
لم تعد
المفاوضات الأمريكية- الإيرانية في طور “التعثر” بالمعنى التقليدي؛ إذ
تجاوز الخلاف مضمون الصفقة إلى مستوى أكثر تأسيساً يتعلق بمن يملك حق تحديد شروط
العودة إليها، ومن أي ميزان قوة ستبدأ الجولة المقبلة. ومن هذه الزاوية، تبدو
المرحلة الراهنة أقرب إلى حالة من الإنكار المتبادل لشروط الآخر: واشنطن تريد أن
تُقرأ أي عودة إيرانية بوصفها نتيجة لتراكم الضغط، بينما ترفض طهران أن تتحول
العودة إلى إقرار سياسي بأن الإكراه الأمريكي نجح في إعادة تعريف موقعها التفاوضي.
اقرأ أيضا: أرقام قياسية لمحمد صلاح قبل ظهوره الأول مع طرابزون سبور | رياضة وشباب
هذه
القراءة تفسر المفارقة بين اتساع حركة الوساطات وارتفاع منسوب التصعيد. فالحراك
العُماني والقطري والباكستاني، إلى جانب القنوات الأوروبية، لا يعني بالضرورة أن
التسوية باتت أقرب؛ بل قد يكشف أن شروط التفاوض المباشر لم تنضج بعد. وظيفة
الوسطاء في هذه المرحلة تبدو أقل اتصالاً بصياغة اتفاق نهائي، وأكثر ارتباطاً
باختبار حدود المرونة، وفرز الخطوط الحمراء الفعلية من المواقف التفاوضية، والبحث
عن صيغة تسمح للطرفين بالعودة دون أن يظهر أحدهما باعتباره الطرف الذي تراجع أولاً.
الحراك العُماني والقطري والباكستاني، إلى جانب القنوات الأوروبية، لا يعني بالضرورة أن التسوية باتت أقرب؛ بل قد يكشف أن شروط التفاوض المباشر لم تنضج بعد
وعليه،
فإن ما يجري يمكن وصفه بأنه تفاوض على التفاوض. فالطرفان لا يناقشان فقط ما الذي
يمكن تقديمه أو انتزاعه، وإنما يتنازعان حول تفسير الجولة السابقة من المواجهة: هل
نجح الضغط الأمريكي في تغيير الحسابات الإيرانية؟ أم أن طهران أثبتت أن التفوق
العسكري لا يكفي لإنتاج إخضاع سياسي؟ هذه ليست معركة سرديات فحسب؛ لأن الطرف الذي
ينجح في تثبيت تفسيره لنتيجة المواجهة سيحاول تحويله إلى رأسمال تفاوضي في الجولة
التالية.
ضمن هذه
المعادلة، يكتسب مضيق هرمز وظيفة تتجاوز كونه ممرّاً استراتيجيّاً أو ورقة ضغط
تقليدية. فالتجاذب بين الخطاب الأمريكي بشأن السيطرة عليه وتأكيد إيران أن قراره
لا يمكن انتزاعه من طهران يعكس صراعاً أعمق على تعريف معنى السيطرة ذاتها.
الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكريّاً وبحريّاً واضحاً، لكن إيران لا تحتاج إلى
تكافؤ مماثل حتى تحتفظ بقدرة مؤثرة؛ إذ يكفيها امتلاك قدرة تعطيلية تجعل كلفة
تأمين الممر واستقرار أسواق الطاقة أكبر من حدود المواجهة الثنائية.
وهنا تظهر
المفارقة المركزية في ميزان القوة: التفوق العسكري لا يتحول تلقائيّاً إلى تفوق
تفاوضي. واشنطن تستطيع إنتاج ضرر أكبر، لكن السؤال عما إذا كانت قادرة على تحويل
هذا التفوق إلى تغيير دائم في القرار الإيراني. وفي المقابل لا تستطيع طهران فرض
إرادتها عسكريّاً، لكنها تستطيع محاولة توزيع كلفة الضغط عليها عبر الجغرافيا
والطاقة والملاحة والاقتصاد الدولي. بذلك يتحول هرمز من أداة ردع إلى جزء من
اقتصاديات النفوذ الإيراني ومن عملية إعادة تسعير القوة قبل أي مفاوضات جديدة.
لهذا لا
ينبغي تفسير التصريحات المتشددة باعتبارها نقيضاً للدبلوماسية بالضرورة. فالمرحلة
الحالية أقرب إلى التفاوض من خارج غرفة التفاوض: الوسطاء ينقلون الرسائل، والميدان
يحدد حدود المخاطرة، والخطاب السياسي يرفع سعر التنازل، بينما يحاول كل طرف تحسين
موقعه قبل أن تصبح كلفة الانتظار أعلى من المكاسب الإضافية التي يمكن انتزاعها منه.
المرحلة الحالية أقرب إلى التفاوض من خارج غرفة التفاوض: الوسطاء ينقلون الرسائل، والميدان يحدد حدود المخاطرة، والخطاب السياسي يرفع سعر التنازل، بينما يحاول كل طرف تحسين موقعه قبل أن تصبح كلفة الانتظار أعلى من المكاسب الإضافية التي يمكن انتزاعها
لكن هذه
الاستراتيجية تحمل تناقضاً داخليّاً، فكلما بالغ الطرفان في تثبيت سردية الانتصار،
ضاقت قدرتهما على تقديم تنازلات لاحقة دون تحمل كلفة سياسية. ومن ثم فقد لا تكون
المشكلة المقبلة في العثور على عناصر الصفقة بقدر ما ستكون في هندسة مخرج يسمح
بتحويل التنازل إلى تسوية، والتراجع التكتيكي إلى إعادة تموضع، من دون كسر صورة
الردع لدى أي من الطرفين.
يبقى
السيناريو الأقرب على المدى القصير استمرار المفاوضات غير المعلنة عبر الوسطاء،
بالتوازي مع خطاب علني مرتفع السقف. والهدف هنا لن يكون إنجاز تسوية سريعة، بل
اكتشاف الحد الأدنى الذي يسمح باستئناف الاتصال المباشر دون منح أي طرف خصمه
انتصاراً سياسيّاً مجانيّاً.
اقرأ أيضا: الحكومة تعلن تثبيت 6 آلاف عامل مياومة في البلديات…
جوهر
التحول إذاً أن واشنطن وطهران لم تعودا تتفاوضان فقط على مضمون اتفاق محتمل؛ بل
على الواقع السياسي الذي ينبغي أن يسبق الاتفاق ويحدد معناه. ولهذا فإن المؤشر
الحقيقي على اقتراب التسوية لن يكون انخفاض حدة التصريحات أو زيادة عدد الوسطاء،
وإنما ظهور تغير في الوظيفة الدبلوماسية نفسها: انتقال الوسطاء من نقل الشروط إلى
مناقشة الصيغ، وفصل بعض الملفات، وتراجع محسوب في أدوات الضغط، وظهور ترتيبات يمكن
تنفيذها قبل الاتفاق الشامل.
المسألة -في
جوهرها- ليست فيما إذا كان الطرفان سيعودان إلى الطاولة، بل فيمن سينجح في تعريف
معنى تلك العودة. واشنطن تريدها برهاناً على فاعلية الإكراه؛ وطهران تريدها دليلاً
على أن الإكراه بلغ حدوده ولم ينتزع قرارها السياسي.
لهذا تبدو
المرحلة الراهنة أقل شبهاً بـ”ما قبل الاتفاق” وأكثر شبهاً بمرحلة
إعادة تأسيس قواعد التفاوض. وإذا عادت المفاوضات، فلن تكون استئنافاً تقنيّاً
للمسار السابق؛ بل ستولد من بيئة تغيرت فيها حسابات القوة والردع والكلفة، وأصبح
هرمز والوسطاء ومصداقية الضغط جزءاً من هندسة التسوية نفسها.
وبهذا
المعنى، فإن الصراع الجاري لا يحدد فقط إمكانية وجود اتفاق، بل يحدد ما هو أكثر
أهمية، يحدد أي اتفاق يمكن أن يصبح ممكناً، وتحت أي ميزان قوة، ومن سيملك حق رواية
الكيفية التي وُلد بها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
