يبدو على عطا في كتابه «الأدب الصيني بالعربية.. الترجمة والتلقي والانتشار»، منحازاً تماماً إلى أهمية هذه «الخيانة المستحبة»، التي تُمثّلها الترجمة، وهي خيانة تزيد خصوصاً مع لغة لم نألف بغزارة الترجمة عنها مثل «الصينية»، ولا يزال المترجمون في الغالب الأعم بعيدين عن الإلمام بالسياق الذي أنتج آدابها وفنونها وفلسفتها وعلومها. ويزداد الأمر تعقيداً مع الكتابات الغارقة في المحلية أو المكتوبة بلغة مستغلقة ولو قليلاً على أفهام العموم.
اقرأ أيضا: «نكتة بايخة» تثير القلق – الوطن
وينطلق على عطا من «اقترابنا المعاصر من الثقافة الصينية سطحياً». وأن كثيرين منا لا يزالون يقاربونها بعيون غربية، وهي عيون تزاور عن الحقائق، وتريد شيطنة ثقافة الصين، أو إبخاس قيمتها، لأسباب تتعلق بتسوية صراعات لها أبعاد اقتصادية وعسكرية، وينظر إلى الثقافة فيها باعتبارها خادماً وليس مخدوماً.
ورغم أن امتداد العالم الإسلامي القديم، من غانا إلى فرغانة، وفي قلبه العالم العربي من طنجة إلى صلالة، كانت الخطوط مفتوحة عبر التاريخ بينه وبين الصين، فإن العرب والصينيين ظلوا سنوات طويلة يتبادلون الرؤية بنظارة غربية، محدبة على المآثر والفضائل، ومقعرة على العيوب والنقائص.
يتغير هذا الآن، فالصينيون أدركوا أن الكلمة يجب أن تسبق السلعة، والعبارة مفتاح تقديم «النموذج» إلى العالم، والعرب أدركوا أن الصين صاعدة كقوة كبرى في النظام الدولي، وقد تتسيّده في غضون وقت قصير جداً، بالقياس إلى تاريخها المديد كأمة، وهنا تولد «الترجمة» جسراً بين الطرفين.
يتتبع على عطا حركة الترجمة منذ بدايتها، ويأتي على ذكر كتب كثيرة نُقلت من الصينية إلى العربية، ويضع كتابه هذا ضمن سياقاتها، ويقارن بين هذا وما ترجمناه عن اللغات الغربية، خصوصاً في الأدب، ليقول إن التفاتنا إلى الأدب الصيني زاد عقب فوز مو يان بجائزة نوبل الغربية، وهنا يطل علينا الغرب من جديد ليرسم ولو جزءاً من خريطة اهتمامنا بآداب الصينيين، بعد أن التفت عرب سابقون إلى المنتج الثقافي الصيني في ثلاثة روافد: الفلسفة والحكم والاعتقاد الديني، حيث الكونفشيوسية والطاوية والبوذية، والحرب في كتاب «فن الحرب» لتسن تزو، الذي تُرجم إلى العربية عدة مرات، من منطلق إدراك أهميته القصوى في هذا المجال، والنموذج السياسي المتمثّل في «الماوية»، حيث إخضاع الاشتراكية للثقافة المحلية، ومعانقة الرؤية المعاصرة التي يزعم أصحابها أن فيها الخلاص للتقاليد الراسخة المتوارثة، التي تسكن العقول والنفوس.
اقرأ أيضا: وزارة التعليم تكشف آليات تغيير المسار بشهادة البكالوريا المصرية
لم يقف الكتاب عن حدود الينبغيات، مقتصراً على تنبيهنا لأهمية الترجمة عن الصينية، إنما يعرض ويحلل ويفسر ما يواجه الترجمة من الصينية إلى العربية من عقبات، منها الموارد المالية، وقلة المؤسسات الثقافية المتحمّسة لهذه المهمة قياساً إلى التي تنهض بالترجمة من الإنجليزية أو الفرنسية، وعدم اكتمال عملية خلق قاعدة من القراء للأدب الصيني، وغزارة إنتاج الأدباء الصينيين، مما يعني ضرورة وجود عملية انتقاء صعبة لتخيّر ما يفيد القراء العرب.
يبدو مما يطرحه «عطا» أن هذه العقبات آخذة في التراجع والتذليل، وأن المؤشر البياني للترجمة عن الصينية يتصاعد، ونراه هنا ينقل عن تقديم أحمد السعيد ورشا كمال لترجمتهما كتاب «تاريخ الأدب الصيني» للبروفيسور هونج تسى تشنج قولهما: «مع ترجمة الكثير من الأعمال الأدبية الصينية للغة العربية في العقد الثاني من القرن العشرين، تماشياً مع حركة توجّه الأدب الصيني للانتشار حول العالم من ناحية، ودفاعاً عن ثقافة عريقة، وأدب خلاب الملامح، فإن العالم لم تسنح له الفرصة بعد للتعرّف إلى تلك الملامح، بصورة صحيحة، فالصين دولة غزيرة الإنتاج الأدبي، ويستحق أدبها الدراسة والبحث الدقيقين».
نحن أمام كتاب يجمع بين عدة طرق في عرض مادته وتحليلها، الأول هو التحقيق الصحفي الاستقصائي المطول، والثاني هو ملامح يهبها حقل الأدب المقارن، والثالث هو علم اجتماع الأدب، ليجعلنا نزداد إيماناً بعد قراءاته بأهمية الترجمة، حتى لو كانت تنطوي على «خيانة»، فهي خيانة مستحبة، لا بد من عدم التوقف عن ارتكابها.
اقرأ أيضا: الطريق إلى أكاديمية الشرطة.. محمود عبد الراضي يستعرض منع المتزوجين من التقديم
