سعيد الشحات يكتب: ذات يوم..16 أغسطس 1823..محمد على باشا يطلب من ابنه وقائد جيشه إبراهيم السؤال عن الجنرال الفرنسى «بوابيه» للاستعانة به فى «تدريب عساكرنا براتب 25 ألف قرش شهريا»

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بدأ محمد على باشا فى إنشاء جيشه الحديث فى سنة 1820، واتخذ الجيش الفرنسى مثالا ينسج على منواله الجيش المصرى الذى يريد تكوينه، وفقا لما يذكره الدكتور عبدالرحمن زكى فى كتابه «التاريخ الحربى لعصر محمد على الكبير».

اقرأ أيضا: اعتصام الإخوان كان محاولة لإقامة ولاية داعشية.. باحث: رابعة كانت محاولة لإقامة دولة أيديولوجية.. أحمد حميدة: فكر الإخوان يقوم على احتكار فهم الإسلام.. يؤكد: حسن البنا رسخ عند أعضاء التنظيم أن الجماعة هي الإسلام


ويرى الدكتور خالد فهمى فى كتابه «كل رجال الباشا» أن حالة انتباه محمد على باشا إلى الجيش الفرنسى بدأت منذ مطلع القرن التاسع عشر، مؤكدا أن أى إنسان عاش فى هذا الوقت لم يستطع أن يفلت من تأثير نابليون وجيوشه التى اجتاحت القارة الأوربية، أومن الدمار والخراب الذى خلفته، ويضيف: «لا بد أن محمد على ذاته باعتباره رجلا عسكريا يعيش على حافة هذه القارة، كان متلهفا على معرفة المزيد عن هذه الجيوش التى كانت حديث الساعة، وكان الباشا والحق يقال شديد الاحترام للإمبراطور، واعتاد متملقوه حتى فى حياته على «إقناعه بأنه نابليون ثان»، كما أمر فيما بعد بترجمة سيرة عن نابليون إلى التركية، وطبعها فى مطابع بولاق الأميرية، وفوق ذلك أتيحت له الفرصة عندما نزل إلى بر مصر عام 1801 ليرى جيش بونابرت بنفسه، وأثره الملحوظ فى مصر برغم قصر المدة التى قضاها».


يؤكد «فهمى» أن محمد على حين بدأ بناء الجيش الجديد، اعتمد بشدة على المستشارين الفرنسيين فى إدارة جيشه وتدريب جنوده وعلى رأس هؤلاء المستشارين «الكولونيل سيف» المعروف بسليمان باشا الذى عينه فى عام 1820، وأصبح فيما بعد الرجل الثانى فى قيادة الجيش، لا يعلوه سوى إبراهيم باشا».


يذكر عبدالرحمن زكى، أن محمد على باشا اختار من الفرنسيين المدربين الفنيين، ويؤكد أنه قبل اختيارهم كان يدرس كفاءاتهم ودراياتهم العسكرية وأحوالهم الخاصة حتى إذا وقع اختياره على من راقه منهم أغراه بالمال وأطلق يده فى العمل، ويدلل «زكى» على ذلك برسالة كتبها محمد على إلى ابنه إبراهيم مؤرخة بتاريخ، 27 ذو القعدة سنة 1238، 16 أغسطس، مثل هذا اليوم، 1823.


كان إبراهيم فى إحدى حملاته الخارجية على رأس الجيش، وكتب له محمد على رسالته قائلا فيها: «لقد فكرنا فى استخدام رجل قدير يتولى تنظيم عساكرنا الجهادية وفقا للأصول العسكرية المقررة، ويكمل النقص فى الأنظمة القائمة الآن، ويرفع التعليم والشؤون الأخرى على الوجه المطلوب، وقد تحدثنا فى هذا الموضوع إلى صديقنا الخواجة «دروفتى» قنصل فرنسا عندما جاءت مناسبة، فكتب جنابه بدوره عن فكرتنا هذه إلى الجنرال ذائع الصيت المعروف باسم «بوابيه» أحد جنرالات بونابرت الذى سيصبح بعد رتبة واحدة مرشالا، والذى حضر مع بونابرت أكثر حروبه».


يضيف محمد على فى رسالته: «استوضحنا القنصل مقدار المكافأة التى تمنح للجنرال إذا حضر، ثم جاء فى الخطاب الذى أرسله الجنرال المذكور أنه سيحضر وفى حالة حضوره سيقطع عنه الإيراد المقرر له من حكومته، وأبان القنصل أن هذا الإيراد لو اشترى لبلغت قيمته مائة ألف ريال على الأقل، وأنه يجب أن يخصص له 25 ألف قرش شهريا، ولكل من معاونيه ثلاثة آلاف ريال سنويا، إن هذه المبالغ ليست بالشىء المرهق إزاء رفع مستوى مصالحنا إلى الحد المطلوب ووصولنا إلى غايتنا، ولكن هل الجنرال المذكور هو فى الواقع كما قيل عنه، فإذا كانت شهرته قد بلغت إلى هذا الحد فلا بد أن يعرفه الإفرنج الذين معكم، وعليه استوضحوهم أمر هذا الجنرال بطريقة مناسبة».

اقرأ أيضا: عالم مدهش.. رصيد إضافي من السعادة خلال الأيام الأخيرة


يسجل عبدالرحمن زكى مفارقة غريبة، قائلا: «بينما كان العزيز (محمد على باشا) يبحث عن أشهر المدربين وأقدرهم فى أعلى الأوساط العسكرية فى فرنسا، كان أولو الأمر فى الآستانة يسألونه أن يبعث إليهم بمدربين وطنيين من قواده لتدبير شؤون الجيش فيها».


يضيف: «وصل بوابيه إلى الإسكندرية مع معاونيه فى 24 نوفمبر 1824، وكان يستصحب هدايا ثمينة من أسلحة وذخيرة، فلما قدمها إلى الباشا تأثر كثيرا من عطف الحكومة الفرنسية، وقال – بعد تجربة – إن البارود أحسن نوعا من الذى استورده من إنجلترا، وحل الجنرال بوابيه بالقاهرة حيث سكن فى قصر فخم بالروضة خصص لإقامته، وليكون أيضا مقرا للرئاسة العامة للبعثة، وفى هذا القصر استهلت الأعمال الأولى لمشروعات الجيش وطرائق تدريبه، وجرى الاتفاق على أن يتصل بنفسه مع الباشا للتفاهم فى كل ما يراه من آراء وما ينتهجه من خطط».


يذكر «زكى»، أن الجنرال «بوابيه» بقى فى مصر مدة قصيرة، استمرت من نوفمبر 1824 إلى 14 أغسطس 1826، ولم تزد على تنظيم وتدريب التشكيلات الفنية للواءات المشاة الجديدة، وتنظيم القيادة العليا، وأصلح نظام انتخاب ضباط أركان الحرب بتأسيس مدرسة خاصة لهم، وقدم مشروعا لإعادة تنظيم المدفعية وسلاح المهندسين العسكريين، ويضيف: «كان بوابيه عسكريا قحا فى أخلاقه وطباعه ولم يكن حسن السياسة، فخلق عدة مشاكل مع الذين اتصل بهم، ولم يعرف الوسائل التى تحقق له رغباته».

اقرأ أيضا: كشري وفلافل وملوخية.. 47 عاماً بـ «ريحة مصر» في ذاكرة الشارقة

‫0 تعليق