السموم الغازية الساخنة التي دمرت الحياة قبل ملايين السنين.. هل ترجع قريبا؟ | علوم

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

كشف فريق متعدد التخصصات من جامعة ولاية فلوريدا عن أدلة جديدة حول انبعاثات غازية من الصخور في الجو أدت إلى تغيرات مناخية سريعة قبل ملايين السنين وساهمت في أحداث الانقراض الجماعي القديمة.

اقرأ أيضا: المسيّرات تدخل حرب اليمن.. كيف تغيّر قواعد الاشتباك مع الحوثيين؟

وبحسب نتائج الدراسة التي نشرها الفريق مؤخرا في دورية “ساينس أدفانسز” (Science Advances) العلمية، فإن أعظم الانقراضات الجماعية في التاريخ لم تكن ناجمة فقط عن البراكين التي تقذف الحمم البركانية في الهواء الطلق، بل أيضا عن انبعاثات غازية من صخور تسخنت ببطء في أعماق الأرض دون أن تنفجر.

انبعاثات الكبريت والكربون في الجو ساهمت في حدوث الانقراضات الكبرى (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)
الأسس الفيزيائية والكيميائية للغلاف الجوي للأرض هي نفسها اليوم كما كانت آنذاك (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

صخور تتنفس دون أن تتحول إلى براكين

لطالما اعتبر علم الجيولوجيا الانفجارات البركانية الهائلة السبب الرئيسي لفترات التبريد الكبرى والاضطرابات المناخية في الماضي. وفي الدراسة الجديدة، يقترح الفريق آلية ثانية قد تكون لعبت دورا حاسما بالقدر نفسه من الأهمية، وهي انبعاثات الكبريت من الصخور الرسوبية التي تعرضت إلى حرارة وضغط شديدين في أعماق الأرض دون أن تنفجر على السطح. تسمى هذه الآلية التحول الصخري، وهو عملية صهر بطيئة للصخور المدفونة تحت حرارة وضغط شديدين.

لفهم هذه الآلية، يقول مايكل دايموند، في حوار مع الجزيرة نت عبر البريد الإلكتروني، إن الدراسة “تركز على الصخور الساخنة تحت سطح الأرض التي لا تتحول إلى براكين، ولكنها مع ذلك تطلق هذه الغازات الغنية بالكبريت والكربون التي يمكن أن تصعد من الأعماق”.

ووفقا للبيان الصحفي لجامعة ولاية فلوريدا، تحدث هذه العملية عندما تُسخّن الصهارة الصخور الموجودة تحت سطح الأرض، في مناطق صهارية شاسعة تسمى الأقاليم النارية الكبيرة مثل مقاطعة فيرار النارية في القارة القطبية الجنوبية أو مصاطب سيبيريا في روسيا، وكذلك في أحواض الصخر الزيتي الغنية بالكبريت والكربون. وإذا كانت هذه الصخور تحتوي على الكبريت والكربون، فإنها تطلق غازات تتسرب بفعل الحرارة إلى سطح الأرض.

انبعاثات الكبريت والكربون في الجو ساهمت في حدوث الانقراضات الكبرى (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)
إطلاق الغازات أثناء تحول الصخور هو عملية بطيئة يصعب ملاحظتها اليوم (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

الكربون يسخّن والكبريت يبرّد

المفارقة تتمثل في أن هذين الغازين، الكربون والكبريت، لا يؤديان الدور نفسه عند وصولهما إلى سطح الأرض؛ فالكربون ينتشر على شكل ثاني أكسيد الكربون المستقر في جميع أنحاء الغلاف الجوي، ويعمل -كما يقول مايكل، “كغطاء كبير يغطي الأرض، يحبس الحرارة قبل أن تتسرب إلى الفضاء”.

أما الكبريت، فيتفاعل مع مركبات جوية أخرى لتكوين جزيئات تسمى رذاذ الكبريتات. هذه الجزيئات تعمل كمرايا صغيرة، تعكس جزءا من طاقة الشمس إلى الفضاء، كما تعمل أيضا كبذور للسحب من خلال جذب بخار الماء، مما يكسب السحب قدرة أكبر على عكس الضوء ويزيد من تأثير التبريد. ويكمن الاختلاف الرئيسي الثاني بين الغازين في مدة مكوث كل منهما في الجو، حيث يزول رذاذ الكبريتات بفعل الأمطار في غضون أيام قليلة، بينما يمكن أن يبقى ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي لآلاف السنين.

إذا كانت هذه الآلية قد غابت عن أنظار الجيولوجيين لفترة طويلة، فذلك تحديدًا بسبب دقتها. توضح إميلي ستيوارت في حوار خاص مع الجزيرة نت عبر البريد الإلكتروني: “لطالما ركز المجتمع الجيولوجي على انبعاثات الغازات البركانية، ببساطة لأن هذه الانبعاثات أكثر وضوحا وأسهل في الملاحظة”.

أما إطلاق الغازات أثناء تحول الصخور، فهو “عملية بطيئة يصعب ملاحظتها اليوم، وبالتالي يسهل إغفالها”. مع ذلك، وكما تقول الباحثة نفسها، “اتضح أن هذا النوع من الإطلاق البطيء والثابت للكبريت ضروري لتحفيز التبريد طويل الأمد”. وتقارن هذه الظاهرة بحكاية السلحفاة والأرنب: “من السهل نسيان السلحفاة، ولكن بمرور الوقت، قد تثبت عملية أبطأ أهميتها”.

The sun rises over the capital, viewed from Sawyers Hill, Richmond Park in west London on May 24, 2026, as temperatures increase to heatwave levels and are set to rise further over the long bank holiday weekend. (Photo by Brook Mitchell / AFP via Getty Images)
غالبا ما تحدث أشدّ الآثار السلبية على النظم البيئية عندما تتضافر عدة عوامل ضغط في آن واحد أو بتتابع سريع (غيتي)

تذبذب مناخي أدى إلى انقراضات

هذا التناقض في تأثير الكربون والكبريت خلق وضعا مقلقا للغاية بالنسبة للأنظمة البيئية القديمة. يوضح مايكل “تعود موجات التبريد المفاجئة إلى الكبريت، الذي لا يبقى في الغلاف الجوي لأكثر من بضعة أيام قبل أن يتبدد”. ويضيف أن تأثير الاحترار المعاكس يعود إلى الكربون، الذي يبقى في الغلاف الجوي لمئات أو آلاف أو حتى ملايين السنين. نتيجة لذلك يصبح الغلاف الجوي أكثر دفئًا بعدة درجات مما كان عليه سابقًا، حتى بعد موجة تبريد مفاجئة ناتجة عن الكبريتات، إذ يستمر الكربون في التسخين بينما يختفي الكبريت من النظام.

اقرأ أيضا: الاحتلال يجبر مقدسيين على إخلاء وهدم منازلهم في سلوان

بحسب مؤلفي الدراسة، فإن هذا التذبذب بين المناخات الدافئة والباردة هو الذي أفنى الكثير من الكائنات وأدى إلى حالات انقراض كثيفة على مدى مئات ملايين السنين. من بين الانقراضات القديمة التي يُحتمل أن يكون هذا النوع من الانبعاثات قد تأثر بها الانقراض الذي حدث قبل حوالي 440 مليون سنة، وقضى على ما يصل إلى 85% من أنواع الكائنات البحرية الضحلة.

ويعد انقراض نهاية العصر الديفوني، قبل حوالي 370 مليون سنة، والذي تميز باختفاء العديد من الشعاب المرجانية، و”الانقراض العظيم” الذي حدث قبل حوالي 252 مليون سنة، وقضى على ما يصل إلى 96% من الأنواع البحرية و70% من الأنواع البرية، من بين الانقراضات التي كان لتذبذب المناخ دورا في وقوعها.

كما ساهمت هذه التأثيرات أيضا في حدوث انقراض نهاية العصر الترياسي، قبل حوالي 201 مليون سنة، والذي قضى على العديد من مجموعات الزواحف الضخمة التي سيطرت على البر والبحر والسماء، مما مهد الطريق لظهور الديناصورات.

ما تأثير هذه الانبعاثات على مناخ اليوم؟

يؤكد دايموند أن “الحياة تتمتع بمرونة فائقة، ولكن لهذه المرونة حدود”. بحسب رأيه، غالبا ما تحدث أشدّ الآثار السلبية على النظم البيئية عندما تتضافر عدة عوامل ضغط في آن واحد أو بتتابع سريع، ما يُحدث تأثيرا متذبذبا بين الاحترار والتبريد، وهو ما قد يكون فاقم بعض حالات الانقراض أكثر بكثير من أي ظاهرة منفردة.

ويشير الباحث إلى تشابه لافت مع عصرنا الحالي، فالأبحاث المتعلقة بهباء الكبريت الذي يخفي اليوم جزءا من ظاهرة الاحتباس الحراري تنطبق -كما يقول- على هذا الوضع الماضي المختلف تماما، عندما انعكست نتائج هذه الانبعاثات مجتمعة، وتجاوز تأثير التبريد الناتج عن الهباء في البداية تأثير ثاني أكسيد الكربون المسبب للاحترار.

ويخلص مايكل إلى أن “الأسس الفيزيائية والكيميائية للغلاف الجوي للأرض هي نفسها اليوم كما كانت آنذاك والفرق يكمن في حجم وسرعة هذه الانبعاثات”، مضيفا أن “هذه طريقة لتذكيرنا بأنه لفهم أزمات المناخ في المستقبل، نحتاج أحيانا إلى العودة إلى الماضي البعيد، بل وأحيانا إلى ما تحت أقدامنا”.

اقرأ أيضا: “حماية البيئة” يوافق على دعم حزمة من المشاريع البيئية والتنموية

‫0 تعليق