«الأحوال الشخصية للمسلمين».. مشروع الـ355 مادة ينتظر حسم النواب
اقرأ أيضا: 4 قوانين لـ«الاتصالات» على طاولة النواب.. من «الذكاء الاصطناعي» إلى «حماية الأطفال»
دخل مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين مرحلة جديدة من مساره التشريعى خلال عام 2026، بعدما انتقل من سنوات الإعداد والمراجعة إلى مجلس النواب، فى إطار تحرك حكومى لتنظيم شئون الأسرة المصرية فى تشريع أكثر شمولاً، يجمع الأحكام المتفرقة المنظمة للزواج والطلاق والحضانة والنفقة والولاية والرؤية وغيرها من الملفات، التى ظلت لعقود موزعة بين قوانين متعددة، ويأتى المشروع ضمن حزمة تشريعية وجه الرئيس عبدالفتاح السيسى بسرعة الانتهاء منها، بهدف تحديث منظومة الأحوال الشخصية، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الأسرى وحماية حقوق جميع الأطراف.
بدأت المرحلة الأخيرة من إعداد المشروع مع توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى للحكومة بسرعة الانتهاء من مشروعات قوانين الأسرة للمسلمين والمسيحيين، إلى جانب مشروع قانون صندوق دعم الأسرة، وإحالتها إلى مجلس النواب، وفى 29 أبريل 2026، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون بإصدار قانون الأسرة، تمهيداً لإحالته إلى البرلمان، وأكدت الحكومة أن المشروع يستهدف الحفاظ على الاستقرار الأسرى والمجتمعى، وحماية حقوق أطراف الأسرة، مع تبسيط الإجراءات والحد من المنازعات الأسرية.
وجاء المشروع فى صورة موسعة تضم 355 مادة موضوعية، موزعة على ثلاثة أقسام رئيسية تتناول الولاية على النفس، والولاية على المال، وإجراءات التقاضى أمام محاكم الأسرة، بما يجعله محاولة لإعادة بناء منظومة الأحوال الشخصية فى تشريع واحد أكثر تكاملاً.
ويمتد المشروع إلى معظم الملفات التى تمس الحياة اليومية للأسرة، من عقد الزواج وشروطه وتوثيقه، مروراً بالطلاق والخلع والعدة والرجعة، وصولاً إلى الحضانة والرؤية والاستزارة والنفقة والنسب والولاية على النفس والمال، إلى جانب تنظيم إجراءات التقاضى أمام محاكم الأسرة.
ومن أبرز المستجدات التى حظيت باهتمام واسع تنظيم الطلاق خلال السنوات الأولى من الزواج، إذ تنص المادة 84 على أنه إذا أراد الزوج تطليق زوجته ولم تمض على الزواج ثلاث سنوات، فعليه التوجه إلى رئيس محكمة الأسرة لاستكمال إجراءات الطلاق، مع استدعاء الزوجين ومحاولة الإصلاح بينهما، ويجوز للقاضى الاستعانة بأحد رجال الدين من الجهات الرسمية للمساهمة فى الصلح، وإذا تعذر الصلح وأصر الزوج على الطلاق، يثبت القاضى ذلك ويجيز له إيقاع الطلاق أمام المأذون أو الموثق المختص.
ويمتد التنظيم نفسه إلى الخلع خلال السنوات الثلاث الأولى من الزواج، إذ يشترط المشروع اللجوء إلى قاضى الأسرة أولاً لمحاولة الإصلاح قبل السماح للزوجة بإقامة دعوى الخلع، بما يعكس توجهاً نحو إعطاء التسوية الأسرية فرصة قبل الانتقال إلى الخصومة القضائية.
ويضع مشروع القانون مصلحة المحضون باعتبارها معياراً أساسياً فى تنظيم الحضانة، مع ترتيب أصحاب الحق فيها بدءاً من الأم ثم الأب، ثم المحارم من النساء وفق ترتيب محدد، مع منح المحكمة صلاحية عدم الالتزام بهذا الترتيب إذا اقتضت مصلحة الطفل ذلك.
وتنتهى الحضانة وفق المشروع عند بلوغ الصغير أو الصغيرة 15 عاماً ميلادياً، وبعدها يكون للمحضون حق اختيار الإقامة مع من كان له الحق فى حضانته حتى بلوغ سن الرشد بالنسبة إلى الصغير أو الزواج بالنسبة إلى الصغيرة، كما يضع المشروع قواعد خاصة للحالات التى يعانى فيها الطفل مرضاً عقلياً أو جسدياً يمنعه من رعاية نفسه.
كما يعالج المشروع أثر زواج الحاضن أو الحاضنة، ويضع استثناءات تراعى مصلحة الطفل، خصوصاً فى بعض الحالات التى يكون فيها استمرار الحضانة مع الأم هو الأكثر تحقيقاً لمصلحته.
ويحمل باب الرؤية أحد أبرز التغييرات فى المشروع، إذ لا يقتصر الأمر على تنظيم الرؤية المباشرة، وإنما يتيح كذلك الرؤية الإلكترونية، بما يتناسب مع الحالات التى يتعذر فيها اللقاء المباشر.
وتنص المادة 144 على إمكانية طلب الحكم بالرؤية إلكترونياً ابتداءً، كما تجيز استبدال الرؤية الإلكترونية بالمباشرة أو العكس أو التناوب بينهما، بقرار من قاضى الأمور الوقتية بمحكمة الأسرة، وتحدد المادة 145 مدة الرؤية المباشرة أو الإلكترونية بما لا يقل عن 3 ساعات أسبوعياً، مع مراعاة مصلحة المحضون وسنه وحالته الصحية، وفى الرؤية الإلكترونية يراعى توقيت البلد الذى يقيم فيه الطفل.
وفى المقابل، لا ينفذ حكم الرؤية من السلطة العامة جبراً، وفق المادة 142، بينما تضع المادة 141 آلية للتعامل مع امتناع الحاضن عن تنفيذ الرؤية، تبدأ بالنقل المؤقت للحضانة فى بعض الحالات وقد تصل إلى إسقاط الحضانة إذا تكرر الامتناع دون عذر مقبول وبما يتفق مع مصلحة المحضون.
يولى المشروع اهتماماً كذلك بالحقوق المالية الناتجة عن الطلاق، إذ ينظم نفقة العدة والمتعة، ويضع ضوابط لتقديرها ومواعيد المطالبة بها.
وتنص المادة 95، بحسب النص المنشور للمشروع، على استحقاق الزوجة المدخول بها فى زواج صحيح، إذا طلقت بائناً دون رضاها وليس بسبب من قبلها، للمتعة إلى جانب نفقة العدة، وتقدر المتعة بنفقة سنتين على الأقل، مع مراعاة حالة المطلق ومدة الزوجية، مع إمكانية الترخيص بالسداد على أقساط.
كما يتضمن المشروع قواعد تفصيلية بشأن العدة والرجعة ونفقة العدة، بما يستهدف ضبط الآثار القانونية المترتبة على انتهاء العلاقة الزوجية.
فى 4 مايو 2026، أحال مجلس النواب مشروع قانون الأسرة المقدم من الحكومة إلى لجنة مشتركة تضم لجنة الشئون الدستورية والتشريعية، ومكاتب لجان التضامن الاجتماعى والأسرة والأشخاص ذوى الإعاقة، والشئون الدينية والأوقاف، وحقوق الإنسان، لدراسته وإعداد تقرير بشأنه.
اقرأ أيضا: نائب محافظ مطروح يستعرض تطوير البوابة الإلكترونية ضمن منظومة البوابات الحكومية الموحدة
ومع وصول النص إلى البرلمان، بدأ النقاش حول عدد من مواده، خصوصاً ما يتعلق بالطلاق خلال السنوات الأولى من الزواج، والحضانة، والرؤية الإلكترونية، والنفقة، والولاية، وإجراءات التقاضى، ولم يعد المشروع أمام اختبار الصياغة القانونية فقط، وإنما أمام حوار تشريعى ومجتمعى واسع، فى ظل ارتباط أحكامه المباشر بحياة ملايين الأسر.
وأكد وكيل اللجنة التشريعية بمجلس النواب، النائب طاهر الخولى، أن المشروع يحتاج إلى حوار مجتمعى ومراجعة متأنية، باعتباره قانوناً يمس الأسرة المصرية، مشيراً إلى أهمية معالجة أوجه الخلل والتعارض فى التشريعات الحالية.
وفى موازاة مشروع الحكومة، برزت مقترحات نيابية تستهدف إعادة صياغة عدد من الملفات الأكثر إثارة للجدل فى قانون الأحوال الشخصية، وقالت النائبة فاطمة عادل، عضو مجلس النواب، إن مشروعها يتضمن تعديلات على الحضانة والاستضافة والنفقة وتسريع الفصل فى دعاوى الأسرة، من بينها رفع سن الحضانة إلى 9 سنوات، مع منح القاضى سلطة تقديرية فى تحديد المصلحة الفضلى للطفل، وتفعيل نظام الاستضافة بدءاً من سن 3 سنوات، لمدة تتراوح بين 8 و24 ساعة أسبوعياً، إلى جانب أسبوع خلال إجازة منتصف العام وأسبوعين خلال الإجازة الصيفية، وفق ضوابط تضمن سلامة الطفل.
كما يقترح المشروع إنشاء صندوق لدعم ورعاية الأسرة، يتولى صرف النفقة المحكوم بها فى حالات تعثر الأب، على أن تصبح المبالغ المصروفة ديناً مستحقاً عليه، فضلاً عن معالجة حالات عدم كفاية النفقة المحكوم بها، ويتضمن المشروع كذلك تطبيق نظام «الملف الواحد» فى قضايا الأسرة، بحيث تنظر الدعاوى المرتبطة بالطلاق والنفقة وحقوق الأطفال أمام قاضٍ واحد، بما يستهدف الحد من تضارب الأحكام وتسريع الفصل فى المنازعات، إلى جانب تشديد العقوبات على زواج الأطفال والتلاعب فى البيانات الرسمية المتعلقة بالحالة الاجتماعية.
وكان موقف الأزهر أحد أبرز التطورات التى صاحبت مناقشات المشروع، إذ أصدر المركز الإعلامى للأزهر الشريف بياناً فى 18 مايو 2026، أكد فيه أن مشروع قانون الأحوال الشخصية لم يُعرض على الأزهر حتى ذلك الوقت، وأن الأزهر لم يشارك فى صياغته بأى شكل.
وذكّر الأزهر بأنه سبق أن قدم فى أبريل 2019 مقترحاً متكاملاً لقانون الأحوال الشخصية، أعدته لجنة من هيئة كبار العلماء والأساتذة المتخصصين، موضحاً أنه لا يعلم مدى توافق المقترح السابق مع المشروع الحالى المتداول.
وأكد المركز الإعلامى أن الأزهر سيبدى رأيه الشرعى فى المشروع وفق العرف الدستورى والقانونى، عقب إحالته إليه رسمياً من مجلس النواب.
ومع تصاعد الجدل حول بعض المواد، قدمت الحكومة رسالة واضحة بأنها لا تتعامل مع مشروعها باعتباره صيغة نهائية غير قابلة للمراجعة، فقد أكد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى أن الحكومة منفتحة على أى آراء أو تعديلات يطرحها النواب بشأن المشروع، مشيراً إلى أن طبيعة قانون الأسرة تجعل من الطبيعى أن يثير نقاشاً واسعاً بسبب تعارض مصالح الأطراف التى ينظم علاقاتها.
ورغم إحالة المشروع إلى مجلس النواب وبدء النقاش حول مواده خلال دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعى الثالث، لم يصل إلى مرحلة الإقرار النهائى خلال هذا الدور، ليبقى أحد أبرز الملفات التشريعية المطروحة أمام المجلس فى دور الانعقاد الثانى.

اقرأ أيضا: حسين عبداللطيف يستقر على معسكر منتخب الناشئين قبل دورة سويسرا
