تواصل الأسواق الناشئة استعادة جاذبيتها الاستثمارية، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة ومخاطر التضخم، مع اتجاه المستثمرين العالميين إلى تنويع محافظهم بعيدًا عن الأصول الأمريكية. وأسهم تحسن السياسات الاقتصادية، وارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي، وتعميق أسواق رأس المال المحلية في تعزيز قدرة الاقتصادات الناشئة على امتصاص الصدمات الخارجية.
اقرأ أيضا: وول ستريت جورنال: خطة سرية لإيران لتوسيع نطاق الحرب وإشعال الخليج وباب المندب
وذكرت وكالة رويترز أن تدفقات الاستثمارات إلى ديون الأسواق الناشئة بلغت مستويات هي الأعلى منذ أكثر من عقدين، فيما سجلت حكومات هذه الدول إصدارات قياسية من السندات. وأظهرت بيانات معهد التمويل الدولي أن المستثمرين الأجانب ضخوا نحو 214.4 مليار دولار في ديون الأسواق الناشئة حتى يوليو، مقابل 177.7 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
عودة الأموال بعد عقد من الاضطرابات
يرى مديرو استثمار أن الأسواق الناشئة بدأت الخروج من فترة طويلة من الضغوط، امتدت تقريبًا من 2015 إلى 2025، وشهدت قوة الدولار، وارتفاع جاذبية الاقتصاد الأمريكي، وأزمات ديون وتخلفًا عن السداد، فضلًا عن تداعيات جائحة كورونا.
وقال ديفيد هاونر، رئيس استراتيجية الدخل الثابت للأسواق الناشئة في بنك أوف أمريكا، إن سنوات تدفق الأموال إلى الخارج تركت الأسواق الناشئة في حالة من نقص الاستثمار، مشيرًا إلى أن التدفقات الأخيرة تمثل بداية لتعويض جزء محدود فقط من هذا التراجع.
وتعزز هذا الاتجاه مع تحسن الأساسيات الاقتصادية في عدد من الدول، بعد سنوات من تعزيز استقلالية البنوك المركزية وزيادة احتياطيات النقد الأجنبي، إلى جانب حصول دول مثل باكستان وغانا والإكوادور ونيجيريا والأرجنتين على ترقيات ائتمانية.
السندات المحلية تتصدر اهتمام المستثمرين
تظهر التحولات بصورة أكثر وضوحًا في أسواق الدين المحلية، التي أصبحت أقل اعتمادًا على المستثمرين الأجانب وأكثر قدرة على توفير التمويل للحكومات من داخل اقتصاداتها.
وبلغ حجم السندات السيادية المقومة بالعملات المحلية القائمة في الأسواق الناشئة نحو 13 تريليون دولار بنهاية 2024، مقارنة بنحو 1.4 تريليون دولار فقط من السندات السيادية الدولية المقومة بالعملات الأجنبية، وفق أبحاث بنكي «جي بي مورجان» و«يو بي إس».
ويرى هاونر أن عملات دول مثل البرازيل وكولومبيا ومصر ونيجيريا تتمتع بموقع جيد للاستفادة من هذا التحول.
كما ساهم اتساع قاعدة المستثمرين المحليين في الحد من سرعة انتقال الصدمات العالمية إلى الأسواق الناشئة، إذ أصبحت صناديق التقاعد والمؤسسات المالية والمستثمرون المحليون يمثلون مصدرًا أكثر استقرارًا للطلب على السندات.
187 مليار دولار إصدارات قياسية
وسجلت حكومات الأسواق الناشئة إصدارات سندات بقيمة تقارب 19 مليار دولار خلال يوليو وحده، أي نحو ضعف المتوسط المسجل للشهر نفسه خلال العقد الماضي.
ورفع ذلك إجمالي الإصدارات منذ بداية العام إلى نحو 187 مليار دولار، وهو مستوى قياسي، في مؤشر على استمرار قدرة هذه الاقتصادات على الوصول إلى أسواق التمويل الدولية والمحلية رغم ارتفاع المخاطر العالمية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع بقاء مؤشر مخاطر العملات في الأسواق الناشئة، الذي تتابعه «كابيتال إيكونوميكس»، بالقرب من أدنى مستوياته في عدة سنوات.
الأسهم تواجه صورة أكثر تعقيدًا
ولا تتوزع شهية المستثمرين بالتساوي بين جميع فئات الأصول. ففي حين شهدت السندات تدفقات قوية، سجلت أسهم الأسواق الناشئة خروج نحو 86 مليار دولار حتى يوليو، أي ما يقارب عشرة أضعاف التدفقات الخارجة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
اقرأ أيضا: قانون العمل يحدد حقوق الموظف عند خفض الأجر أو تغيير مهام وظيفته لأسباب اقتصادية
وتأثرت الأسهم خصوصًا بتقلبات أسهم التكنولوجيا في كوريا الجنوبية وتايوان، مع موجات صعود وهبوط مرتبطة بالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.
كما يظل ارتفاع أسعار النفط والأسمدة مصدر خطر إضافي على الاقتصادات الناشئة، خصوصًا في ظل استمرار التوترات التي تؤثر على حركة الشحن عبر مضيق هرمز، واحتمالات انتقال ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة إلى معدلات التضخم المحلية.
تنويع المحافظ يدعم الأسواق الناشئة
ويرى مديرو استثمار أن أحد أبرز العوامل التي تدعم الأسواق الناشئة حاليًا هو إعادة توزيع الاستثمارات العالمية بعيدًا عن التركيز المفرط على الأصول الأمريكية.
وقالت ماغدالينا بولان، رئيسة أبحاث الاقتصاد الكلي للأسواق الناشئة لدى «بي جي آي إم»، إن الدور المتزايد للمستثمرين المحليين جعل انتقال الصدمات إلى الأسواق الناشئة مختلفًا عن الماضي، وساعد على الحد من موجات البيع الحادة وأزمات السيولة.
وبحسب لامين بوجيروا، مدير الصناديق لدى «كارميغناك»، من المتوقع أن يستمر تفوق ديون الأسواق الناشئة المقومة بالعملات المحلية حتى نهاية العام، مع إدراك المستثمرين أنهم قد يكونون مكشوفين بصورة أكبر من اللازم على الأصول الأمريكية.
ويشير هذا التحول إلى أن الأسواق الناشئة لم تعد مجرد رهينة لتحركات الدولار أو تدفقات رأس المال الأجنبية، بل باتت تمتلك أدوات داخلية أكبر لامتصاص الصدمات، ما يعزز قدرتها على جذب الاستثمارات في بيئة عالمية تتجه بصورة متزايدة نحو تنويع المخاطر وتوزيع رأس المال جغرافيًا.
اقرأ أيضا: كوشنر يبحث مع نتنياهو الانسحاب الإسرائيلي وإعادة إعمار غزة
