. هذا الاندفاع العاطفي يهدد بملء السوق بخريجين يحملون شهادات بمسميات براقة وحديثة، لكنهم لا يملكون الأدوات البرمجية التنافسية التي تطلبها الشركات التقنية فعليا، مما يعيد إنتاج أزمة التخصصات القديمة ولكن بغطاء تكنولوجي معاصر.جريدة الدستور الأردنية

في المقابل، يمثل الطالب الناجح عبد الرحمن الحطبة (المتجه لحقل التكنولوجيا) نموذجا للرغبة الذاتية الواعية، مؤكدا: اخترت التكنولوجيا دون أي ضغوط، مدفوعا بشغفي في تحليل البيانات وفهم آليات الذكاء الاصطناعي لحل المشكلات المعقدة. لا أبحث عن مجرد مسمى رائج، بل أطمح للتدرج كمطور برمجيات ومهندس ضمان جودة أنظمة، وصولا إلى تأسيس شركتي التقنية الخاصة.جريدة الدستور الأردنية

 جغرافيا التعليمجريدة الدستور الأردنية

تكشف خيارات القبول الموحد عن انقسام واضح في الدوافع والأهداف تبعا للموقع الجغرافي والقدرة المادية للأسرة. ففي المحافظات ومناطق الأطراف، يتحول التعليم الجامعي إلى أداة أساسية للبقاء ومحاولة الصعود المعيشي الحذر، حيث تفرض اعتبارات القرب الجغرافي، وكلفة المواصلات، وأسعار السكن نفسها على قرارات الطلبة. وتبرز هنا التخصصات التي تقود إلى مسارات وظيفية واضحة ومباشرة مثل التمريض والتعليم والوظائف الإدارية التي تتيح التقدم للخدمة العامة. في المقابل، يملك طلبة العاصمة والمدارس الخاصة مساحة أوسع للاختيار؛ حيث ينظر إلى التعليم كاستثمار نوعي يفتح أبواب الأسواق الإقليمية والدولية في مجالات الإدارة الحديثة، والفنون البصرية، والعلوم الرقمية المتقدمة. يعكس هذا التباين كيف يتحكم الرصيد المالي وشبكة العلاقات الاجتماعية في رسم ملامح المستقبل الدراسي، جاعلا من الجامعة مساحة تعكس الفروق القائمة بدلا من تقليصها.جريدة الدستور الأردنية

 جيل المهارات المعطلجريدة الدستور الأردنية

يعيش الجيل الجديد من الطلبة اليوم في حالة تمزق واضح بين عالمين؛ فهم من جهة يدركون تماما أن المهارات العملية والقدرة على التعلم الذاتي هما المحرك الحقيقي للنجاح الاقتصادي المعاصر. يرى هؤلاء الشباب نماذج واقعية لأقرانهم يحققون عوائد مالية مجزية في العمل الحر والتصميم وتطوير البرمجيات عبر الإنترنت دون الاعتماد على مسار دراسي رسمي. ورغم هذا الوعي الرقمي المتقدم، يجد معظمهم أنفسهم مجبرين على الجلوس في قاعات المحاضرات التقليدية لدراسة مناهج قديمة. يأتي هذا الاستسلام تلبية لرغبة الأسرة التي ترفض الاعتراف بأي عمل لا تتوجه وثيقة جامعية ورقية معتمدة، واستجابة لبيروقراطية سوق العمل المحلي التي لا تزال تجعل من المؤهل الأكاديمي شرطا رئيسيا للقبول والترقية. وهكذا، يعيش الطالب دورين متناقضين: يدرس بالجامعة ليرضي مجتمعه، بينما يبني مهاراته الحقيقية خلف الشاشات ليلائم واقعه.جريدة الدستور الأردنية

اقرأ أيضا: بيترو: الشعب الكولومبي لا يقبل اعتبار الجولان جزءا من إسرائيل0 | عرب وعالم

يعبر الطالب الناجح زيد أبو هديب عن هذا الواقع بعدما حال معدله دون إمكانية التقدم لدراسة الهندسة الصناعية التي يرغب بها، قائلا: «تحصيلي الرقمي هو الذي فرض علي هذا الواقع؛ فطموحي الأساسي هو دراسة الهندسة الصناعية، لكن معدلي لم يسمح لي حتى بالتقدم إليها عبر القبول الموحد. ورغم أن الخيارات المتاحة قادتني نحو تكنولوجيا المعلومات، إلا أنني رفضت الاستسلام، وقررت إعادة التقدم لبعض المواد ورفع معدلي في التوجيهي لأتمكن من انتزاع مقعدي في الهندسة الصناعية التي أراها طريقي الحقيقي».جريدة الدستور الأردنية

 مأزق الشهادةجريدة الدستور الأردنية

تضعنا خريطة القبول الجامعي وسلوكيات الطلبة وأسرهم أمام تساؤل بنيوي لا يمكن الهروب منه حول وظيفة الجامعة في الأردن اليوم. فحين تتراكم التخصصات التقليدية بالخريجين، وتتحول التخصصات الحديثة إلى مسارات مزدحمة تفتقر للتأهيل العملي، يغدو واضحا أن المشكلة لا تكمن في نوعية الخيارات المدرجة على الموقع الإلكتروني، بل في المنظومة الاجتماعية والاقتصادية التي تدير هذا القطاع برمته. تقف الجامعات الأردنية اليوم عند مفترق طرق حاسم يفرض عليها إعادة تعريف هويتها ودورها، فهل تستطيع هذه المؤسسات أن تواكب إيقاع المهارات المتسارع وتستعيد قدرتها على صناعة الفارق المعرفي والاقتصادي، أم أنها ستظل مجرد محطة انتظار مكلفة ومرهقة تكتفي بتأجيل مواجهة شبح البطالة لأربع سنوات إضافية؟.جريدة الدستور الأردنية

جميع الحقوق محفوظة.

لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.

اقرأ أيضا: «صحفيو عسير» يسلّط الضوء على أسرار المتحدث الإعلامي الناجح

‫0 تعليق