اتفاقية مكة.. تحالف دفاعي بين قدرات متكاملة وتهديدات متباعدة.. الخلفية والآفاق

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

خلفية الاتفاق ودوافعه

في السابع من أغسطس 2026، وبينما كانت
دفاعات جوية خليجية تشتبك مع مقذوفات إيرانية أُطلقت رداً على ضربات أمريكية
وإسرائيلية، وقف ثلاثة رجال في مكة ـ ولي العهد السعودي، والرئيس التركي، ورئيس
وزراء باكستان ـ ليوقّعوا نصاً جوهره جملة واحدة: أي هجوم على إحدى الدول الثلاث
هجوم عليها جميعاً. وقد وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بند الاتفاق بأنه “مطابق
تقنياً للمادة الخامسة في حلف الناتو”، فيما شدد وزير الخارجية الباكستاني
بعد يومين على أنه “ليس موجهاً ضد أي دولة” وأنه مفتوح أمام انضمام دول
أخرى.

اقرأ أيضا: روسيا تطور خبزًا جديدًا لدعم فقدان الوزن…

غير أن قراءة الاتفاقية تبدأ مما غاب عن
المشهد لا مما حضر فيه. فالوثيقة بلا نص تنفيذي منشور: لا تحديد لمن يرسل قوات،
ولمن، ومتى، وبأي مستوى. وهي ليست ولادة من عدم، بل توسيع لاتفاق الدفاع
الاستراتيجي السعودي ـ الباكستاني الموقع في سبتمبر 2025 الذي وصفه مسؤول سعودي
رفيع حينها لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية بأنه يُلزم الطرفين
باستخدام “كل الوسائل الدفاعية والعسكرية التي تقتضيها طبيعة التهديد”،
وأنه كان قيد الإعداد “أكثر من عام” أُضيفت إليه تركيا بقوتها العسكرية
الصناعية وعضويتها الأطلسية وموقعها الإستراتيجي بين قارتين وبين بحرين.

أما الدافع فيقرؤه التوقيت. الاتفاق لا يعلن
قطيعة مع واشنطن، إذ لا تملك أي من العواصم الثلاث ترف الاستغناء عن التكنولوجيا
والتنسيق والغطاء الأمريكيين. لكنه وُقّع والصواريخ تسقط على أرض يُفترض أن المظلة
الأمريكية تحميها، وقد يُفهم ذلك بوصفه توثيقاً للحظة لم تعد فيها تلك المظلة
وحدها كافية: وثيقة تنويع للمظلات الأمنية، غموضها المتعمد جزء من وظيفتها، إذ
تحتفظ كل عاصمة لنفسها بهامش مناورة.

تباين التهديدات بين المتحالفين

لو بُسطت خرائط التهديد للدول الثلاث على
طاولة واحدة لظهرت مشكلة الاتفاق الأولى بالعين المجردة. خريطة الرياض تتجه أسهمها
شرقاً نحو إيران ووكلائها من صنعاء إلى بغداد. خريطة إسلام آباد يحتل شرقها كله
خصم واحد اسمه الهند ـ وهو ما أكده الباحث في الجامعة الوطنية الأسترالية منصور
أحمد بقوله إن الوضعية النووية الباكستانية ستبقى موجهة نحو التهديد الهندي مهما
توسعت الشراكات. خريطة أنقرة موزعة بين المسألة الكردية والتمدد الإسرائيلي في
المجال السوري والتنافس في شرق المتوسط. ثلاث خرائط لا تلتقي أسهمها عند عدو واحد.
بمعنى صارخ: لا عدو مشترك.

أدبيات التحالفات تقول إن التحالفات المتينة
تُبنى على إدراك مشترك للتهديد لا على تجميع القدرات، وإن كل عضو في تحالف يعيش
بين خوفين: خوف الاستدراج إلى حرب ليست حربه، وخوف التخلي حين يحجم عنه الحلفاء
ساعة الحقيقة. وفي حالتنا، تخشى الرياض التخلي، بينما تخشى أنقرة وإسلام آباد
الاستدراج إلى مواجهة مع إيران أو الحوثيين لا مصلحة لهما فيها.

لو بُسطت خرائط التهديد للدول الثلاث على طاولة واحدة لظهرت مشكلة الاتفاق الأولى بالعين المجردة. خريطة الرياض تتجه أسهمها شرقاً نحو إيران ووكلائها من صنعاء إلى بغداد. خريطة إسلام آباد يحتل شرقها كله خصم واحد اسمه الهند ـ وهو ما أكده الباحث في الجامعة الوطنية الأسترالية منصور أحمد بقوله إن الوضعية النووية الباكستانية ستبقى موجهة نحو التهديد الهندي مهما توسعت الشراكات. خريطة أنقرة موزعة بين المسألة الكردية والتمدد الإسرائيلي في المجال السوري والتنافس في شرق المتوسط. ثلاث خرائط لا تلتقي أسهمها عند عدو واحد. بمعنى صارخ: لا عدو مشترك.

وللمنطقة سوابق في هذا الباب. حلف بغداد
(السنتو) الذي ضم تركيا وباكستان وإيران والعراق وبريطانيا تفكك تدريجياً بعد
انسحاب العراق ثم النظام الخميني، لا لنقص في الجيوش بل لتباعد تعريفات الخطر.
والتحالف الإسلامي العسكري الذي أطلقته الرياض عام 2015 بقي هيكلاً بلا مضمون
للسبب نفسه. ليس تحالف مكة نسخة من أي منهما، لكنها مرشحة لوراثة المرض المشترك.

غياب آلية القرار

لنتخيل، والافتراض هنا تحليلي صرف، صباحاً
تُصاب فيه ناقلة نفط سعودية بمقذوف مجهول المصدر قرب مضيق هرمز. ترن الهواتف في
العواصم الثلاث. في الرياض يُقرأ الحادث هجوماً مسلحاً يستوجب تفعيل البند. في
أنقرة حادثَ ملاحة يستوجب تحقيقاً. في إسلام آباد اختباراً يُحسن تجاوزه بصمت.
والنص الموقّع لا يرجّح قراءة على أخرى، لأنه لا يجيب عن السؤال التأسيسي لأي بند
دفاع جماعي: من يقرر أن الواقعة “هجوم مسلح”؟ ومن يملك حق الاعتراض، وفي
أي مهلة، وبأي نوع من الرد؟

وليس هذا افتراضاً بلا سابقة. فقد لاحظ
تحليل أكاديمي نشره موقع “ذا كونفرسيشن” أن اتفاق سبتمبر 2025 الثنائي
لم يُفعَّل يوماً ولم يُنتج أي استجابة شبيهة بالمادة الخامسة، رغم أن الهجمات
الإيرانية طالت الرياض في الحرب الجارية. أي أن بنداً كهذا وُجد فعلاً، ولم
يُفعَّل حين جدّ الجد.

هذه الثغرة تضاعف الخوفين معاً: تزيد قلق
الرياض من التخلي، لأن التزاماً بلا آلية يسهل التنصل منه، وتزيد قلق الشريكين من
الاستدراج، لأن غياب حق الفيتو الصريح يترك باب التورط مفتوحاً. ويمتد أثرها خارج
الحلف: فنيودلهي ستسأل عمّا إذا كان هجوم هندي على باكستان في أزمة كشميرية متجددة
سيُعدّ “هجوماً على السعودية”، والغموض نفسه قد يغري طهران باختبار
الحلف بضربات مدروسة تبقى تحت عتبةٍ لم تُعرَّف أصلاً. توقيعٌ جماعي؛ وقرارٌ لا
يملكه أحد.

مشكلة القيادة السعودية

الرجل الذي دعا إلى “التحالف الإسلامي
العسكري لمحاربة الإرهاب” في ديسمبر 2015، هو نفسه الذي شاهد الناس إعلامه
وأبواقه يفرحون أيما فرح بالمحاولة
الانقلابية في تركيا بعد سبعة أشهر فقط من قيام التحالف الذي كان أردوغان من
مؤسسيه. وهو الذي قاد حصار قطر عام 2017 بينما كانت قطر ضلعاً ثالثاً فيما يسمى
التحالف العربي في اليمن، ثم عاد ليعانق نفس الأمير في 2021. وهو الذي دخل حرب
اليمن واثقاً من حسم سريع وهو نفسه الذي يبحث لها عن مخرج منذ سنوات. والذي تصالح
مع طهران برعاية صينية عام 2023 هو نفسه الذي يوقّع اليوم حلفاً في مواجهتها وإن
لم يُعلن صراحة عن ذلك.

الوقائع موثقة ولا خلاف عليها، ودلالتها
تتصل بما هو معروف في دراسات مصداقية التحالفات: الأنظمة الشديدة الشخصنة تنتج
التزامات أقل مصداقية، لأن كلفة التراجع على القائد الفرد أدنى منها في الأنظمة
المؤسسية، ولأن السياسة الخارجية تتبع تفضيلات الحاكم مطلق الصلاحيات لا استمرارية
الدولة. وقد انصرف جزء ظاهر من طاقة القيادة السعودية في الأعوام الأخيرة نحو
المشاريع الاستعراضية الكبرى في العمران والترفيه والرياضة.

لا يعني ذلك أن الاتفاقية نزوة، فقد تكون
بداية تحول حقيقي. لكنه يعني أن مصداقيتها معلقة على انتقالها من مشروع “زعيم” إلى
مشروع دولة لها مؤسسات تبقى حين تتبدل التفضيلات. ما يوقّعه المزاج، يملك نفس
المزاج نقضه.

الموقع التركي

تركيا هي العضو الوحيد في حلف الناتو بين
الموقعين الثلاثة. صارت الآن داخل منظومتي دفاع جماعي في وقت واحد: المادة الخامسة
وبند مكة. هل تتعارض المنظومتان؟ الاحتمال نظري في الغالب، لكن السؤال نفسه مفيد
لأنقرة. فوجودها في الجهتين يجعل الجميع يحتاجها: الغرب يحتاجها كي لا تبتعد أكثر،
والكتلة الجديدة تحتاجها لأنها أقوى أعضائها عسكرياً وصناعياً. وهي أيضاً الطرف
الوحيد بين الثلاثة الذي يحتك بإسرائيل احتكاكاً مباشراً في سوريا ويخاصمها في غزة
والقدس. لهذا كله، كسبت أنقرة من مجرد الجلوس إلى الطاولة، قبل أن يُطلق الاتفاق
رصاصة واحدة. وقد لاحظ موقع “زون ميليتير” الفرنسي المتخصص أن هذا
التقارب السعودي ـ التركي نفسه كان “لا يمكن تصوره” قبل سنوات قليلة،
حين كانت العلاقات بين البلدين “على حد السكاكين” من الانقلاب الفاشل
إلى حصار قطر مروراً بقضية خاشقجي .

“إسرائيل” والاتفاق

لعقود تكرر مشهد واحد في سماء المنطقة:
طائرات تعبر ليلاً نحو دمشق أو بيروت أو صنعاء، تنفذ مهمتها وتعود سالمة، ولا يعقب
ذلك غالباً إلا البيانات. هذا المشهد، لا الوجود الإسرائيلي ذاته، هو ما تهدده
الاتفاقية في أفضل الأحوال. فالضرر المحتمل لا يقع على التفوق العسكري الإسرائيلي
بل على هامش العمل المنفرد: حرية اختيار توقيت التصعيد ومسرحه بكلفة إقليمية شبه
معدومة. وأي منظومة دفاع جوي وإنذار مبكر تركية-سعودية تغطي المشرق والبحر الأحمر
تجعل كلفة الضربة المنفردة، لأول مرة، متغيراً يُحسب.

وقد انشغل الإعلام الإسرائيلي بالاتفاق فور
توقيعه. حذّر الباحث يوئيل جوزانسكي من معهد دراسات الأمن القومي من قدرة الدول
العربية على بناء “آليات أمن إقليمية دون إسرائيل” تخفض دورها النسبي في
أي هندسة أمنية مقبلة، فيما رأت الصحفية ليزا روزوفسكي في “هآرتس” أن
المحور الثلاثي دليل على “فقدان الثقة الإقليمية بالولايات المتحدة وتآكل
مكانتها”. وكانت منابر اليمين الإسرائيلي قد تحدثت قبل ذلك صراحة عن “محور
سني” تقوده تركيا يجب كبح تمدده في سوريا وشرق المتوسط والبحر الأحمر.

ويوازي القلق الأمني أثر تفاوضي: فالرياض
التي كانت تفاوض على التطبيع منفردة، طالبة ضمانات أمريكية، قد تجد نفسها الآن
تفاوض بظهير جماعي، بما قد يرفع سعر التطبيع ويضيّق الموقع التفاوضي الإسرائيلي في
أي ترتيب لاحق لغزة. أما البعد النووي فتلزم فيه الدقة: النفي السعودي الرسمي لأي
صلة “بمساعٍ نووية أو سباق تسليح” موثقٌ ومتسقٌ مع النص المعلن، ولا
نملك دليلاً علنياً بعد على أي ترتيب يتجاوزه. لكن الاتفاق يزرع في حسابات الخصوم
سؤالاً بلا جواب مؤكد: أين ينتهي التعاون الدفاعي التقليدي وأين يبدأ الردع
الاستراتيجي الباكستاني؟ وقوة هذا البعد في بقائه خارج النص تحديداً.

لماذا غابت مصر؟

في صور القمة لم يكن ثمة مقعد للسيسي، حاكم
أكبر الدول العربية جيشاً وسكاناً. الرواية المتداولة تنسب الغياب إلى ضغوط
خارجية، والتفسير الأكمل في بنية النظام المصري نفسها. فأنظمة دول الجنوب، كما
تقول أدبيات الموازنة الشاملة، توازن ضد التهديدات الأخطر على بقاء النظام لا على
الدولة المجردة. وبهذا المقياس تتضح حسابات القاهرة: أمن النظام مرتبط بتفاهمات
سيناء وغزة مع إسرائيل، وملاءته المالية مرتبطة بالودائع والاستثمارات الإماراتية
التي توسعت خلال سنوات التعثر إلى أصول وموانئ ونفوذ داخل الاقتصاد. الانضمام إلى
محور قد يُقرأ في تل أبيب وأبوظبي كتلةً مناوئة يمثل، من منظور نظام السيسي،
مخاطرة تفوق عوائدها.

ويتقاطع هذا مع ثابتين أقدم من النظام
الحالي: عقيدة عسكرية ترسخت منذ كلفة تدخل اليمن عام 1962 وتتحفظ على خوض حروب
خارجية معلنة، وترتيب تهديدات يضع أمن مياه النيل، لا إيران، على رأس القائمة. على
أن اكتمال الصورة يقتضي ذكر الوجه الآخر: القاهرة تدرك أن أي كتلة سنية بلا مصر
ناقصة الشرعية، وقد يُفهم غيابها بوصفه أصلاً تفاوضياً ينتظر من يدفع ثمنه. وهو
موقف مفهوم تفاوضياً، لكنه يوحي بأن قرار أكبر دولة عربية بات معلقاً أساساً
بمتغيرين خارجيين: المال الخليجي والرضا الأمني الإسرائيلي.

الموقف الإماراتي

قبل سبعة أشهر من “تحالف مكة”، في
30 ديسمبر 2025، أصدر مجلس القيادة الرئاسي اليمني المحسوب على الرياض بياناً يلغي
اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات ويمهل قواتها أربعاً وعشرين ساعة لمغادرة
الأراضي اليمنية، بعد ضربات للتحالف على أسلحة في ميناء المكلا وبيان سعودي نادر
الصراحة يأسف «لما قامت به الإمارات من ضغط» على المجلس الانتقالي الجنوبي.
القطيعة بين الرياض وأبوظبي سبقت الاتفاقية إذن ولم تلحقها، وقد تُقرأ مكة جزئياً
بوصفها تتويجاً لها: إغلاقاً للجزيرة العربية أمنياً تحت قيادة الرياض بظهير غير
عربي وازن.

فالعلاقة بين ولي العهد السعودي وراعيه
السابق محمد بن زايد انتقلت خلال عقد واحد من الوصاية والرعاية المبكرة إلى
المنافسة المفتوحة حد النزاع: الانسحاب الإماراتي من اليمن ورعاية الانتقالي
الجنوبي، فصدام أوبك+ عام 2021، فمعركة المقرات الإقليمية، فضفتا حرب السودان. ومن
منظور أبوظبي، تجمع الاتفاقية خصمها المنفعي الرياض وخصمها الأيديولوجي أنقرة في
بنية واحدة.

كيف سترد الإمارات؟ لا نملك دليلاً علنياً
بعد على خطة إماراتية محددة، لكن توجد مؤشرات على الاتجاه. أبوظبي “لا تحب”
الأحلاف المعلنة أصلاً، وتفضل الشبكات: مجموعة I2U2 مع الهند وإسرائيل وأمريكا، وممر IMEC الذي يتجاوز
تركيا، وترتيبات بحرية مع الهند وفرنسا في الأفق. وعندها أدوات ضغط جاهزة: المال
في القاهرة، والانتقالي الجنوبي في اليمن، والدعم السريع في السودان، وأرض الصومال
في الصومال، وكلهم قريبون من السعودية. وقد بدأت تحليلات هندية وإسرائيلية تتوقع
أن يمنح إعلان مكة «دفعة أقوى» لتسريع الشراكة بين نيودلهي وتل أبيب وأبوظبي. أما
إعلان التحالف شبه الخفي مع إسرائيل والهند فمستبعد؛ قيمته في إنكاره، وسياق غزة
يجعل إعلانه خسارة صافية.

اقرأ أيضا: أزمة دبلوماسية بين باريس وطهران.. والأخيرة تمنع عودة موظفين فرنسيين

المواقف الغربية والإعلام المضاد

تتوزع القراءة الأمريكية على مستويين.
المنابر القريبة من البيت الأبيض قدمت الاتفاق بمنطق تقاسم الأعباء وإنجازاً
لسياسة الرئيس: حلفاء يمولون أمنهم ويشترون السلاح الأمريكي. وفي المقابل بدأت
أصوات محافظة تطرح أسئلة أثقل؛ فقد رأت افتتاحية “وول ستريت جورنال” أن “حين
تتخبط قوة عظمى، تبدأ القوى الإقليمية بترتيب أوضاعها بنفسها”، داعية واشنطن
إلى التساؤل عن سبب حاجة أحد أهم شركائها العرب إلى بنية أمنية بديلة أصلاً. ولا
نملك دليلاً علنياً بعد على تحفظ مؤسسي أمريكي معلن ـ من البنتاغون أو الخارجية أو
الكونغرس ـ لكنه، في اعتقادي، سيظهر في اشتراطات التسليح ونقل التكنولوجيا لا في
البيانات.

وحتى في طهران لم يغب الاستخفاف المدروس:
قدّمت المواقع المحافظة الاتفاقَ دليلاً على “فشل السعودية الاستراتيجي”،
مشككة في قدرة تركيا وباكستان على توفير ما عجزت واشنطن عنه. وهو استخفاف يخفي
قلقاً أقرّت به تحليلات إيرانية أخرى رأت في الاتفاق مؤشراً مبكراً على منظمة
إقليمية قد تضر بإيران على المدى البعيد.

أوروبياً، توقفت الصحافة الفرنسية المتخصصة
عند المفارقة التركية-السعودية وعند رمزية مكة بوصفها “رسالة وحدة إلى العالم
الإسلامي”، وفرنسا المشتبكة مع تركيا من اليونان وقبرص إلى ليبيا وعموم شرق
المتوسط، والمرتبطة بقاعدة في أبوظبي وشراكات دفاعية مع الهند والإمارات، قد يُفهم
موقعها الطبيعي في المحور المضاد وإن لم تعلن ذلك. وفي أثينا ونيقوسيا يكفي أن أي
ترتيب يرفع وزن تركيا الإقليمي يُقرأ تهديداً مباشراً، فيما لم تُخفِ الصحافة
الألمانية شكوكها في متانة تحالف يجمع أطرافاً بهذا التباين في الأولويات.

مؤشرات المتابعة

لا تُقاس الاتفاقية بعدد الجيوش ولا بالقدرة
النووية الباكستانية، بل بخمسة مؤشرات قابلة للرصد خلال العامين المقبلين:

1 ـ قيادة دائمة بأمانة وميزانية وأركان؛  2 ـ منظومة دفاع جوي وبحري
متكاملة تغطي الخليج والبحر الأحمر؛  3 ـ تصنيع دفاعي
ثلاثي يجمع التمويل السعودي بالمنصات التركية بالخبرة الباكستانية؛ 4 ـ مناورات دورية منتظمة؛  5 ـ والحاسم:
بروتوكول تشاور وقرار يعرّف “الهجوم المسلح” (في غياب تعريف من هو العدو
صراحة) ويحدد آلية الرد ومهله وحدود الاعتراض.

اتفاقية مكة، بمحصلة هذه القراءة، ليست بعدُ كتلة عسكرية بل تعهّد سياسي عالي السقف بين ثلاث دول تتكامل قدراتها ولا تتطابق تهديداتها، تعوزه آلية قرار، وتثقله شخصنة الضامن السعودي المؤسس، وتوجد مؤشرات على معسكر مضاد يتشكل في مواجهته من أبوظبي إلى نيودلهي وتل أبيب وقد تنضم لهم باريس.

وسيجري الاختبار في البحر قبل البر: البحر
الأحمر مجال الوظائف الأولى منخفضة الكلفة من إنذار ومرافقة ودفاع ضد المسيّرات،
بينما هرمز عتبة التماس المباشر مع القوة البحرية الإيرانية. وكل ذلك في مواجهة
أدوات تفكيك إيرانية جاهزة، من التنافس التركي ـ السعودي في سوريا إلى الورقة
الشيعية في باكستان وحدود بلوشستان.

وثمة مؤشر سادس يستحق الرصد: مسار التوسع.
ففي تقديري أن قطر والكويت، وقد طالتهما الهجمات الإيرانية أيضاً، هما المرشحتان
الخليجيتان الأقرب للانضمام. غير أن الحالتين لا تتماثلان. الكويت بلا ظهير عسكري
ثنائي وازن، وذاكرتها الأمنية محكومة بصدمة الغزو عام 1990 وما رسخته من إدراك أن
نجاتها مرهونة بمن يأتي لنجدتها؛ العضوية بالنسبة إليها إضافة ردع حقيقية، ولذلك
يبدو انضمامها المسار الأقرب.

أما قطر فتملك أصلاً ما تنتظره من مكة: تحالفاً
عسكرياً وثيقاً مع تركيا هو الذي أنقذها عام 2017، حين سارع البرلمان التركي إلى إقرار
نشر قوات في الدوحة وتحولت القاعدة التركية هناك إلى ضمانة بقاء. ولأنها تحوز
الحماية التركية ثنائياً وتستضيف في الوقت نفسه أكبر القواعد العسكرية الأمريكية
في المنطقة، فالمرجح أنها ستلوّح بالانضمام أكثر مما تنضم: فالتلويح وحده ورقة ضغط
على إيران التي طالت هجماتها أراضيها، وعلى الإمارات خصمِ سنوات الحصار، وعلى
إسرائيل التي لا تريد أن ترى الدوحة داخل مظلة دفاع جماعي تضم تركيا. بينما
العضوية الكاملة قد تكلفها توازنها الدقيق. وهكذا سيكشف مسار التوسع طبيعة
الاتفاق: إن انضمت الكويت وبقيت قطر على العتبة ملوّحة، فمكة نواة بنية أمنية تتسع
بحساب؛ وإن لم ينضم أحد، فهي تجمع ثلاثة لا أكثر، ما زال لم يُحدَّد من هو العدو
المشترك!

خلاصة القول

اتفاقية مكة، بمحصلة هذه القراءة، ليست بعدُ
كتلة عسكرية بل تعهّد سياسي عالي السقف بين ثلاث دول تتكامل قدراتها ولا تتطابق
تهديداتها، تعوزه آلية قرار، وتثقله شخصنة الضامن السعودي المؤسس، وتوجد مؤشرات
على معسكر مضاد يتشكل في مواجهته من أبوظبي إلى نيودلهي وتل أبيب وقد تنضم لهم
باريس.

ويبقى سؤالان معلقين بلا جواب: هل تتمأسس مكة فتنتقل من توقيع الزعماء إلى
بنية دولة؟ وبماذا سيرد الطرف الآخر ـ أبوظبي ونيودلهي وتل أبيب ـ على كتلة تُبنى
بالمعاهدات والجيوش، وهو الذي يبني محوره بالموانئ والممرات وما خفي أعظم؟ سباقٌ
بين مشروعين، والفيصل من يبني بنيته أسرع، ومن يكسب القاهرة، ومن تستنزفه طهران
قبل الآخر.

*ديبلوماسي
جزائري سابق

اقرأ أيضا: الاحتلال يصعّد في جنوب سوريا بالقصف والاعتقالات.. واستنفار للأهالي (شاهد)

‫0 تعليق