أسامة الأزهري وخفافيش التنظير! – الوطن

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في كل مرة ينجح فيها شخص في صناعة حالة عامة لافتة، تظهر محاولات لاختزال تجربته في مشاهد أو تفاصيل جانبية، وكأن المطلوب ليس تقييم ما يقدمه ويحققه، وإنما البحث عن مشهد عابر يصلح لإشعال معركة على مواقع التواصل الاجتماعي لصناعة تريند أو مغازلة مزاج الجهلة والعوام. وهذا ما جرى مع الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، على خلفية مقاطع ظهر فيها بعض تلاميذه ومحبيه وهم يقبلون يده تقديراً لمكانته العلمية والدينية.

اقرأ أيضا: بشرى سارة للمعلمين.. وزير التعليم يكشف مفاجأة بشأن التعيينات الجديدة – الأسبوع

وبعيداً عن الجدل الذي صاحب هذه المقاطع، فإن التعامل معها باعتبارها قضية كبرى تجعل أحد كبار الكتّاب يخرج علينا في فيديو ليشعل أزمة، حالة من المبالغة في غير محلها. فتقبيل يد العالم أو الشيخ تعبير موجود منذ مئات السنين في بعض البيئات العلمية والدينية يعبر عن المحبة والتوقير والتقدير لرجال الدين، ولا يصح اقتطاعه من سياقه الثقافي والعلمي ثم تحويله إلى معيار للحكم على شخصية الرجل أو مشروعه.

والأهم أن مكانة الدكتور أسامة الأزهري العلمية لم يصنعها منصبه الوزاري؛ فسيرته توثق مسيرته الأكاديمية والعلمية وإشرافه على رسائل جامعية وتدريسه في مؤسسات علمية، فضلاً عن سنوات طويلة من الخطابة والتدريس والبحث والاجتهاد العلمي.

لكن السؤال الحقيقي الذي يستحق النقاش هو: ماذا قدم الدكتور أسامة الأزهري منذ توليه مسئولية وزارة الأوقاف؟ وهو السؤال الذي ستحمل إجابته صدمة لكل من حاول انتقاد الرجل وتحويل مشهد عابر إلى قضية رأي عام.

فالإجابة يمكن البحث عنها في الملفات والإنجازات، لا في مقطع مصور مدته ثوانٍ.

وزارة الأوقاف، وفق تعريفها الرسمي، مسئولة عن الإشراف على المساجد، وتطويرها وتنظيم العمل الدعوي والعلمي بها، ومن ثم، فإن معيار تقييم الوزير ينبغي أن يكون في قدرته على تطوير هذه المنظومة. وفي هذا السياق توسعت الوزارة في البرامج الدعوية المشتركة مع الأزهر الشريف، حتى أعلنت في يوليو 2026 عقد 10180 ندوة علمية ضمن برنامج «المنبر الثابت» في 2036 مسجداً، في إطار مبادرة «صحح مفاهيمك» التي تستهدف تصحيح المفاهيم المغلوطة وتعزيز الخطاب الديني الوسطي.

أما مشروع «دولة التلاوة» فهو نموذج أكثر وضوحاً وحضوراً على فكرة استعادة الجمهور للمحتوى الديني الجاد بلغة العصر. فقد أعلنت وزارة الأوقاف أن البرنامج تجاوز حاجز المليار مشاهدة، واعتبره الجميع نموذجاً للمحتوى الجذاب والمبتكر، في تعاون كبير بين وزارة الأوقاف والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، لتقديم مواهب جديدة في قراءة القرآن لضمان تربُّع مصر على عرش دولة التلاوة بالعالم الإسلامي.

اقرأ أيضا: اللواء حابس الشروف: المشهد في الضفة الغربية صعب ومشتعل ونتنياهو يمنع أي حركة لعملية السلام

ولم يتوقف الأمر عند مشروع دولة التلاوة؛ فقد امتد الاهتمام إلى إعادة الروح لمجلة «منبر الإسلام» باعتبارها مجلة وزارة الأوقاف التاريخية. وتظهر الأرقام المعلنة من الوزارة عن نفاد الأعداد المطبوعة من المجلة بعد إعادة تطويرها، وهو ما يعد نجاحاً كبيراً يُحسب للدكتور أسامة الأزهري. هذه الملفات، وغيرها، هي التي تستحق النقاش. فأسامة الأزهري ليس مجرد وزير يشغل منصباً إدارياً، وإنما هو عالِم أزهري صاحب مشروع فكري يقوم على ترسيخ الوسطية ومواجهة التطرف وتصحيح المفاهيم، وهو ما يفسر أهمية تقييم تجربته من خلال أثرها الحقيقي في الخطاب الديني والمجال العام.

قد يختلف البعض معه، وهذا حق أصيل في النقاش العام، وقد تكون هناك ملاحظات مشروعة على أي تجربة وزارية. لكن تحويل مشهد اجتماعي أو ديني عابر إلى القضية الأساسية، بينما تتسع أمامنا ملفات تطوير المساجد، وتجديد الخطاب الديني، واكتشاف المواهب القرآنية، وتطوير الإعلام الديني، هو انحراف بالنقاش عن جوهره.

■ ■ المنصب لم يصنع قيمة أسامة الأزهري العلمية، وإنما حمل هو إلى المنصب رصيداً علمياً وفكرياً سابقاً عليه.

ولذلك، فإن الحكم عليه يجب أن يكون بما يضيفه إلى وزارة الأوقاف وإلى الحياة الدينية المصرية، لا بشيء آخر يمنعنا عن رؤية المنجَز الحقيقي الذي تحقق داخل وزارة الأوقاف.

اقرأ أيضا: المركزي: فائض صافي الأصول الأجنبية يرتفع إلى 17.8 مليار دولار بنهاية يوليو

‫0 تعليق