“حسن البنا مؤسس الإخوان ومرشدها الأول أسس تنظيم الإخوان علي أن الجماعة هي الإسلام وأن الإسلام داخل الجماعة” بهذه الكلمات حلل أحمد حميدة، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، فكر جماعة الإخوان الإرهابية، مؤكدا إن ميدان رابعة العدوية لم يكن مجرد نقطة تجمع لجماعة الإخوان الإرهابية وأنصارها، وإنما كان يُراد له أن يتحول إلى دولة تعبر عن أيديولوجيا المعتصمين، معتبرًا أن هذه النقطة تمثل جوهر الخطورة في الاعتصام، الذي جمع، بحسب رؤيته، تيارات من التنظيمات الإسلاموية التي تتبنى رؤى متشددة تجاه المخالفين لها.
اقرأ أيضا: عالم مدهش.. رصيد إضافي من السعادة خلال الأيام الأخيرة
وأوضح حميدة أن المشروع الذي حاولت الجماعة تكريسه داخل رابعة كان يقوم على إقامة كيان موازٍ للدولة الوطنية، يمتلك منظومة معرفية وفكرية وسياسية مختلفة عن المنظومة التي تقوم عليها الدولة، مشيرًا إلى أن استمرار هذا الوضع لم يكن يمثل مجرد استمرار لاعتصام أو تجمع احتجاجي، وإنما كان ينطوي على مخاطر تتعلق بتماسك الدولة والمجتمع.
وأضاف الباحث أن عملية فض الاعتصام كانت حتمية، من وجهة نظره، لأن رابعة تجاوزت حدود مكان للتظاهر والاحتجاج، وأصبحت محاولة لتشكيل فضاء سياسي وأيديولوجي مغلق وموازٍ للدولة، وهو ما جعل استمرارها يحمل مخاطر تتجاوز المطالب السياسية إلى طبيعة الدولة ذاتها وحدود سلطتها.
وفي قراءته لجذور الفكر الذي قامت عليه جماعة الإخوان، قال حميدة إن حسن البنا أسس الجماعة عقب سقوط الخلافة العثمانية، وجعل من استعادة الكيان السياسي للأمة الإسلامية نقطة انطلاق لمشروعه، مشيرًا إلى أن البنا عمل منذ البدايات على ترسيخ تصور خاص لدى أتباعه بشأن مكانة الجماعة ودورها.
وأوضح أن خطاب البنا، بحسب تحليله، لم يكتفِ بتقديم الجماعة باعتبارها تنظيمًا له تصور ديني وسياسي، وإنما منحها مكانة استثنائية في وعي أعضائها، من خلال ترسيخ فكرة أن الجماعة هي الأقدر على إنقاذ العالمين، وأن أعضاءها يمثلون امتدادًا لصحابة الرسول وحملة راية الإسلام من بعده.
وأشار حميدة إلى أن هذا التصور انعكس بوضوح في عبارات منسوبة إلى حسن البنا، من بينها قوله: «نحن الإسلام، أيها الناس»، معتبرًا أن مثل هذه العبارات تكشف، في قراءته، عن مستوى التداخل الذي أرادت الجماعة إحداثه بين التنظيم والدين.
وأضاف أن البنا اعتبر منهج الجماعة الطريق الضامن لعودة الإسلام ونهضة المسلمين، وهو ما انعكس، وفق الباحث، في نظرته إلى من لا يؤمن بمنهج الجماعة، مستشهدًا بما نُسب إليه من قول: «لا حظ له في الإسلام».
ويرى حميدة أن هذا النوع من الخطاب أدى بمرور الوقت إلى تضخم صورة الجماعة في وعي أعضائها، بحيث لم تعد الإخوان بالنسبة إلى بعض المنتمين إليها مجرد تنظيم له أفكار وبرنامج، وإنما أصبحت مرتبطة في تصورهم بالإسلام ذاته، وبالتالي تحول الاختلاف معها إلى ما يشبه الاختلاف مع الدين.
وأوضح أن من نتائج ذلك أن النقد الموجه إلى الجماعة أو مناقشة أفكارها أو مراجعة مواقفها يمكن أن يُنظر إليه، داخل هذا التصور، باعتباره نقدًا للإسلام أو تشكيكًا في الدين، وهو ما يجعل المسافة بين التنظيم والدين في الوعي الإخواني شديدة الضيق.
ولفت الباحث إلى أن الجماعة لا تقدم فهمها للدين، وفق هذا التصور، باعتباره قراءة من بين قراءات واجتهادات متعددة، وإنما تطرحه بوصفه الفهم الصحيح والشامل لمراد الله، ومن يتجاوز هذا الفهم أو يرفضه يصبح، بحسب رؤيته، في موضع اتهام ديني وأخلاقي.
اقرأ أيضا: كشري وفلافل وملوخية.. 47 عاماً بـ «ريحة مصر» في ذاكرة الشارقة
وأشار حميدة إلى أن هذا التصور يمكن أن يساعد في تفسير بعض المواقف والعبارات التي صدرت عن قيادات إخوانية، مستشهدًا بما رددَه صبحي صالح ومحمد البلتاجي من دعوات بأن يتوفاهما الله على «إخوانيتهما»، معتبرًا أن مثل هذه العبارات تعكس، في تحليله، اعتقادًا راسخًا لدى بعض المنتمين للجماعة بوجود حالة من التوحد بين التنظيم والدين.
وأكد أن خطورة هذا التصور، من وجهة نظره، لا تتوقف عند حدود الخلاف الفكري، وإنما تمتد إلى العلاقة بين التنظيم والدولة والمجتمع، لأن الجماعة عندما ترى نفسها حاملة للفهم الصحيح للدين، يصبح من الصعب الفصل بين الولاء للتنظيم والالتزام الديني في وعي بعض أعضائها.
وبحسب حميدة، فإن هذه الخلفية الفكرية تساعد على فهم طبيعة رابعة، التي لم يرها مجرد اعتصام للمطالبة بعودة محمد مرسي إلى الحكم، وإنما باعتبارها محاولة لإقامة فضاء سياسي وأيديولوجي مغلق، يمكن أن يمثل نموذجًا موازياً للدولة الوطنية.
وخلص الباحث إلى أن جوهر الأزمة لم يكن فقط في وجود تجمع سياسي في أحد ميادين القاهرة، وإنما في محاولة تحويل هذا التجمع إلى كيان له تصور مختلف للدولة والمجتمع، ويستند إلى أيديولوجيا تعتبر نفسها صاحبة الفهم الصحيح للدين، وهو ما جعل استمرار رابعة، وفق تقديره، يمثل تهديدًا لتماسك الدولة والمجتمع، ويجعل فض الاعتصام في النهاية أمرًا حتميًا.
اقرأ أيضا: فرصة لاكتشاف أطباق شهية في دبي بـ 10 دراهم
