في أحد البرامج الحوارية، محلل سياسي إيراني يقول لمحلل سياسي خليجي بكل ثقة: «أنتم تأخذون معلوماتكم من المصادر الغربية، أما نحن فلا نستهدف إلا القواعد الأمريكية»، بكل صراحة، استفزتني تلك العبارة.
اقرأ أيضا: اعتداءات إيران ترتد عليها
فهي بالنسبة لي لا تعبر عن اختلاف في وجهات النظر أو قراءة للمشهد أو الحدث من زواية أخرى، لذا جعلتني تلك العبارة المستفزة أن أطرح سؤالاً مهماً بالنسبة لي: إذا تعارضت الرواية السياسية مع واقع يعيشه الإنسان ويتفاعل معه ويعرف تفاصيله، أيهما أصدق: الرواية أم الواقع؟
هنا يجب أن نقول بكل صراحة ووضوح للمحللين السياسيين الإيرانيين الذين أتيحت لهم الفرصة وأعطيت لهم المساحة لترويج الرواية الإيرانية على الشاشات العربية، المواطن الخليجي لا يحتاج إلى وسائل إعلام أمريكية أو أجنبية لكي يعرف ما يحدث في بلده، هو يعرف بلده جيداً بمدنه ومنشآته ومطاراته ومناطقه.
ويتلقى معلوماته من مصادر موثوقة، ويتابع البيانات والتصريحات التي تصدرها حكومته، ويعيش الواقع، ويعلم عن الحدث والآثار الناتجة عنه، لذا نؤكد لهؤلاء المحللين أننا لسنا بحاجة لأخذ المعلومات لا من المصادر الأمريكية والغربية ولا حتى المصادر الإيرانية.
يحاول هؤلاء المحللون استخدام «دبلوماسية التقية» كما يستخدمها نظامهم في طهران، ويقصد بهذا المفهوم سياسياً وليس دينياً بأنه نمط أو أسلوب تتسع فيه المسافة بين الرواية المعلنة، والنية السياسية.
والسلوك الفعلي، إن لم نقل إنهم عكس الاتجاه والغاية، بحيث يكون الهدف من «دبلوماسية التقية» ليس فقط إخفاء بعض المعلومات، بل إدارة ما ينبغي للآخر أن يراه ويفهمه ويصدقه.
وحتى لا يختلط لدى البعض، دبلوماسية التقية تختلف عن البراغماتية السياسية، فالبراغماتية قد تغير الوسائل بتغير الظروف والأحوال والمصالح، لكنها لا تفترض بالضرورة إخفاء الهدف، أما حين تصبح الرواية نفسها هي الوسيلة التي تستخدم لإخفاء الهدف، أو تقديم تحليل وتفسير لا يطابق السلوك، فإننا نكون أمام شيء أبعد من مجرد براغماتية أو مرونة سياسية.
في الحقيقة، الدول جميعها تمارس الكتمان والسرية والغموض، وربما تستخدم بعض الدول أحياناً الخداع والمعلومات المضللة لإدارة الصراعات، لكن المشكلة ليست في استخدام الازدواجية كتكتيك مؤقت، بل في تحولها إلى نهج وسياسة ثابتة بناءً عليها يتم قول شيء وممارسة عكسه ونقيضه، فتتحول الرواية من أداة إعلامية، إلى جزء أو وسيلة من وسائل إدارة الصراع.
أما من الناحية الإعلامية، فإنه لا توجد مشكلة بوجود رواية إيرانية خاصة بها، فهذا من حقها ولا ننكر ذلك عليها، فكل دولة تكتب روايتها بما يخدم أهدافها ومصالحها، لكن المشكلة تكمن عندما تتحول الرواية من تفسير الحدث إلى محاولة لإلغاء الحدث، أو إعادة وصفه وتفسيره بطريقة تناقض ما يعرفه ويعيشه الطرف الآخر، بل يكذبه الواقع.
اقرأ أيضا: استثمار في الاستدامة وتعزيز للأمن الغذائي
هنا تنتقل «التقية السياسية» من المراوغة إلى محاولة لإدارة إدراك الآخر، حيث إنهم لا يكتفون بمحاولة إخفاء نيتهم، بل يحاولون الفرض على الطرف الآخر كيف يفهم الواقع، وكما يريدون أن يفهم الأحداث كما هم يتمنون.
لذلك فإن عبارة: «أنتم تأخذون أخباركم ومعلوماتكم من الإعلام الأمريكي أو الغربي»، تتجاوز مفهوم الدفاع عن الموقف الإيراني إلى التشكيك في معرفة الخليجي بواقعه، وكأن المطلوب منه أن لا يصدق ما يراه وما يعيشه مجتمعه، ولا يثق ببيانات وتصريحات حكومة بلده، ليقبل رواية إيرانية لا يقبلها ولا يصدقها من كان لديه ذرة عقل.
على أصحاب الرواية الإيرانية، العلم بأنهم لا يواجهون في دول الخليج مجتمعات مرتبكة في هويتها أو مترددة في ولائها، بل مواطنين يعرفون دولهم، ولاءهم مطلق لأوطانهم، ويثقون بقادتهم، ويدركون طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة وأوطانهم..
لذلك، محاولة إقناع الخليجي برواية خارجية أصدق من دولته أو من الواقع الذي يعيشه، ما هي إلا سوء تقدير لطبيعة المجتمع الخليجي، لهذا فإن مشكلة الخطاب الإيراني ليست في تناقضه فقط، بل في اعتقاده بإمكانية اختراق ثقة الخليجي بوطنه بمجرد تكرار رواية مختلفة..
لذا عليهم معرفة أن الرواية السياسية محدودة الأثر إذا واجهت مجتمعاً يعرف نفسه ودولته وواقعه، ولا تستطيع أن تنافس وطناً يعرفه أبناؤه ويثقون به، ومن أهم عناصر القوة الخليجية: التماسك الداخلي، ووضوح الولاء والانتماء، والثقة بالدولة وقيادتها ومؤسساتها.
اقرأ أيضا: الأردنية تختتم احتفالاتها بتخريج فوج الهواشم
