تعزيز الدفاع الخليجي المشترك.. ضرورة ملحة في زمن الاضطرابات المتصاعدة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يعود
شبح الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ليخيم على الوضع الأمني في الخليج
العربي، إذ تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها منخرطة فيها بحكم قربها الجغرافي
بالإضافة إلى وجود أصول عسكرية أمريكية فيها، تتمثل في قواعد عسكرية جوية وبحرية.
فرغم رفض الدول الست للحرب على حد إعلانها الرسمي، إلا أنها اكتوت بنارها. هذه
المفارقة تطرح اليوم سؤالاً استراتيجياً لا يمكن تأجيله: هل آن الأوان لإعادة بناء
منظومة دفاع خليجية قائمة على الاعتماد الذاتي بدلاً من الاعتماد على الخارج؟

اقرأ أيضا: أولياء أمور “معظمهم يهود” يقاضون مدرسة في كاليفورنيا بسبب رحلة إلى مسجد

نظرة
تاريخية للوجود العسكري الأمريكي في دول الخليج:

يعود
الوجود العسكري الأمريكي في دول الخليج إلى فترة الغزو العراقي للكويت عام 1990م،
حيث طلبت دول الخليج تدخلا عسكريا عالميا لإخراج الجيش العراقي من الكويت، بعدها قادت
الولايات المتحدة الأمريكية التحالف العالمي في عملية درع الصحراء في آب/أغسطس 1990
لحماية المملكة العربية السعودية من زحف الجيش العراقي وقتها، ثم لاحقا عملية
عاصفة الصحراء في كانون الثاني/ يناير من عام1991 لتحرير الكويت.

وبمجرد
انتهاء العمليات العسكرية الأمريكية بنجاح، وقعت عدة دول خليجية اتفاقيات عسكرية
لتأسيس وجود عسكري أمريكي دائم في أراضيها؛ رغبة منها في عدم تهديد أمنها من أي
جهة كانت. غير أن هذا النموذج، الذي بدا منطقياً في سياق دولي أحادي القطبية، لم
يعد قادراً على مواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة التهديدات الإقليمية والدولية،
فالأمن الذي يُستورد من الخارج يبقى رهينة لأولويات صانعيه، لا لاحتياجات متلقيه.

السلوك
الأمني الأمريكي في المنطقة:

استغلت
الولايات المتحدة الأمريكية وجودها العسكري المتنامي بعد حرب الخليج الثانية في
تعزيز سيطرتها وقبضتها على المنطقة، مستفيدة من وجودها في كثير من الأحيان لمصالحها
الخاصة بعيدا كل البعد عن مصالح الدول المستضيفة لهذه القواعد:

– مارست
في الفترة الرئاسية الأولى للرئيس دونالد ترامب (2016-2020م) ضغوطا هائلة لإبقاء
أسعار النفط منخفضة، رغبة من ترامب في تحقيق أهم وعوده لناخبيه وهو خفض أسعار
النفط، وبالتالي تضرر ميزانيات دول الخليج بشدة.

– استخدام
الولايات المتحدة قواعدها في دول الخليج لشن حرب على أفغانستان في عام 2001م رغم
معارضة دول الخليج سياسيا لها، ثم لاحقا غزو العراق في عام 2003م بغية تغيير
النظام، وهو ما أدى إلى اندلاع فوضى في المنطقة تمثلت في تشريد ومقتل آلاف
العراقيين، وتحمل دول الخليج جزءاً من عبء الأزمة الإنسانية.

– تغافل
الدفاعات الجوية الأمريكية في قاعدة العديد بقطر عن التصدي للهجوم الإسرائيلي في أيلول/سبتمبر
الماضي على قيادة حركة حماس (الجناح السياسي) في الدوحة، حيث كانت القيادة تجتمع
لبحث الصفقة النهائية لوقف المجزرة الإسرائيلية في غزة، وهو ما أدى إلى مقتل 6
أشخاص بينهم أبناء القادة ونجاة القيادة من الهجوم.

– شنت
الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع إسرائيل حربا على إيران في بداية آذار/مارس
الماضي، متجاهلة كل الرفض الخليجي والذي عبر عنه معالي السيد وزير الخارجية
العماني السيد بدر البوسعيدي في تصريحاته لوسائل الإعلام الأمريكية قبل بدء الحرب
بساعات؛ أن “سلطنة عمان حققت وساطتها اختراقا كبيرا في سبيل التوصل لاتفاق
نووي جديد مع طهران”.

درع
الجزيرة:

تأسست
قوات درع الجزيرة عام 1984 لحماية حدود دول أعضاء المجلس، وردع التهديدات
الإقليمية، وتعزيز التنسيق العسكري والتدخل الجماعي عند الحاجة لحماية الاستقرار
والأمن القومي لدول المجلس، وهو ما تم تطبيقه فعليا على الأرض إبان الغزو العراقي للكويت،
حيث كانت قوات درع الجزيرة في المقدمة عند استعادة الكويت وطرد الجيش العراقي منها
في صبيحة 26 شبط/فبراير 1991م، لكن ومنذ ذلك التاريخ لم تشهد هذه القوات أي تطور
نوعي، واكتفت كل دولة من الدول الأعضاء في تطوير جيشها بمعزل عن الأخرى، ووفقا
لمصالحها بعيدا عن المصالح الجماعية لدول المجلس.

اقرأ أيضا: الاحتلال يحذر من اختراق استخباري إيراني يستهدف الصحفيين وأجهزة الدولة

الحرب
على إيران تستدعي بداية حقبة جديدة للأمن في الخليج بعيدا عن الولايات المتحدة:

اتخذت
إيران توجها جديدا ضمن مسار آخر، طبقا لتصريحات المرشد الأعلى السابق علي خامنئي
في خطاب له في شباط/فبراير الماضي قبيل أسابيع من بدء الحرب، مع استمرار الحشد
العسكري الأمريكي في المنطقة، بأن الحرب القادمة ستكون إقليمية ولن تقتصر على
بلاده وحدها، وهو ما ترجم عمليا من رد إيران بعد بدء الحرب مباشرة عليها من واشنطن
وتل أبيب؛ باستهداف الأصول العسكرية الأمريكية في دول الخليج من قواعد عسكرية
ومرافق دعم لوجستي، وصولا إلى إغلاق مضيق هرمز لتحويل الحرب إلى أزمة اقتصادية
عالمية بارتفاع أسعار النفط، وهو ما صب أثره بشكل بالغ على دول الخليج التي تخرج
معظم صادراتها النفطية عبر هرمز، وبالتالي دخولها ضمن صراع خطير رفضته بشدة.

وليس
هذا فقط، فالمعادلة التي رسمها خامنئي الأب امتدت إلى منشآت تحتية خليجية، طبقا
لتهور إدارة ترامب في استهداف منشآت تحتية استراتيجية إيرانية ممثلة في محطات
كهرباء وموانئ ومطارات، بالإضافة إلى محطة بوشهر النووية المطلة على الخليج العربي،
وهو ما قابله رد إيراني باستهداف (غير مشروع) لمنشآت تحتية خليجية، لكن الحديث هنا
ينصب على استهانة الولايات المتحدة بمصالح حلفائها الخليجيين ورفضهم للحرب المدمرة
التي لمسوا آثارها المدمرة على جميع الأصعدة.

وطبقا
لهذا التطورات، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الست بحاجة لإعادة النظر في وضعها
الأمني المشترك، بسبب استهانة الولايات المتحدة الأمريكية في مقاربتها الأمنية
للمنطقة بعيدا عن المصالح الخليجية، كما أن تصاعد أدوار قوى دولية أخرى، مثل
الصين، يشير إلى تحولات في موازين القوى العالمية، الأمر الذي يفرض على دول الخليج
إعادة صياغة مقاربتها الأمنية بما يحقق قدراً أكبر من الاستقلالية والتوازن. لذلك
فالمقاربة الأمنية الجديدة تقتضي بدء صفحة جديدة من تطوير منظومة أمنية خليجية
جديدة (بتطوير درع الجزيرة) بعيدا عن الوجود الأمني الأجنبي، مع ضمانات إقليمية
مشتركة لدول مثل إيران وتركيا وباكستان ومصر.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: كوشنر يلتقي قيادة حماس في القاهرة قبل توجهه إلى تل أبيب للقاء نتنياهو

‫0 تعليق