فتح المضيق.. غلق المضيق

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

قد يعجب البعض استخدام مضيق هرمز ورقة سياسية للضغط على دول الخليج، وقد يرى فيه آخرون سلاحاً إيرانياً جاهزاً كلما اشتدت الأزمات.. إلا أن الجغرافيا والقانون والمصالح الدولية تقول شيئاً آخر.

اقرأ أيضا: الحصان الثاني

فالمضيق في أضيق نقاطه يبلغ عرضه نحو 33 كيلومتراً، أي قرابة 21 ميلاً بحرياً، ولا تستطيع دولة أن تتعامل معه وكأنه بوابة خاصة تفتحها متى شاءت وتغلقها متى غضبت.

في السياسة كل شيء ممكن، خصوصاً عندما تختلط القوة بالمغامرة، وهذا ما يحدث اليوم مع إيران، جزء كبير من العالم يعترض على أي محاولة لتهديد الملاحة، بينما يلتزم جزء آخر الصمت، لا اقتناعاً بحق إيران في ذلك، وإنما رغبة في مضايقة خصومه أو الاستفادة من الأزمة، وفي النهاية تدفع المنطقة ثمن لعبة لا تملك وحدها مفاتيحها.

الموضوع بالنسبة لي قديم، ففي عام 1975 أصدرت كتاباً بعنوان «البترول والتغير الاجتماعي في الخليج العربي»، وكان في الأصل مجموعة محاضرات قدمت لطلاب معهد البحوث والدراسات التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة، توقفت وقتها في ذلك الكتاب عند أهمية مضيق هرمز للاقتصاد الخليجي الذي كان وقتها في بداية نموه الكبير، وطرحت سؤالاً بسيطاً: ماذا يحدث إذا أصبح المضيق في يوم ما وسيلة ابتزاز سياسي؟

كان التهديد يومها يأتي من حكومة الشاه، لا من الجمهورية الإسلامية التي لم تكن قد ولدت بعد، ومع ذلك بدت المشكلة واضحة: الاعتماد شبه الكامل على ممر واحد، يضع دول الخليج أمام نقطة ضعف استراتيجية، مهما كانت طبيعة النظام الحاكم في إيران.

من بين الخيارات التي طرحت آنذاك إنشاء شبكة حديثة من السكك الحديدية تربط الخليج بمخارج على بحر العرب، إلى جانب تطوير خطوط أنابيب النفط باتجاه البحر الأحمر، وفتح منافذ بديلة تقلل الاعتماد على هرمز، لم تكن الفكرة البحث عن مواجهة مع إيران، وإنما تقليل قدرة أي طرف على استخدام الجغرافيا أداة ضغط.

نظر بعضهم إلى ذلك التخوف باعتباره مبالغاً فيه، كانت المنطقة تعيش ظروفاً مختلفة، وكانت العلاقات الدولية توحي بأن أمن الملاحة أمر مضمون، لكن التاريخ لا يحترم كثيراً الاطمئنان السياسي.

بعد التغيير في إيران، عادت مجلة «العربي» في أوائل الثمانينيات إلى فتح الملف، وذكّرت بأهمية البحث عن خيارات أخرى، كانت الحرب العراقية الإيرانية قد بدأت، وأصبح ما كان افتراضاً نظرياً، خطراً يمكن رؤيته بالعين.

اقرأ أيضا: فيديو.. القوات المسلحة اليمنية تشن هجمات على تحشيدات لمليشيا الحوثي

لو درست تلك الأفكار منذ ذلك الوقت بجدية أكبر، ووضعت لها خطط طويلة المدى، لكان جزء مهم من التهديد الذي نسمعه اليوم قد فقد تأثيره، فالتهديد يصبح مؤثراً عندما يعرف صاحبه أن الطرف الآخر لا يملك بديلاً.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أن التعامل مع هرمز باعتباره أزمة تظهر عند التوتر ثم تختفي عند التهدئة خطأ متكرر.. التخطيط الاستراتيجي لا ينتظر إغلاق المضيق حتى يبحث عن طريق آخر.. الطريق البديل يحتاج سنوات من الاستثمار والتنسيق والاتفاقات العابرة للحدود..

كما أن وجود البدائل لا يخدم دول الخليج وحدها، بل يخدم المستوردين في آسيا وأوروبا، ويجعلهم شركاء حقيقيين في حماية حرية الملاحة، وهذه نقطة يمكن تحويلها من عبء خليجي، إلى مصلحة دولية مشتركة واضحة ودائمة في السلم والأزمات معاً.

بعض دول الخليج تحرك بالفعل خلال العقود الماضية.. أقيمت خطوط أنابيب وموانئ ومشروعات نقل، وظهرت بدائل مهمة، إلا أن الملف يحتاج اليوم إلى رؤية خليجية أوسع، لأن المسألة لم تعد نفطاً فقط.. إنها تجارة، وسلاسل إمداد، وأمن غذائي، وحركة سفن، واستقرار اقتصادي.

المطلوب ليس الدخول في مباراة شعارات مع طهران حول من يفتح المضيق ومن يغلقه.. المطلوب حملة دبلوماسية نشيطة تؤكد أن هرمز ممر دولي حيوي، بالتوازي مع استكمال البدائل العملية: سكك حديدية، وأنابيب، وموانئ، ومسارات تجارية متعددة. الجغرافيا لا تتغير، لكن الدول تستطيع أن تقلل من قدرتها على الابتزاز، فمن يملك البديل، لا يخيفه التهديد.

اقرأ أيضا: محافظة: نظام “التوجيهي” يخضع للتقييم بشكل مستمر

‫0 تعليق