الخوارج الجدد.. حين يتحول السخط إلى عقيدة والهروب من المسؤولية إلى منهج – الأسبوع

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ما أكثر الذين أرهقوا ألسنتهم في نقد الناس، وأتعبوا أعينهم في تتبع عيوب المجتمعات، وأفنوا مجالسهم في تعداد أخطاء الحكام والمسؤولين، حتى كأنهم وُكّلوا بتفتيش الأرض، ولم يُكلّفوا بتفتيش أنفسهم! تراهم يفتحون للناس دفاتر الحساب، ويغلقون على أنفسهم أبواب المراجعة، فإذا رأوا عيبًا في غيرهم أقاموا عليه مأتمًا، وإذا رأوا مثل ذلك العيب في أنفسهم بحثوا له عن عذر، فإن لم يجدوا عذرًا وجدوا مسؤولًا يحملونه التبعة، أو دولة يعلقون عليها الفشل، أو مجتمعًا يجعلونه شماعة لكل تقصير.

اقرأ أيضا: أمير صلاح الدين يكشف لـ صدى البلد تفاصيل الميني ألبوم الجديد ومفاجأة الديو.. فيديو

وهذه آفة قديمة في الإنسان، غير أن صورها تتبدل بتبدل الأزمنة، فقد كان الخوارج الأوائل يخرجون من ضيق النظر إلى الدين إلى ضيق النظر إلى الناس، فيرون الحق حكرًا على فهمهم، ويقيسون الخلق بمقياسهم، فإذا خالفهم مخالف أسرعوا إلى تخطئته وتضليله، ثم لا يلبث الغلو أن يقودهم من الحكم على القول إلى الحكم على القائل، ومن الحكم على القائل إلى استحلال دمه وعرضه. أما خوارج هذا الزمان، فقد لا يحملون سيفًا، ولا يرفعون راية، ولا يهتفون بشعارهم القديم، ولكن شيئًا من ذلك المزاج قد تسلل إلى النفوس، فصار بعض الناس يرى نفسه دائمًا في مقام الناقد، والآخرين دائمًا في مقام المتهم، وصار الغضب عنده دليل وعي، والسخط علامة غيرة، والسباب شجاعة، والتشهير إصلاحًا، وسوء الظن فطنة، والتعالي على الناس دينًا.

وما أبعد الفرق بين أن تكون بصيرًا بالعيوب

وبين أن تكون أسيرًا لها، فالمؤمن لا تعميه محاسن الناس عن نقائصهم، ولا نقائصهم عن محاسنهم، يعرف الخطأ خطأ، ولكنه لا يجعل الخطأ دينًا، ولا يجعل المخطئ شيطانًا، ولا يجعل من نفسه ميزانًا معصومًا توزن به الخليقة. أما صاحب الهوى فإنه إذا نظر إلى الناس لم ير إلا عيوبهم، وإذا نظر إلى نفسه لم ير إلا أعذاره، هو في عينه مجتهد وإن قصر، ومعذور وإن أخطأ، ومضطر وإن اختار، ومظلوم وإن ظلم، بينما الناس عنده مقصرون وإن أحسنوا، ومدانون وإن اعتذروا، ومخطئون وإن أصابوا.

وما أشد حاجة الإنسان إلى المرآة حين يطيل الوقوف أمام النوافذ، فإن النافذة تريك العالم، وأما المرآة فتريك نفسك، وما أكثر من أحبوا النوافذ لأنهم يجدون فيها عيوب الآخرين، وكرهوا المرايا لأنها ترد إليهم وجوههم كما هي. وقد صدق القائل:

نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا

وما لزمانِنا عيبٌ سوانا

وما أكثر ما نردد هذه الحكمة ثم ننسى أن نطبقها على أنفسنا! فنحن نعرف عيوب الإدارة، ونحصي أخطاء المسؤولين، ونعدد نقائص المجتمع، ونرصد كل صغيرة وكبيرة، ولكننا نادراً ما نجلس مع أنفسنا جلسة صدق، فنقول: أين تقصيري؟ وأين أخطأت؟ وماذا صنعت أنا؟ وما الذي كان في مقدوري أن أصلحه فلم أفعل؟

إن الإنسان يجد لذة خفية في اتهام غيره، ففي اتهام الآخرين راحة للنفس، لأنه ينقل عنها ثقل السؤال. فإذا قلت: المسؤول هو السبب، فقد أعفيت نفسك، وإذا قلت: الدولة هي السبب، فقد رفعت عن كاهلك شيئًا من المسؤولية، وإذا قلت: المجتمع فاسد، فقد وجدت لنفسك مكانًا تتفرج منه على فساد الآخرين دون أن تسأل: وهل أنا جزء من هذا المجتمع؟ وهل في سلوكي شيء مما أشكو منه؟

وهنا تكمن الخديعة الكبرى، أن الإنسان قد يشكو من الفساد وهو يمارس بعضه، ويستنكر الإهمال وهو مهمل، ويذم الرشوة وهو يبحث عن الواسطة، ويطالب بالنظام وهو أول من يخالفه، ويتحدث عن الأمانة وهو لا يؤدي ما اؤتمن عليه، ويطالب الدولة بالإتقان وهو لا يتقن العمل الذي يتقاضى عليه أجرًا. فإذا قيل له: أصلح نفسك، قال: وكيف أصلحها والدولة فاسدة؟ وكأن صلاح الإنسان مشروط بأن تسبقه الدولة إلى الصلاح، وكأن الله سبحانه لم يقل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

لقد أعاد القرآن الإنسان إلى موضعه الحقيقي، فلم يسمح له أن يفر دائمًا إلى الخارج، فقال سبحانه: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾. ما أبلغ هذه الآية وما أشد وقعها على النفس! فالإنسان قد يملك للناس 100 عذر، وقد يستطيع أن يقنعهم برواية محكمة عن أسباب فشله، لكنه في أعماق نفسه يعرف الحقيقة، يعرف أين توانى، وأين قصّر، وأين سوّف، وأين اختبأ خلف الظروف، وأين جعل من أخطاء الآخرين ستارًا يخفي به أخطاءه.

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، فما أحوجنا إلى هذه الآية في زمن أصبحت فيه الكلمة أسرع من الحقيقة، والإشاعة أسرع من التثبت، والحكم أسرع من المعرفة، وأصبح الإنسان يقرأ سطرًا فيبني عليه موقفًا، ويسمع خبرًا فيحوّله إلى يقين، ويرى مقطعًا فيحاكم به أشخاصًا ومؤسسات وأوطانًا. ثم يتعجب بعد ذلك لماذا كثرت الكراهية وقلّ الإنصاف.

وقد قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس»، وهي كلمة لو استقرت في القلوب لأراحت المجتمع من كثير من الضجيج. ليس معناها أن

يغلق الإنسان عينيه عن الخطأ، ولا أن يرضى بالفساد، وإنما معناها أن يعرف أن أول ميدان للإصلاح هو نفسه، وأن من لم يستطع أن يحاسب نفسه لا ينبغي أن يتعالى على الناس بمحاكمته لهم.

وقال عليه السلام: «قيمة كل امرئ ما يحسن»، فكأن الميزان ليس في كثرة الكلام، ولا في ارتفاع الصوت، ولا في عدد المسؤولين الذين نستطيع أن ننتقدهم، وإنما في مقدار ما يحسنه الإنسان من عمله. فكم من رجل يعرف كل شيء عن السياسة ولا يعرف شيئًا عن وظيفته! وكم من إنسان يحفظ أخطاء الحكومة ولا يحفظ واجباته! وكم من شخص يستطيع أن يتحدث ساعات عن إصلاح المجتمع، لكنه لا يستطيع أن يؤدي عمله ساعة بإخلاص!

إن الطبيب الذي يهمل مرضاه ثم يقضي وقته في سب الحكومة لا يكون قد أصلح الطب،

والمعلم الذي لا يؤدي رسالته ثم يلعن فساد التعليم لا يكون قد أصلح المدرسة، والموظف الذي يؤخر مصالح الناس ثم يشكو سوء الإدارة لا يكون قد حارب الفساد، والتاجر الذي يغش الناس ثم يتحدث عن انهيار الاقتصاد لا يكون بريئًا من الانهيار، والطالب الذي يهمل دروسه ثم يقول إن الدولة لم توفر له المستقبل قد نسي أن المستقبل لا يُمنح جاهزًا، وإنما يُبنى بالصبر والعلم والعمل.

وليس معنى هذا أن الحاكم لا مسؤولية له، أو أن الدولة لا تخطئ، أو أن الناس لا يحق لهم النقد والمطالبة بالإصلاح، فهذا قلب للحقائق. إنما المعنى أن العدل يقتضي أن نضع كل مسؤولية في موضعها، فلا نحمل المواطن كل أخطاء الدولة، ولا نحمل الدولة كل أخطاء المواطن. فهناك مسؤولية للحاكم، ومسؤولية للمؤسسة، ومسؤولية للأسرة، ومسؤولية للمجتمع، ومسؤولية للفرد، والمصيبة حين يتحول كل واحد إلى خبير في مسؤوليات الآخرين، ويصبح أعمى عن مسؤوليته هو.

وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. أي إن كراهيتك لإنسان لا تعطيك الحق في ظلمه، وغضبك من مسؤول لا يجعل كل ما يفعله خطأ، واختلافك مع حاكم لا يبرر أن تنسب إليه ما لم يفعل، أو أن تخلط بين النقد والافتراء، وبين النصيحة والسباب. فالإنصاف ليس ترفًا أخلاقيًا، وإنما هو من صميم التقوى.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نميز بين النقد والنقمة، فالنقد يريد الإصلاح، والنقمة تريد التنفيس. النقد يبحث عن الحل، والنقمة تبحث عن متهم. النقد يعترف بالصواب ولو جاء من الخصم، والنقمة لا ترى إلا ما يوافق غضبها. النقد يزن الكلمة قبل أن يقولها، والنقمة تقذف الكلام ثم تبحث عن عذر. النقد مسؤولية، أما السباب فغالبًا ما يكون هروبًا من المسؤولية.

ومن أخطر ما يفعله السخط الدائم أنه يقتل في الإنسان روح المبادرة، فإذا اقتنع الشاب بأن كل شيء فاسد، وأن الجميع مقصرون، وأن الدولة وحدها مسؤولة عن حياته، انتهى به الأمر إلى أن يقول: وما الفائدة؟ لماذا أدرس؟ لماذا أعمل؟ لماذا أتعب؟ وهكذا يصبح الفشل عقيدة، والكسل احتجاجًا، والتقصير موقفًا، والهروب من الواجب نوعًا من البطولة.

وهذه هي البيئة التي يمكن أن ينمو فيها الفكر الخوارجي الجديد، لا لأن كل ساخط خارجي، ولا لأن كل ناقد متطرف، وإنما لأن العقلية التي تقسم العالم إلى فسطاطين، وتضع الإنسان دائمًا في صف الطاهرين والآخرين في صف المدانين، وتجعله عاجزًا عن رؤية عيبه، هي عقلية ينبغي الحذر منها، سواء لبست ثوب الدين أو السياسة أو الثقافة أو حتى «الوعي الاجتماعي».

لقد كان الخوارج الأوائل أسرى فكرة أنهم وحدهم أهل الحق، فكانوا يضيقون بالمخالف حتى ينتهي الأمر إلى استباحته. أما الخوارج الجدد فقد يكونون أسرى فكرة أخرى: أنهم وحدهم أهل الفهم، وأن كل من لا يوافقهم جاهل أو فاسد أو عميل أو خائن أو مستفيد.وهنا يتغير الاسم ويبقى المرض: الغلو في الحكم على الناس، وضيق الصدر بالمخالفة، وسرعة الاتهام، وبطء المراجعة الذاتية.

إننا بحاجة إلى إنسان يستطيع أن يقول: أنا أخطأت، كما يستطيع أن يقول: أخطأ المسؤول. إنسان يستطيع أن يطالب الدولة بالإصلاح، ثم يعود إلى مكتبه فيتقن عمله. يستطيع أن ينتقد المجتمع، ثم يبدأ بإصلاح بيته. يستطيع أن يشكو ارتفاع الأسعار، ثم لا يغش في تجارته. يستطيع أن يطالب بالعدالة، ثم يكون عادلًا مع من يختلف معه. يستطيع أن يرفض الفساد، ثم يرفض الواسطة حين تكون في صالحه. يستطيع أن يرفع صوته بالحق دون أن يلوث الحق بالشتيمة.

وهذا هو معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام: «من نصب نفسه للناس إمامًا، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره». فما أحوجنا إلى هذه الوصية في عصر صار كل إنسان فيه قادرًا على أن ينصب نفسه واعظًا ومحللًا وقاضيًا وناقدًا، بمجرد أن يملك هاتفًا وحسابًا على موقع من مواقع التواصل!

لقد أصبحنا نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يراقب العالم كله وهو جالس في مكانه، لكنه لا يجد وقتًا لمراقبة نفسه. يرى أخطاء وزير في بلد بعيد، ويعرف تفاصيل قضية لا علاقة له بها، ويتابع أخبار الحكومات، ويحفظ أسماء المسؤولين، ويحلل القرارات، ويجادل في الاقتصاد والسياسة، ثم لا يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا: هل أديت عملي اليوم كما ينبغي؟

وما أحوجنا إلى أن نعود إلى قول الشاعر:

يا أيها الرجلُ المعلمُ غيرَهُ

هلا لنفسِكَ كان ذا التعليمُ

فليس أشد غرابة من رجل يطالب العالم كله بالاستقامة، ثم يستثني نفسه من القانون الذي يطالب به.

إن الإصلاح ليس أن ينتصر رأيك على رأي غيرك، ولا أن تسقط خصمك في معركة كلامية، ولا أن تجمع الناس حول غضبك، وإنما الإصلاح أن تجعل من نفسك لبنة صالحة في البناء. فإن كنت موظفًا فأحسن وظيفتك، وإن كنت طبيبًا فأحسن طبك، وإن كنت مهندسًا فأحسن هندستك، وإن كنت معلمًا فأحسن تعليمك، وإن كنت تاجرًا فأحسن تجارتك، وإن كنت طالبًا فأحسن طلبك للعلم، وإن كنت عاملًا فأحسن عملك، وإن كنت مسؤولًا فأحسن مسؤوليتك، وإن كنت مواطنًا فأحسن مواطنتك.

قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. لم يقل: تكلموا، ولم يقل:

اشتموا، ولم يقل: راقبوا أخطاء الآخرين، وإنما قال: اعملوا. لأن الأمم لا تنهض بالصوت العالي، وإنما تنهض باليد التي تبني، والعقل الذي يفكر، والضمير الذي يخلص، والإنسان الذي يؤدي أمانته ولو لم يصفق له أحد.

فدعوا عنكم كثرة الاشتغال بالحكم والحكومة في كل مناسبة ومن غير مناسبة، ولا تجعلوا السياسة تفسيرًا لكل شيء، ولا الدولة شماعة لكل فشل، ولا المسؤول حائطًا تعلقون عليه كل تقصير. ليس كل ما في حياتنا من صنع الحاكم، وليس كل ما يؤلمنا من صناعة الدولة، وليس كل فشل في حياتنا نتيجة قرار سياسي. أحيانًا يكون السبب فينا، وأحيانًا يكون الحل في أيدينا، وأحيانًا تكون أعظم معركة ينبغي أن نخوضها هي المعركة مع الكسل والتسويف والغرور وسوء الخلق.

إن من الحكمة أن تعرف ما تستطيع تغييره وما لا تستطيع، وأن تضع طاقتك حيث تنفع. فإن

كنت لا تستطيع أن تصلح مؤسسة بأكملها، فأصلح مكتبك. وإن كنت لا تستطيع أن تغير مجتمعًا بأكمله، فأصلح بيتك. وإن كنت لا تستطيع أن تصلح كل الناس، فأصلح نفسك، وكن نموذجًا صالحًا لمن حولك.

اقرأ أيضا: ختام دورة Sports ER لتطوير المنظومة الطبية وتأهيل الكوادر بالأندية

وما أجمل أن يكون الإنسان ممن قال فيهم الشاعر:

كن جميلًا ترَ الوجودَ جميلًا

فليس معنى ذلك أن يغض الطرف عن الشر، وإنما أن لا يسمح للشر أن يفسد بصيرته، ولا للغضب أن يسلبه إنصافه، ولا للخصومة أن تنزع منه عدله.

إن الأمة التي يريد كل فرد فيها أن يحكم، ولا يريد أحد أن يؤدي عمله، لا تنهض. والمجتمع الذي يتحول فيه كل مجلس إلى محكمة للحكومة، بينما لا يسأل أحد عن الموظف الذي لا يعمل، والمعلم الذي لا يعلم، والطبيب الذي لا يتقن، والتاجر الذي يغش، والطالب الذي لا

يدرس، والمواطن الذي لا يحترم النظام، هو مجتمع قد أتقن فن الشكوى، لكنه لم يتعلم بعد فن المسؤولية.

فلنكن أكثر إنصافًا لأنفسنا ولغيرنا، ولننظر إلى المرآة قبل أن نرفع أصابع الاتهام. ولنقل للمسؤول: عليك واجب، ولنقل لأنفسنا في اللحظة نفسها: وعليّ واجب. ولنقل للحاكم: أحسنت حين أحسنت وأخطأت حين أخطأت، ولنقل لأنفسنا: أحسنت حين أحسنت وأخطأت حين أخطأت. فالعدل لا يكتمل إذا كان موجهًا إلى الآخرين فقط.

إن أعظم ما نحتاج إليه اليوم ليس مزيدًا من الصراخ، وإنما مزيدًا من الضمير، وليس مزيدًا من الذين يعرفون عيوب الناس، وإنما مزيدًا من الذين يعرفون عيوب أنفسهم، وليس مزيدًا من الذين يطالبون الآخرين بالعمل، وإنما مزيدًا من الذين يقولون: سأبدأ بنفسي.

فليكن كل واحد منا حارسًا على موقعه، أمينًا على عمله، صادقًا في قوله، عادلًا في حكمه، رحيمًا بالناس، شديدًا على نفسه في المحاسبة، واسع الصدر في الاختلاف، بعيدًا عن الغلو والسباب والتشهير، وليترك من أمر الحكم والحكومة ما ليس من شأنه، إلا إذا كان له في ذلك علم أو مسؤولية أو نصيحة مشروعة.

فما أكثر ما أفسد الناسَ انشغالُهم بما لا يملكون، وتضييعُهم لما يملكون.

وما أحوجنا إلى أن نعود إلى السؤال الذي لا مهرب منه: ماذا قدمت أنا؟ ماذا أصلحت أنا؟ ماذا أتقنت أنا؟ ماذا تحملت أنا من المسؤولية؟ وأين أخطأت أنا؟

فإذا وقف الإنسان أمام نفسه هذا الموقف، سقطت عنه كثير من الأقنعة، وانكسرت فيه حدة الغرور، وأصبح نقده للآخرين أصدق، لأن من عرف عيبه لم يتكبر على عيب غيره، ومن ذاق مرارة الخطأ لم يتعجل في إدانة المخطئين.

وهكذا يكون الإصلاح: أن ترى خطأ الآخرين ولا تعمى عن خطئك، وأن تنكر المنكر ولا تصبح منكرًا في إنكارك، وأن تطالب بالعدل ولا تظلم، وأن تنتقد المسؤول ولا تعفي نفسك، وأن تحب وطنك دون أن تقدس أخطاءه، وأن تكره الخطأ دون أن تكره الناس، وأن تعمل أكثر مما تتكلم، وتصلح أكثر مما تلوم، وتعطي المجتمع من جهدك قبل أن تطالبه بما يعطيك.

فإن صلاح المجتمعات لا يبدأ حين تتغير الوجوه في أعلى الهرم فقط، وإنما يبدأ حين تتغير النفوس في كل موضع، حين يصبح الطبيب أكثر أمانة، والمعلم أكثر إخلاصًا، والموظف أكثر انضباطًا، والتاجر أكثر صدقًا، والطالب أكثر جدية، والعامل أكثر إتقانًا، والمواطن أكثر احترامًا، والناقد أكثر إنصافًا.

عندها فقط تتحول الشكوى إلى عمل، والغضب إلى إصلاح، والنقد إلى نصيحة، والمسؤولية من كلمة تُلقى على الآخرين إلى عهد يحمله كل إنسان في عنقه.

وعندها فقط نفهم معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

فربما كان الإصلاح الذي ننتظره من الدولة، ونطالب به المجتمع، ونلتمسه من الآخرين، واقفًا منذ زمن طويل عند باب أنفسنا، ينتظر منا أن نفتحه.

اقرأ أيضاًوزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة: «النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل»

«الفهم الصحيح للنصوص الشرعية».. الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة 10 أبريل 2026

الأوقاف تعلن موضوع خطبة الجمعة القادم: «النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل»

اقرأ أيضا: مصرع 6 عناصر شديدة الخطورة وضبط 2.5 طن مخدرات بقيمة 390 مليون جنيه بـ 3 محافظات| صور

‫0 تعليق