لم تعد الجريمة في زمن السوشيال ميديا مجرد واقعة تبدأ بمحضر وتنتهي بتحقيق أو حكم قضائي، وإنما أصبحت في أحيان كثيرة مادة مفتوحة للاستهلاك اليومي، تتناقلها الصفحات والحسابات، وتعيد تدوير تفاصيلها عشرات المرات، حتى تتحول المأساة الإنسانية إلى «تريند» يتسابق الجميع على اقتناص أكبر قدر ممكن من المشاهدات والتفاعلات. وبينما يبحث رجال الشرطة عن الحقيقة، وتعمل جهات التحقيق على جمع الأدلة، وتنتظر ساحات القضاء اكتمال الصورة، تكون بعض منصات التواصل قد انتهت بالفعل من كتابة روايتها الخاصة، وحددت الجاني، وأصدرت حكمها، وربما اخترعت تفاصيل لم ترد أصلاً في التحقيقات.
اقرأ أيضا: نتيجة تنسيق رياض الأطفال 2026.. رابط الاستعلام وخطوات التقديم والمصروفات – الأسبوع
المشكلة هنا ليست في اهتمام الناس بأخبار الجرائم والحوادث، فهذا أمر طبيعي، بل في الطريقة التي يتم بها تقديم هذه الأخبار والتعامل معها؛ فهناك فارق كبير بين إعلام ينقل واقعة تهم المجتمع، ومحتوى رقمي يحول الواقعة إلى سلعة، وبين صحفي أو صانع محتوى يبحث عن الحقيقة، وآخر يبحث فقط عن «التكة» التي يستطيع من خلالها صناعة عنوان صادم وفيديو يحقق ملايين المشاهدات.
وفي هذا السباق، تصبح المأساة الإنسانية مجرد وسيلة، وتصبح معاناة الضحايا وأسرهم وقوداً لخوارزميات لا تعرف سوى أرقام المشاهدة ونسب التفاعل.
الأكثر خطورة أن بعض صناع المحتوى لم يعودوا يكتفون بالنقل، وإنما أصبحوا يمارسون أدواراً ليست من اختصاصهم؛ يظهر أحدهم في فيديو ليحلل الجريمة كما لو كان محققاً جنائياً، ويظهر آخر ليشرح العقوبة وكأنه محامٍ، ثم يأتي ثالث ليصدر حكمه على المتهم وكأنه قاضٍ، وكل ذلك بينما التحقيقات ربما لا تزال في بدايتها، وفي أحيان أخرى، يتم بناء رواية كاملة اعتماداً على منشور مجهول أو تعليق من أحد الجيران أو رواية غير موثقة، ثم تقدم للمشاهد باعتبارها حقيقة مكتملة.
وهنا تكمن كارثة حقيقية؛ لأن الكلمة التي تخرج من شاشة الهاتف قد تتحول إلى اتهام يطارد إنساناً لسنوات، صورة قديمة يمكن أن تصبح دليل إدانة في «محكمة السوشيال ميديا»، ومعلومة غير صحيحة يمكن أن تنتشر آلاف المرات، بينما تصحيحها بعد ذلك لا يصل إلى العدد نفسه من الناس الذين شاهدوا الرواية الأولى. وفي الوقت الذي ينص فيه القانون على قرينة البراءة، قد يكون جمهور المنصات قد أصدر حكمه بالفعل، دون تحقيق أو دفاع أو أدلة أو حكم قضائي.
ولا يمكن تجاهل أن هذا النوع من المحتوى يستفيد من طبيعة الخوارزميات التي تكافئ المحتوى القادر على جذب الانتباه. والجريمة بطبيعتها تمتلك كل عناصر الإثارة: الغموض والخوف والمفاجأة والصدمة، ولذلك، فإنها تتحول بسهولة إلى مادة رائجة، خصوصاً عندما تقدم بعناوين مبالغ فيها وصور صادمة وتفاصيل شخصية لا علاقة لها بالحق العام في المعرفة.
وهكذا تنشأ دائرة خطيرة.. جريمة تتحول إلى تريند، والتريند يجلب المشاهدات، والمشاهدات تحقق أرباحاً، والأرباح تشجع على البحث عن جريمة جديدة، ثم تبدأ الدورة من جديد.
الأخطر من ذلك أن الإفراط في استهلاك أخبار الجريمة قد يؤثر في الصورة التي يكونها الإنسان عن المجتمع من حوله. فقد ناقشت أبحاث إعلامية عالمية عديدة تأثير التعرض المتكرر لمحتوى الجريمة على إدراك الجمهور لمستوى الخطر. وترتبط هذه الفكرة بما يُعرف بنظرية «الغرس الإعلامي»، التي تفترض أن التعرض المستمر لنمط معين من الرسائل الإعلامية يمكن أن يؤثر تدريجياً في تصور الإنسان للواقع.
وفي دراسة منشورة في Journal of Communication، ارتبطت كثافة التعرض لأخبار الجريمة المحلية بارتفاع مستويات الخوف والقلق بين أفراد المجتمع، بما يشير إلى أن الطريقة التي تقدم بها أخبار الجريمة يمكن أن تؤثر في إدراك الجمهور للخطر، وليس فقط في معرفته بالوقائع.
وتكمن المشكلة في أن السوشيال ميديا لا تقدم للمستخدم صورة عشوائية أو متوازنة عن الواقع، وإنما تدفع إليه غالباً المحتوى الذي يثير اهتمامه ويجعله يستمر في المشاهدة، ولذلك، فإن الشخص الذي يشاهد فيديوهات الجرائم بكثافة، سيجد نفسه أمام المزيد منها، وقد يبدأ تدريجياً في الاعتقاد بأن الجرائم تحاصره من كل اتجاه.
وهنا يصبح ما تراه العين على شاشة الهاتف أكثر حضوراً من الواقع نفسه، ويتحول الاستثناء إلى ما يشبه القاعدة، رغم أن التكرار الرقمي لا يعني بالضرورة التكرار الواقعي.
ومن هنا تظهر خطورة ما يمكن تسميته «صناعة الخوف»، فحين تتكرر أمام المواطن يومياً عناوين من نوع «جريمة تهز البلاد»، و«حادث يهز المنطقة»، و«تفاصيل صادمة»، و«لن تصدق ماذا حدث»، فإن الرسالة المتراكمة لا تكون مجرد نقل أخبار منفصلة، وإنما قد تتحول إلى شعور عام بأن المجتمع أصبح أكثر عنفاً وخطورة.
وهذا الشعور لا يخدم المجتمع، بل يضرب الثقة ويزيد القلق ويمنح الشائعات بيئة خصبة للانتشار.
والأمر لا يتعلق فقط بالمتلقي، وإنما بالضحايا أيضاً: فالضحية ليست «محتوى»، وأسرتها ليست مادة لرفع المشاهدات، وصور الحوادث ليست ملكاً لمن يريد صناعة فيديو أكثر إثارة.
هناك حدود أخلاقية يجب ألا يتجاوزها أي إعلامي أو صانع محتوى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأطفال أو أسر فقدت أحد أفرادها في ظروف مؤلمة، ليس كل ما يمكن تصويره يصلح للنشر، وليس كل ما يمكن نشره يجب أن يتحول إلى مادة للتريند.
اقرأ أيضا: وزيرا «الاستثمار» و«العمل» يتفقدان عددًا من المصانع بالمنطقة الاستثمارية في بنها
والأمر نفسه ينطبق على المتهم؛ فالمتهم ليس مداناً لمجرد أن صورته انتشرت، ولا يصبح مجرماً لأن آلاف المستخدمين كتبوا ذلك في التعليقات، هناك تحقيقات وتحريات وأدلة ونيابة وقضاء.
ومن أخطر مظاهر الفوضى الرقمية أن تتحول منصات التواصل إلى محاكم شعبية تسبق مؤسسات الدولة، وتصدر أحكاماً لا يمكن التراجع عن آثارها حتى بعد ظهور الحقيقة.
لذلك، فإن مواجهة «سبوبة الجريمة» لا تعني منع أخبار الحوادث أو التعتيم على الجرائم، وإنما تعني إعادة الاعتبار إلى المهنية والمسئولية، يجب أن تكون المعلومة مؤكدة قبل نشرها، وأن يتم احترام قرينة البراءة، وأن تتوقف الصفحات عن نشر الصور والمشاهد الصادمة لمجرد جذب الانتباه، وألا تتحول روايات الجيران أو الشهود إلى حقائق نهائية قبل انتهاء التحقيقات.
كما يجب أن تتراجع لغة الإثارة والمبالغة، وأن يحل محلها التحليل الموضوعي الذي يساعد الناس على فهم الظاهرة بدلاً من تخويفهم منها.
ويبقى الجمهور نفسه طرفاً أساسياً في المواجهة؛ لأن المحتوى الذي لا يجد جمهوراً يفقد قيمته الاقتصادية، وكل مشاهدة أو مشاركة لمحتوى مضلل تمنحه فرصة جديدة للانتشار، بينما تجاهل المحتوى المبتذل أو المبالغ فيه يقلل من جدواه بالنسبة لمن يتعامل مع الجريمة باعتبارها سبوبة.
إذاً.. لا يمكن أن يكون الحل في إخفاء الجرائم، فالمجتمع من حقه أن يعرف، والإعلام من واجبه أن يكشف الحقيقة، لكن المعرفة شيء، والمتاجرة بمآسي الناس شيء آخر تماماً. الجريمة يجب أن تكون موضوعاً للفهم والوقاية والمواجهة، لا مادة للفرجة والتربح.
فالمجتمع لا يحتاج إلى من يخفي عنه الحقيقة، لكنه يحتاج إلى من يعرضها دون تهويل، ودون تشهير، ودون أحكام مسبقة، ودون تحويل كل حادث إلى دليل على أن المجتمع أصبح عنيفاً.
إن أخطر ما تفعله «سبوبة الجريمة» أنها لا تكتفي بتحويل المأساة إلى مشاهدات، وإنما قد تحول الاستثناء إلى قاعدة في وعي الناس، وتبيعهم الخوف في صورة «تريند».
ويجب أن نعي جيداً أن الجريمة ليست سبوبة.. والضحية ليست محتوى.. والحقيقة أكبر من أن تُختصر في «لايك وشير».
اقرأ أيضا: حابس الشروف: إسرائيل تكثف ضرباتها في جنوب لبنان لفرض واقع جديد قبل الانتخابات
