تدخل أزمة مياه النيل مرحلة أكثر تعقيدا، مع تصاعد التصريحات الإثيوبية بشأن التحكم في تدفقات المياه إلى دول المصب، وكأنها امتلكت هذا النهر العظيم، قمع إعلان أديس أبابا اعتزامها إنشاء سدود جديدة دون إخطار مسبق، فنحن أمام تطور جديد يعيد ملف النزاع إلى الواجهة القانونية والدبلوماسية بقوة، وتأتي هذه التصريحات في وقت تؤكد فيه القاهرة رفضها لأي إجراءات أحادية تمس تدفقات النهر، وسط تحذيرات من فرض أمر واقع جديد على مورد مائي دولي مشترك.
اقرأ أيضا: أنا متميز.. ندوة لحماية الطفل بمشاركة 40 طالبا في الإسكندرية
وفي ظل هذا التصعيد، تبرز تساؤلات جوهرية حول حدود سيادة دول المنبع على الموارد المائية العابرة للحدود، ومدى مشروعية إنشاء مشروعات مائية دون إخطار أو تشاور مع دول المصب، وما إذا كانت قواعد القانون الدولي تمنح مصر والسودان أدوات قانونية للتعامل مع أي إجراءات قد تلحق ضررًا بمصالحهما المائية.
هل تملك إثيوبيا سيادة مطلقة على مياه النيل؟
يؤكد الدكتور إبراهيم العناني، أستاذ القانون الدولي، أن كون إثيوبيا دولة منبع لنهر دولي لا يمنحها سيادة مطلقة على النهر أو حقًا منفردًا في التحكم في تدفقاته.
وأوضح أن قواعد القانون الدولي للمجاري المائية الدولية تمنع دولة المنبع من الانفراد بإقامة مشروعات أو استغلال الجزء الواقع داخل إقليمها بصورة مفرطة أو تعسفية، إذا كان من شأن ذلك الإضرار بدول المجرى الأدنى والمصب.
وأضاف أن أي مشروعات مائية جديدة يجب أن تراعى فيها مصالح الدول الأخرى المتشاطئة، مع ضرورة التشاور والتنسيق لتجنب إحداث أضرار، مشيرًا إلى أن مخالفة هذه القواعد قد ترتب مسؤولية دولية على الدولة المتسببة في الضرر.

ما الآثار القانونية لإعلان إنشاء 3 سدود؟
من جانبه، يرى الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، أن الإعلان الإثيوبي عن إنشاء ثلاثة سدود جديدة دون إخطار رسمي مسبق يثير إشكالية قانونية تتعلق بالتزامات إثيوبيا تجاه دول المصب.
وأوضح أن مبدأ الإخطار والتشاور المسبق وعدم التسبب في ضرر جسيم يمثل أحد المبادئ الأساسية الحاكمة لاستخدام المجاري المائية الدولية، لافتًا إلى أن إعلان المبادئ الموقع بين مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015 يتضمن التزامات ذات صلة بالتعاون وعدم الإضرار.
وبحسب مهران، فإن إقامة منشآت مائية بالمخالفة للالتزامات الدولية لا تجعلها تلقائيًا «غير مشروعة» بمجرد إعلان دولة المصب ذلك، وإنما يتطلب الأمر تقييم مدى مخالفة المشروع لالتزامات قانونية دولية محددة، وطبيعة الضرر الواقع أو المحتمل، وآليات تسوية النزاع المتاحة.

الاستخدام المنصف أم الحقوق التاريخية؟
وحول التعارض بين مبدأ الاستخدام العادل والمنصف الذي تستند إليه إثيوبيا، وبين ما تصفه مصر والسودان بحقوق تاريخية مكتسبة، أوضح مهران أن القانون الدولي للمجاري المائية يقوم على موازنة مصالح الدول المتشاطئة، وليس منح دولة واحدة أولوية مطلقة في استخدام المورد المائي.
وأشار إلى أن الاتفاقيات الدولية اللاحقة لا تلغي تلقائيًا التزامات أو حقوقًا ناشئة عن اتفاقيات سابقة، خصوصًا بالنسبة للدول التي لم تصبح طرفًا في الاتفاقية الجديدة، مؤكدًا أن اتفاقية عنتيبي لعام 2010 لا تلزم مصر من منظور قانون المعاهدات ما دامت لم تنضم إليها.
هل يمكن اللجوء إلى مجلس الأمن؟
وفي حال إخطار مجلس الأمن الدولي بالنزاع باعتباره تهديدًا للسلم والأمن الإقليميين، يرى مهران أن المسار يواجه تعقيدات قانونية وسياسية، إذ يتعين إثبات أن النزاع تجاوز كونه خلافًا فنيًا أو مائيًا إلى مستوى يهدد السلم والأمن الدوليين.
ويظل مجلس الأمن مسارًا سياسيًا بالدرجة الأولى، بينما يمكن أن يسهم طرح القضية أمامه في زيادة الضغط الدولي ودفع الأطراف نحو التفاوض، حتى في حال تعذر صدور قرار ملزم.
اقرأ أيضا: الرقابة المالية تقر عرض بنك البركة للاستحواذ على «التوفيق للتأجير التمويلي»
ما حدود حق الدفاع عن الأمن المائي؟
ويؤكد الدكتور إبراهيم العناني أن الدول المتضررة من أي إجراءات أحادية تضر بمصالحها المائية تمتلك أدوات قانونية للدفاع عن حقوقها، من بينها اللجوء إلى مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن الأفريقي، إلى جانب الآليات التي يتيحها ميثاق الأمم المتحدة، مع الالتزام بالضوابط التي يفرضها القانون الدولي.
وشدد على أن مفهوم الدفاع عن الأمن المائي لا يعني تلقائيًا اللجوء إلى القوة، وإنما يبدأ بالوسائل الدبلوماسية والقانونية، وإثبات الضرر، وتفعيل آليات تسوية النزاعات والمسارات الدولية والإقليمية المتاحة.
الأزمة تتجاوز الخلاف الفني
وتكشف التطورات الأخيرة أن أزمة النيل لم تعد تقتصر على خلاف حول تشغيل سد أو قواعد الملء والتشغيل، بل باتت ترتبط بصورة أوسع بحدود السيادة على الأنهار الدولية، ومبدأ الانتفاع المنصف، وعدم الإضرار، والإخطار المسبق، ومسؤولية الدولة عن أفعالها ذات الآثار العابرة للحدود.
ومع استمرار الخلاف بشأن المشروعات الإثيوبية ومسار التفاوض، تبدو المعركة القانونية والدبلوماسية مرشحة لمزيد من التصعيد، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى منع تحول الإجراءات الأحادية إلى واقع دائم يصعب تغييره.
اقرأ أيضاًتعاون سياسي واقتصادي واستثماري.. مباحثات مصرية باكستانية لتعزيز العلاقات الثنائية
هل تواجه مصر أزمة مياه بسبب الجفاف وسد النهضة؟.. وزارة الري تحسم الجدل
مصر ترد على إثيوبيا بشأن بناء سدود على نهر النيل: «لن نسمح لأحد بالسيطرة على تدفقات المياه»
