«هرمز» لا يمكن هزيمته بالصواريخ.. كيف صنعت إيران سلاحا أربك القوة الأمريكية؟
اقرأ أيضا: جامعة كفر الشيخ الأهلية تعلن إجراءات قبول الطلاب للعام الجامعي 2026 – 2027
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تمر عبره شحنات النفط والغاز، بل تحول في الحرب بين إيران والولايات المتحدة إلى اختبار مباشر لحدود القوة والردع، فطهران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق بالكامل حتى تستخدمه كسلاح، يكفي أن تثبت قدرتها على تهديد الملاحة ورفع تكلفة العبور، لإحداث اضطراب في أسواق الطاقة ودفع شركات الشحن إلى إعادة حساب مخاطر المرور.
وفي المقابل، لا تبدو القوة العسكرية الأمريكية وحدها كافية لإعادة حركة الملاحة إلى طبيعتها، طالما أن شركات الشحن لا ترى أن مخاطر العبور أصبحت قابلة للإدارة، وبين قدرة إيران على تعطيل الملاحة، وقدرة الولايات المتحدة على حماية السفن، برز مضيق هرمز كأداة ضغط تتجاوز حجمه الجغرافي بكثير.
نقطة اختناق استراتيجية
لم تكن أهمية المضيق جديدة على أي من طرفي المواجهة، يقول آلان إير، الدبلوماسي الأمريكي السابق وأحد مفاوضي اتفاق 2015، خلال حديثه مع «الوطن»، إن هرمز كان دائمًا نقطة اختناق استراتيجية، وإن إيران لم تفعل شيئًا لجعله كذلك، لأن موقعه وحده جعله ذا أهمية استراتيجية.
لكن اتساع دائرة التهديدات البحرية يجعل تعطيل هرمز أكثر كلفة، فإغلاق الحوثيين باب المندب أمام حركة الملاحة السعودية أضاف إلى التداعيات الاقتصادية المحتملة لإغلاق مضيق هرمز.
ووفقًا للدبلوماسي الأمريكي السابق، لا تمتلك إيران سلاحًا نوويًا، لكنها تمتلك القدرة على تهديد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ويقول إن الحروب تبدأ بما هو متاح لكل طرف، ولذلك تستخدم إيران السيطرة على المضيق كأداة للردع الاستراتيجي.
إجبار واشنطن وفرض قيود على قوتها العسكرية
هذه القدرة، في نظر «إير» لا تحقق تكافؤًا استراتيجيًا بين البلدين بقدر ما يمنح إيران قوة استراتيجية كافية لإجبار الولايات المتحدة على فرض قيود جدية على استخدامها لقوتها العسكرية.
وكانت الأهمية الاستراتيجية للمضيق معروفة بالفعل لدى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، لكن تقدير توقيت استخدام هذه الورقة بدا أكثر صعوبة.
ويرى «إير» أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتقد، بشكل خاطئ، أنه يستطيع إنهاء الحرب قبل أن يغلق الإيرانيون المضيق، واصفًا ذلك بأنه «خطأ كبير».
ومع استمرار قدرة إيران على تهديد الملاحة، لا يتوقف الضغط عند حدود المضيق نفسه، فطهران تستطيع أيضًا، استهداف البنية التحتية لدول مجلس التعاون الخليجي، فيما أدى فشل المحاولة الأمريكية لاستخدام القوة العسكرية لتليين الخطوط الحمراء الإيرانية إلى إضعاف الموقف الأمريكي في أي مفاوضات أو أزمات أو مواجهات عسكرية مستقبلية مع إيران.
أدوات ضغط في يد واشنطن
وفي المقابل، يرى «إير» أن واشنطن لا تزال تمتلك أداة ضغط استراتيجية أكثر فاعلية، لكنها الأداة التي لا ترغب في استخدامها، وهي القدرة على الإفراج عن جميع الأصول الإيرانية ورفع جميع العقوبات المفروضة على إيران.
ويرى أيضًا أن ورقة «هرمز» أكثر مباشرة من الورقة النووية، فالبرنامج النووي الإيراني لم يكن رادعًا فعالًا للهجوم، بعدما تعرضت إيران لهجومين خلال عام واحد، بينما يظل مضيق هرمز، إلى جانب القدرة على استهداف البنية التحتية لدول مجلس التعاون الخليجي، أكثر فائدة في الوقت الراهن.
لكن قيمة هرمز لا تتوقف عند كونه أداة عسكرية مباشرة. فالمضيق يدخل في حسابات اقتصادية وسياسية أوسع، وفي صلبها قدرة النظام الإيراني على استخدام موقعه الجغرافي لتوليد كلفة على خصومه.
ويقول جمشيد تشوكسي، مدير مركز الموارد الوطنية لآسيا الداخلية والأورالية وأستاذ متميز في دراسات أوراسيا الوسطى بجامعة إنديانا، إن الأهمية العسكرية والاقتصادية والسياسية لمضيق هرمز تتداخل في استراتيجيات الجمهورية الإسلامية، التي تركز في النهاية على ضمان بقاء النظام.
ويشير «تشوكسي»، خلال حديثه لـ«الوطن»، إلى أن إيران أدركت سريعًا القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي تنشأ عن التهديد بتعطيل، أو التعطيل الفعلي، لتدفق النفط والغاز عبر الخليج ومضيق هرمز، مضيفًا أن استهداف السفن التجارية بصورة متقطعة وغير متوقعة يكفي لإظهار قدرة طهران على تعطيل الملاحة، وهي قدرة لا تتطلب الكثير من الموارد أو التكنولوجيا.
ويؤكد «تشوكسي» أن طهران تبدو وكأنها تمتلك ورقة قوية جدًا الآن، لكنها تبالغ في استخدامها، وستكون هي الخاسر في المستقبل القريب.
إيران والمراهنة على أزمة طاقة عالمية
ويقول «تشوكسي» إن القيادة الإيرانية تراهن على حدوث أزمة عالمية في الطاقة، وما قد ينتج عنها من تراجع اقتصادي عالمي، بما يولد ضغوطًا من الخارج وداخل الولايات المتحدة على إدارة ترامب للتخلي عن الإجراءات ضد النظام في طهران.
يوجين جولتز، أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة نوتردام، يقول، لـ«الوطن»، إن الواقع الحالي هو أن إيران لا تستطيع إغلاق المضيق بالكامل، كما أن الولايات المتحدة لا تستطيع فتحه بالكامل باستخدام القوة العسكرية: «على الأقل عند مستوى القوة الذي يرغب كل طرف حاليًا في استخدامه».
وقد تمكنت بعض السفن من العبور بالفعل، عدد صغير جدًا خاطر بالعبور في البداية، من بينها بعض الشركات اليونانية التي تحدثت إلى الصحافة، ثم عبر عدد أكبر من السفن في ظل حماية عسكرية أمريكية محدودة.
ويشير «جولتز» إلى أن شركات الشحن أصبحت أكثر حذرًا بشأن محاولة العبور تحت التهديد في بيئة الملاحة الحديثة، مقارنة بحالات تاريخية أخرى واجه فيها ناقلون محاولات لفرض حصار على الممرات البحرية.
اقرأ أيضا: تربية الأبناء في الإسلام – الأسبوع
ويقدر أن نحو 3 إلى 5 ملايين برميل من النفط يوميًا تمر عبر المضيق رغم التهديدات، بحسب «جولتز»، وهو انخفاض كبير مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، لكنه لا يزال يمثل كمية مهمة من النفط، إلى جانب مرور بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال ومنتجات أخرى.
إعادة حركة الملاحة إلى طبيعتها تتطلب، في هذه الحالة، منح شركات الشحن الثقة بأن مخاطر العبور يمكن إدارتها.
ويقول إن ذلك يتطلب إما جهدًا أمريكيًا أكبر لاحتواء التهديد الإيراني والدفاع عن السفن بصورة مستمرة، وهو خيار وصفه بأنه «مكلف للغاية» وينطوي على مخاطر كبيرة على القوات الأمريكية، أو التوصل إلى اتفاق سياسي مع إيران يسمح بالعبور عبر المضيق.
وكان التوصل إلى مثل هذا الاتفاق صعبًا للغاية حتى الآن، فلا يريد أي من الطرفين التصعيد، لكن لا أحد منهما مستعد لتحمل التكلفة السياسية، داخليًا ودوليًا، لقبول اتفاق.
ويقول «جولتز» إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيضطر، في النهاية، إلى قبول الخروج من الحرب مع وضع أسوأ في مضيق هرمز مقارنة بما كان عليه قبل الهجوم، معتبرًا أن ذلك يصعب عليه تقبله، خصوصًا أنه ليس مخطئًا بشأن القوة العسكرية الهائلة للولايات المتحدة.
وأضاف أن الولايات المتحدة نفذت حملة عسكرية وقتلت عددًا كبيرًا من القادة السياسيين الإيرانيين، كما كانت تنوي منذ بداية الحرب، لكن قتل القادة نادرًا ما أدى إلى تغيير النظام أو إلى تنازلات سياسية كبيرة من النوع الذي كانت الولايات المتحدة تأمل في تحقيقه.
وأشار «جولتز» إلى أن الحرب كانت مكلفة جدًا بالنسبة إلى إيران أيضًا، وقال إن إيران مستعدة لمواصلة القتال الآن، لكن إذا قبلت اتفاقًا حقيقيًا في مرحلة ما، فلن يكون من «المجاني» بالنسبة إليها استئناف القتال وتعطيل حركة السفن عبر المضيق مرة أخرى.
وأوضح أن ذلك يعني أن ورقة الردع الإيرانية ستقتصر على الرد على هجوم أمريكي أو إسرائيلي مستقبلي، وأن إيران لن تمتلك قدرًا كبيرًا من النفوذ الهجومي من خلال قدرتها على تعطيل المضيق.
أمر لم تفعله أي دولة في العالم منذ 170 عامًا
وأضاف أن إيران من المرجح أن تمتلك قدرة كافية لتغيير الوضع طويل الأمد في المضيق بحيث تحصل على رسوم مقابل عمليات العبور، وهو أمر لم تفعله أي دولة في العالم منذ 170 عامًا.
وقال إن ذلك يمكن أن يدر أموالًا حقيقية على إيران، وإن الأسواق العالمية يمكنها على الأرجح تحمل تكلفة هذه الرسوم.
وأضاف أنه لا يوجد مكان آخر في العالم يشبه هرمز تمامًا، وأن أقرب المقارنات هما قناتا السويس وبنما، لكن توجد طرق بديلة للشحن بالنسبة إلى السويس وبنما، في حين لا توجد بدائل لمضيق هرمز بالطريقة نفسها.

