الظل الطويل للصدمة الإيرانية: هرمز والجغرافيا الجديدة لقوة الط…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

جيسون بوردوف؛ وميغان إل. أوسوليفان* – (فورين أفيرز) 14/8/2026
وفقا لأي معيار تقريبًا، كان ينبغي أن يعاني العالم في الوقت الراهن من أزمة طاقة أشد وطأة بكثير. ما يزال مضيق هرمز، الذي تمر عبره عادةً نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، مغلقًا إلى حد كبير منذ أشهر. ومع ذلك، إذا ما قورنت الأوضاع الراهنة بالسيناريوهات الكابوسية التي تم تصورها في بداية الحرب، ظلت أسعار النفط منخفضة، وأظهرت أسواق الغاز الطبيعي قدرتها على الصمود. وحتى الآن، تجنب الاقتصاد العالمي نوع الركود الذي تسببت فيه كثير من الصدمات السابقة للطاقة.اضافة اعلان
ربما يغري هذا الواقع باستنتاج أن مخاطر اضطرابات إمدادات الطاقة تعرضت للتضخيم، لكن مثل هذا الاستنتاج المطمئن سيكون في غير محله. لم تؤدِّ أزمة هرمز حتى الآن سوى إلى ارتفاعات محدودة في أسعار النفط بفضل مزيج غير مألوف من ظروف السوق المواتية والاستثمارات التي تراكمت على مدى سنوات في تدابير أمن الطاقة. وقبل اندلاع الحرب، كانت أسواق النفط تعاني فائضًا في المعروض. وكانت المخزونات مرتفعة نسبيًا. وكانت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة قد أنشأتا خطوط أنابيب تتجاوز المضيق. كما كانت الحكومات والشركات قد راكمت مخزونات طوارئ ومخزونات تجارية.
بالإضافة إلى ذلك، ساعدت الصين في تحقيق الاستقرار في توازن سوق النفط العالمية عن طريق خفض وارداتها، مستفيدةً من قدرتها الهائلة على تقليص كمية النفط التي تشتريها لأغراض التخزين وتحتفظ بها في المخازن، وتكررها بغرض التصدير وتستهلكها محليًا.
لكنّ هذه الظروف ليست مرشحة للديمومة. وفي حال دخل الصراع مرحلة جديدة من القتال المكثف تهدد بامتداده عبر الحدود، واستمر إغلاق المضيق، فقد تشهد أسواق النفط -التي تتعرض الآن لضغوط بسبب نقص المنتجات المكررة مثل الديزل ووقود الطائرات- ارتفاعًا حادًا في أسعار النفط الخام. وحتى لو تراجعت حدة الأعمال القتالية في المنطقة، يغلب أن تبقى المنطقة تحت خطر مستمر يهدد حركة الملاحة عبر المضيق بحيث تصبح عمليات العبور إما خاضعة لسيطرة إيران بصورة مباشرة، أو -في الحد الأدنى- عرضة لتعطيل إيراني في أي وقت. ويبدو أن تصور سيناريو أكثر تفاؤلًا خلال الأشهر المقبلة سيكون مجرد وهم ما لم يحدث تغير كبير -ومستبعد- في طهران.
في إطار الاستعداد لهذه السيناريوهات ولأزمات جديدة ربما تنشأ في المستقبل الأبعد، ينبغي للعالم ألا يستمد الطمأنينة من النتيجة الحميدة نسبيًا التي شهدتها أسواق الطاقة خلال الأشهر الخمسة الماضية. الآن، أصبحت مخزونات الأمان التي ساعدت العالم على تجاوز تلك الأشهر أكثر هشاشة: فقد استُنزفت المخزونات؛ والطلب يتعافى؛ وطرق الإمداد البديلة تصبح أكثر عرضة للخطر. كما تواصل البنية التحتية التعرض للهجمات، وسوف تحتاج في بعض الحالات إلى سنوات لإصلاحها. وظهر أن مرحلة ثانية من أزمة هرمز ربما تكون أكثر ضررا بكثير من الأولى.
بالإضافة إلى ذلك، لم تكن المرحلة الأولى من الأزمة خالية من الألم كما أوحت العناوين عن أسعار النفط العالمية. وقد أخفى التحرك المحدود نسبيًا في أسعار النفط العالمية القياسية تفاوتًا لافتًا في توزيع الأعباء، حيث عانت دول في آسيا وأوروبا من ارتفاع الأسعار، ونقص الإمدادات، وتقنين الاستهلاك، وضغوط مالية، وتخفيضات قسرية في الاستهلاك، في حين أظهرت الولايات المتحدة والصين مستويات جديدة من الحصانة والنفوذ. وثمة في الأفق آثار مؤجلة. بسبب الاختناق في عمليات التكرير، يجري تسعير الديزل وغيره من المنتجات النفطية المكررة بأسعار أعلى بكثير مما يفترض أن تكون عليه في ظل أسعار النفط المعلنة حاليًا. وتجعل هذه الصدمة أيضًا عملية إعادة ملء مخزونات الغاز الطبيعي في أوروبا أكثر صعوبة وتكلفة، ما يترك القارة عند مستويات تخزين أدنى من المعتاد، ويجعلها أكثر عرضة للضغوط والابتزاز في مجالَي الطاقة والجيوسياسة خلال الشتاء المقبل.
كشفت الأشهر الخمسة الماضية أن العالم لم يصبح محصنًا ضد أزمات الطاقة، لكنها أظهرت أيضًا أن قوى السوق والسياسات والاستثمارات الحكومية في أمن الطاقة قد أثمرت. ومن دون بذل جهود متجددة لإعادة بناء هذه القدرة على الصمود، فإنها ستتآكل سريعًا في عالمنا المنقسم جيوسياسيًا اليوم. لذلك، وقبل أن تتكشف مرحلة جديدة من هذه الأزمة، يتعين على صانعي السياسات تحليل الكيفية التي نشأت بها هذه القدرة على الصمود. وعليهم كذلك أن يدركوا أنه، مع تغير منظومة الطاقة منذ سبعينيات القرن الماضي، تغيرت أيضًا الطريقة التي تنتشر بها صدمات الطاقة في أنحاء العالم، وكذلك التدابير اللازمة للتحصين ضدها. ومن شأن فهم هذه الديناميات أن يهيئ العالم بصورة أفضل لمواجهة صدمة الطاقة الحتمية المقبلة.
ما كان يمكن أن يحدث
عندما أغلقت طهران مضيق هرمز بعد أيام من الهجمات الأميركية والإسرائيلية في أواخر شباط (فبراير)، وصف رئيس “الوكالة الدولية للطاقة” ذلك بأنه “أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية”. ولكن، حتى مع بقاء المضيق مغلقًا بصورة شبه كاملة لما يقرب من أربعة أشهر -إلى أن وقّعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم في منتصف حزيران (يونيو)- بلغ متوسط سعر خام برنت أكثر قليلًا من 100 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولارًا للبرميل عندما بدأت الحرب. وكان أعلى سعر -وقد بلغ 126 دولارًا للبرميل في نيسان (أبريل)- أقل بكثير من مستوى 200 دولار للبرميل الذي حذر من بلوغه محللون مخضرمون. وحتى بعد أن أعادت طهران إغلاق المضيق أمام حركة ناقلات النفط مرة أخرى في تموز (يوليو) إثر انهيار وقف إطلاق النار، تراجع سعر البرميل إلى نطاق الثمانينيات من الدولارات.
ثمة العديد من العوامل التي أسهمت في هذا الارتفاع المحدود نسبيًا للأسعار. وكما كان متوقعًا، اضطُر الطلب على النفط إلى الانخفاض ليتواءم مع الإمدادات المتاحة. ووفقًا لـ”الوكالة الدولية للطاقة”، تراجع الطلب بنحو خمسة ملايين برميل يوميًا في الربع الثاني من العام 2026، مع دفع حالات النقص وارتفاع الأسعار المستهلكين إلى تقليص استهلاكهم، وفرض كثير من الحكومات إجراءات طارئة لتقنين الوقود. لكنّ تعديل الطلب بفعل ارتفاع الأسعار لم يكن بالحدة التي كان يمكن توقعها. ويرجع ذلك -في جزء منه- إلى أن التوقيت كان مواتيًا نسبيًا في دورة سوق النفط. كان من المتوقع أن تتجاوز الإمدادات الطلب بفارق كبير هذا العام. وكانت مخزونات النفط وفيرة نسبيًا. وكانت دول (أوبك) تزيد الإمدادات بوتيرة أسرع من المتوقع. كما أن تشديد العقوبات على روسيا أدى إلى وجود كميات أكبر من النفط الروسي على متن ناقلات، وجاهزة للاستخدام عند الحاجة.
لعبت الحالة النفسية والخطاب السياسي أيضًا دورًا في إبقاء علاوة المخاطر الجيوسياسية منخفضة. فقد أدت تأكيدات الرئيس دونالد ترامب المتكررة، في تصريحاته العلنية ومنشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، بأن التوصل إلى حل للصراع بات وشيكًا، إلى دفع الأسعار نحو الانخفاض في كثير من الأحيان، حيث جاءت تلك التأكيدات في لحظات حساسة بالنسبة إلى الأسواق. كما أن احتمال عودة ملايين البراميل يوميًا بصورة مفاجئة إلى سوق كانت تعاني أصلًا فائضًا في المعروض قبل الأزمة، جعل من الأكثر مخاطرة بالنسبة للمتداولين الإبقاء على رهانات كبيرة على استمرار ارتفاع الأسعار. وقد أضعفت هذه الظروف -ولو مؤقتًا- الصلة بين الأسعار والنقص الفعلي في النفط.
كان الاستثمار الحكومي السابق في البنية التحتية أكثر أهمية من هذه الديناميات في الحد من حدة أزمة النفط التي كان يمكن أن تنشأ. وقد سارعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى تعظيم الطاقة الاستيعابية لخطوط الأنابيب التي تتجاوز مضيق هرمز، والتي كانتا أنشأتاها قبل سنوات -تحديدًا كإجراء تحوطي في مواجهة هذا النوع من الاضطرابات. وقد نقلت هذه المسارات مجتمعةً أكثر من خمسة ملايين برميل إضافي يوميًا إلى الأسواق العالمية. وبالاقتران مع صادرات النفط الإيرانية التي استمرت حتى أواخر نيسان (أبريل)، أسهمت خطوط الأنابيب في تقليص العجز في صادرات النفط الخليجية إلى نحو 13 مليون برميل يوميًا بدلًا من كامل الكمية التي كانت تمر عبر المضيق، والبالغة 20 مليون برميل يوميًا، قبل إغلاقه.
كما ساعد الاستخدام الفعّال للنفط المخزّن على تخفيف الضغوط أيضًا. فقد عمد المتداولون وشركات الطاقة إلى السحب من المستويات المرتفعة من المنتجات النفطية التجارية التي كانت مخزنة لديهم. ولعل الأهم من ذلك كان قيام “الوكالة الدولية للطاقة”، التي أُنشئت في أعقاب أزمة النفط للعام 1973، بتنسيق أكبر عملية سحب على الإطلاق من مخزونات النفط الطارئة التابعة لأعضائها. وقد عوّضت عمليات السحب من المخزونات التجارية والإفراج عن المخزونات الحكومية، مجتمعةً، ما يقرب من خمسة إلى ستة ملايين برميل يوميًا من اضطراب الإمدادات.
وفي الولايات المتحدة، أدى ارتفاع إنتاج النفط والسحب من المخزونات التجارية والاستراتيجية إلى إحداث قفزة في صادرات الخام والمنتجات النفطية الأميركية إلى مستويات قياسية تاريخية، مما أدى إلى تغيير دور البلد في سوق الطاقة العالمية. وخلال الربيع، أصبحت الولايات المتحدة أكبر مُصدّر للنفط في العالم، وتحولت لفترة وجيزة إلى مُصدّر صافٍ للنفط الخام للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.
ربما كان أكثر عوامل الحماية إثارة للدهشة في هذه الأزمة كان الصين. فقد خفّضت بكين وارداتها من النفط بنحو خمسة ملايين برميل يوميًا حتى حزيران (يونيو)، مخففة بذلك الضغوط على السوق العالمية. وعلى الرغم من صعوبة تحديد الأرقام الدقيقة لأن الصين لا تنشر بيانات رسمية عن مخزوناتها، فقد توقفت بكين عن شراء النفط لملء احتياطياتها الاستراتيجية -بل وسحبت بعض النفط من مخزوناتها أيضًا، حتى وإن كان معظم ذلك من المخزونات التجارية وليس الاحتياطيات الاستراتيجية. كما قيّدت صادرات المنتجات النفطية المكررة، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، إلى الدول المجاورة، مما قلل الحاجة إلى استيراد النفط الخام لتغذية مصافيها المحلية، وحصّن سوق الخام العالمية -حتى وهي تلحق أضرارًا بدول شرق آسيا التي تعتمد على صادراتها من المنتجات النفطية. وبالإضافة إلى ذلك، انخفض الطلب المحلي الصيني على النفط استجابةً لارتفاع الأسعار وتدابير ترشيد الاستهلاك.
كما سلك الغاز الطبيعي المسال مسارًا مشابهًا لمسار النفط أيضًا، على الرغم من اختلاف السلعتين اختلافًا كبيرًا. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز والهجمات الإيرانية على منشآت الغاز الطبيعي المسال إلى قطع معظم صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، التي تمثل نحو خُمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال. لكن أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء ارتفعت بأقل مما توقعه كثيرون؛ حيث تضاعفت أسعار الغاز المرجعية في أوروبا من نحو 35 دولارًا إلى 70 دولارًا لكل ميغاواط/ساعة، وهي تظل أقل بكثير من الذروة التي تجاوزت نحو 350 دولارًا لكل ميغاواط/ساعة التي بلغتها الأسعار في العام 2022 في أعقاب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. وكانت مشاريع جديدة لإسالة الغاز، وخاصة في الولايات المتحدة، قد بدأت في زيادة إنتاجها بحيث عوّض ما يُقدّر بنحو 40 إلى 50 في المئة من الكميات المفقودة من الخليج. كما صدّرت دول راسخة في سوق الغاز، مثل نيجيريا وماليزيا، كميات من الغاز الطبيعي المسال تفوق التوقعات. وفي الوقت نفسه تكيّف الطلب الآسيوي؛ فتحولت بعض مرافق توليد الكهرباء من العمل على الغاز إلى الفحم، بينما خفّض بعض المستخدمين الصناعيين استهلاكهم بصورة كاملة. واستفادت أوروبا من طاقة استيراد الغاز الطبيعي المسال التي أنشأتها منذ العام 2022 ومن زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة أيضًا، على الرغم من أنها اضطرت إلى منافسة آسيا على الشحنات المحدودة، والسحب من مخزوناتها المنخفضة أصلًا، وتحمل قدر كبير من تدمير الطلب، حيث أجبرت الأسعار المرتفعة الشركات على خفض إنتاجها.
جغرافيا جديدة
ألقت أحداث الأشهر الخمسة الماضية الضوء على شؤون أبعد من الكيفية التي تمكن بها نظام الطاقة العالمي من الصمود أمام إغلاق مضيق هرمز. فقد كشفت أيضًا عن الكيفيات التي أسهمت بها التغيرات التدريجية -وإن كانت حقيقية- في هذا النظام في خلق حقائق ومخاطر جيوسياسية جديدة؛ وبشكل خاص كيف أعادت التحولات في مصادر إمدادات الطاقة والطلب عليها رسم جغرافيا صدمات النفط. ولم تعد البلدان الأكثر قدرة على استيعاب الاضطرابات، وتلك التي تُجبر على تحمل أكبر التكاليف، هي البلدان نفسها التي كانتها من قبل.
أصبحت الولايات المتحدة اليوم أكثر قدرة على الصمود أمام صدمات النفط مما كانت عليه في أي وقت خلال نصف القرن الماضي على الأقل. ولأن تسعير النفط يتم في سوق عالمية، لم يكن الأميركيون بمنأى عن ارتفاع أسعار البنزين. لكن الولايات المتحدة تجاوزت اضطراب الإمدادات بصورة أفضل بكثير مما كانت لتفعل قبل عقد من الزمن لأنها تستهلك كمية أقل من النفط لكل وحدة من الناتج الاقتصادي؛ ولأنها تنتج كميات أكبر بكثير من النفط. وقد أصبح الاقتصاد الأميركي الآن أكبر بنحو أربعة أضعاف مما كان عليه في العام 1973، لكن الطلب المحلي على النفط لا يتجاوز اليوم مستويات أعلى قليلًا مما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي. وفي حين كانت البلاد تستورد 60 في المئة من احتياجاتها النفطية قبل عقدين فقط، أصبحت اليوم أكبر منتج للنفط في العالم، ومُصدّرًا صافيًا رئيسيًا له. ويعني هذا التحول أنه على الرغم من أن ارتفاع الأسعار يزيد التكاليف على المستهلكين الأميركيين، فإنه يولد في الوقت نفسه دخلًا للمنتجين والعمال والمساهمين الأميركيين. وقدّر اقتصاديون في “بنك الاحتياطي الفيدرالي” في دالاس أن صدمة نفطية مماثلة لصدمة هذا العام كانت ستؤدي إلى خفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الولايات المتحدة بمقدار 5.6 نقطة مئوية في العام 1980، مقارنة بـ0.3 نقطة مئوية فقط اليوم.
بالإضافة إلى ذلك، كانت الزيادات في الأسعار الناجمة عن أزمة هرمز أقل حدة في الولايات المتحدة منها في آسيا وأوروبا، حيث دفعت حالات النقص سعر تسليم النفط إلى مستويات أعلى بكثير -لفترات من الزمن- من السعر المتداول في سوق العقود الآجلة. وفي سوق عالمية، كانت الولايات المتحدة ستواجه في نهاية المطاف ضغوطًا مماثلة. لكن هذه الأزمة تشير إلى أن وفرة الإنتاج المحلي تمنح الولايات المتحدة فترة ثمينة من الحماية في مواجهة اضطرابات الإمدادات تفتقر إليها الاقتصادات الأكثر اعتمادًا على الواردات. وكان هذا التباين مع بقية العالم أكثر وضوحًا في حالة الغاز الطبيعي، حيث دفعت الاضطرابات التي أصابت تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز الأسعار في أوروبا وآسيا إلى الاقتراب من 20 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (BTU)، في حين ظلت أسعار الغاز الطبيعي القياسية في الولايات المتحدة دون 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وأدت وفرة إنتاج الغاز المحلي في الولايات المتحدة -إلى جانب سوقها المنفصلة نسبيًا عن الأسواق الخارجية- إلى تحصين البلاد إلى حد كبير من الصدمة العالمية. وكان الاقتصادي لوكاس ديفيس قد حسب في وقت سابق من هذا العام أن انفصال أسعار الغاز الطبيعي الأميركية عن الأسعار العالمية وفّر على المستهلكين الأميركيين نحو 5 تريليونات دولار خلال العقدين الماضيين.
ثمة مفارقة مقلقة يصنعها تحصين الأميركيين الأكبر من الصدمات العالمية للنفط والغاز: الدولة التي تُحدث اضطرابًا كبيرًا في النظام الدولي تتمتع في الوقت نفسه بحصانة نسبية تجاه تبعات أفعالها. وعلى مدى عقود، كان استخدام واشنطن للإكراه الاقتصادي والعسكري مقيدًا -جزئيًا على الأقل- بالأضرار التي يمكن أن تلحقها هذه الإجراءات بالولايات المتحدة نفسها، بما في ذلك من خلال صدمات النفط. ومع تراجع هذا القيد، ربما يتراجع معه أيضًا الحافز إلى ضبط النفس.
وقد تغير أيضًا دور الصين في أزمات الطاقة العالمية. فقد أظهر الانخفاض الكبير في وارداتها من النفط الدور المحوري الذي أصبحت تؤديه الآن في امتصاص صدمات الإمدادات. وباعتبارها أكبر مستورد للنفط -وبفارق كبير أكبر دولة تمتلك مخزونات نفطية- تستطيع الصين تغيير توازن الطاقة العالمي من خلال تعديل الكميات التي تشتريها أو تصدرها أو تخزنها أو تفرج عنها؛ وهي قدرة قد تصبح أكثر أهمية في المرحلة المقبلة من هذه الأزمة. وفي حين استُنزفت المخزونات في دول “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، يبدو أن الصين لم تسحب سوى كمية محدودة نسبيًا من مخزونها المقدّر بنحو 1.4 مليار برميل. وقد يعتمد تجنب ارتفاع أكثر حدة بكثير في الأسعار خلال الأشهر القليلة المقبلة، في جزء منه، على استعداد بكين لاستخدام هذه الاحتياطيات.
تمنح هذه الدينامية الجديدة الصين مصدرًا محتملًا بالغ القوة للنفوذ الجيوسياسي في المستقبل. كان الرؤساء الأميركيون على مدى عقود يتصلون بالقادة السعوديين خلال أزمات النفط لطلب الإفراج عن طاقة الإنتاج الاحتياطية التي تحافظ عليها الرياض بتكلفة تتحملها جزئيًا مقابل النفوذ الذي توفره لها. وإذا أصبحت المخزونات الصينية إحدى آخِر خطوط الدفاع في مواجهة الارتفاعات الضارة في الأسعار العالمية، فقد تجد بكين نفسها وهي تحتل موقعًا مماثلًا.
بينما تقوم الجغرافيا الجديدة لصدمات النفط بتعزيز قوة الولايات المتحدة والصين مقارنة بالدول الأخرى، انتقل عبء موازنة سوق النفط الآن نحو البلدان المستوردة الأكثر فقرًا. في العقود الماضية، كانت التخفيضات في الطلب اللازمة لموازنة نقص الإمدادات تأتي أساسًا من الاقتصادات المتقدمة التي كانت تستهلك أكبر كميات النفط. واليوم، تمثل دول “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” أقل من نصف الطلب العالمي على النفط، مقارنة بثلاثة أرباعه في العام 1970. وأصبح الطلب على النفط الآن أعلى في الاقتصادات الناشئة والنامية التي تمتلك هوامش مالية أضيق وقدرة أقل على تحمل ارتفاع الأسعار -وهو ما يعني أن تدمير الطلب يحدث في وقت أبكر وعند مستويات سعرية أدنى، مع اللجوء إلى التقنين والتخفيضات القسرية في الاستهلاك.
ظهر هذا النمط بوضوح خاص في آسيا، حيث تعتمد اقتصادات كثيرة اعتمادًا كبيرًا على النفط الخام والمنتجات المكررة القادمة من الشرق الأوسط. وأصبح وقود الطائرات إحدى أكثر نقاط الضغط حدة هذا العام، حيث وصلت الأسعار الفورية لفترة وجيزة إلى ما يقرب من 200 دولار للبرميل في بعض الأماكن. واعتمدت عشرات الدول النامية والناشئة نحو 200 إجراء طارئ، شملت فرض تدابير لترشيد الاستهلاك، وتقديم دعم للوقود، وتعليق الضرائب، وبذل جهود طارئة لتأمين إمدادات بديلة. وفرضت بنغلاديش قيودًا على استخدام أجهزة تكييف الهواء، وقلّصت لاوس أسبوع الدراسة، وأعلنت سريلانكا عطلة رسمية إضافية. وأجبر نقص غاز البترول المسال الأسر والمطاعم في الهند على خفض استهلاكها؛ في حين حددت كينيا ونيجيريا سقفًا لارتفاع أسعار الوقود أو علّقتا ضرائب الوقود، ناقلتين العبء من المستهلكين إلى الموازنات العامة المثقلة بالأعباء مسبقًا.
وإذن، لا تعكس صدمة الأسعار العالمية المحدودة نسبيًا اضطرابًا أقل حدة في إمدادات النفط. وما يحدث هو أن السوق تعيد تحقيق التوازن عند مستوى سعري أدنى لأن البلدان منخفضة الدخل تتحمل بصورة غير متناسبة وطأة الأزمة. وقد تبدو مثل هذه الصدمات قابلة للإدارة بالنسبة لواشنطن أو بروكسل -فقط لأن جزءًا كبيرًا من عملية التكيف يجري في بلدان أكثر هشاشة، حيث قد لا تتضح التداعيات السياسية -وحتى الأمنية- بصورة كاملة إلا بعد مرور بعض الوقت.

اقرأ أيضا: 5 وجبات خفيفة تدعم إنقاص الوزن.. اختصاصية تغذية تكشف أسرارها

*جيسون بوردوف Jason Bordoff: المدير المؤسس لمركز سياسة الطاقة العالمية وأستاذ الممارسة المهنية في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا. وخلال إدارة أوباما، شغل منصب المدير الأول لشؤون الطاقة وتغير المناخ في طاقم مجلس الأمن القومي.
*ميغان إل. أوسوليفان Meghan L. O’Sullivan: مديرة مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية، وأستاذة جين كيركباتريك للممارسة في الشؤون الدولية بكلية كينيدي بجامعة هارفارد. وخلال إدارة جورج دبليو بوش، شغلت منصب نائبة مستشار الأمن القومي لشؤون العراق وأفغانستان.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Long Shadow of the Iran Shock: Hormuz and the New Geography of Energy Power

‫0 تعليق