
تسببت الحرب مع إيران في أكبر صدمة للإمدادات في تاريخ سوق النفط، إلا أن أسعار الخام لم تصل، حتى خلال أشد مراحل القتال، إلى مستوى 150 دولاراً للبرميل الذي توقعه عدد من المحللين عند اندلاع النزاع، نتيجة تدخلات حكومية وإجراءات استثنائية حدّت من تداعيات نقص الإمدادات.
اقرأ أيضا: عيد ميلاد جيمس كاميرون.. أبرز المحطات فى تاريخ مخرج Titanic وAVATAR
وقالت صحيفة “ذي إيكونوميست” في تحليل إن حكومات عدة أسهمت في احتواء صدمة السوق، بعدما جعلت الذخائر الإيرانية مضيق هرمز غير قابل للعبور، ما أدى إلى احتجاز نحو 14 مليون برميل يومياً من الخام داخل الخليج.
وفي المقابل، وجهت الإمارات والسعودية نحو 5 ملايين برميل يومياً عبر خطوط أنابيب تتجاوز المضيق، بينما أفرجت الولايات المتحدة واليابان عن نحو مليوني برميل يومياً من مخزوناتهما الطارئة، في حين خفضت إجراءات ترشيد الاستهلاك في الدول الفقيرة جزءاً من الطلب.
وأضافت الصحيفة أن قراراً اتخذته بكين بهدوء كان له أثر أكبر في منع ارتفاع الأسعار، إذ خفضت الصين وارداتها من النفط الخام إلى النصف بين فبراير/شباط ويونيو/حزيران، بما يعادل نحو 5.5 ملايين برميل يومياً، وهو ما يرى خبراء أنه ساهم في خفض سعر خام برنت، المعيار العالمي، بنحو 30 دولاراً أو أكثر للبرميل.
اظهار أخبار متعلقة
وأشارت إلى أن هذا الانخفاض يتجاوز نصف التراجع العالمي في الطلب خلال عمليات الإغلاق المرتبطة بجائحة كورونا، عندما انهار الطلب العالمي بنحو 9 ملايين برميل يومياً، لكن الفارق أن الاقتصاد الصيني لم يدخل في حالة ركود خلال الفترة الأخيرة، ما يعني أن تراجع مشترياته من الخام الأجنبي لم يكن نتيجة ضعف اقتصادي.
وبحسب “ذي إيكونوميست”، فإن قدرة الصين على زيادة الطلب على النفط أو خفضه، مع تحمل كلفة اقتصادية محدودة نسبياً، تمنحها نفوذاً متزايداً في تحديد الأسعار، على غرار الدور الذي لعبته منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” وحلفاؤها لعقود عبر التحكم في جانب كبير من الإنتاج العالمي. ونقلت الصحيفة عن مسؤول في تجارة النفط قوله إن “الصين هي أوبك الجديدة”.
ولفت التحليل إلى أن الصين تستخدم ثلاث أدوات رئيسية للتأثير في سوق النفط، أولها مخزوناتها الوطنية، وثانيها التحكم في صادرات المنتجات النفطية، وثالثها خفض الطلب المحلي على الوقود.
المخزونات النفطية
وأوضحت الصحيفة أن الصين اشترت خلال الأشهر الـ12 السابقة لبداية عام 2026 نحو 200 مليون برميل بأسعار منخفضة، لترفع احتياطياتها التي كانت تقدر بنحو مليار برميل. ويعتقد متعاملون في السوق أن هذه المشتريات ساهمت في رفع السعر العالمي للبرميل بما يتراوح بين 10 و20 دولاراً قبل اندلاع الحرب مع إيران.
وبعد وصول آخر شحنات النفط القادمة من الخليج قبل الحرب في أواخر أبريل/نيسان، بدأت الصين في سحب كميات من مخزوناتها. وبحلول يوليو/تموز، كانت مخزونات النفط قد انخفضت بنحو 70 مليون برميل، وفق شركة “فورتكسا” المتخصصة في بيانات الطاقة، من دون احتساب الكميات المسحوبة من منشآت التخزين العائمة والمخزنة في منشآت تحت الأرض.
ووفق تقديرات الصحيفة، فإن احتساب تلك الكميات يرفع إجمالي ما سحبته الصين من مخزوناتها خلال ثلاثة أشهر إلى نحو 150 مليون برميل، أي ما يعادل نحو 1.5 مليون برميل يومياً.
وأضافت أن إدارة المخزونات قد تكون مسؤولة، إلى جانب وقف شراء نحو مليون برميل يومياً كانت الصين تخصصه لزيادة احتياطياتها، عن نحو 2.5 مليون برميل يومياً من إجمالي الانخفاض البالغ 5.5 ملايين برميل يومياً في وارداتها.
خفض صادرات الوقود
أما الأداة الثانية، فتتمثل في القيود على صادرات المنتجات النفطية. وذكرت “ذي إيكونوميست” أن الصين، بوصفها ثاني أكبر دولة في العالم من حيث تكرير النفط، تعد مورداً رئيسياً للوقود إلى دول آسيوية أخرى، إلا أن الحكومة أمرت في مارس/آذار المصافي المحلية بوقف توقيع عقود تصدير جديدة وإلغاء أو تقليص عدد من العقود القائمة.
وبين فبراير/شباط وأبريل/نيسان، انخفضت صادرات الصين من المنتجات النفطية بنحو النصف، إلى 430 ألف برميل يومياً، بينها نحو 180 ألف برميل يومياً من وقود الطائرات، ما وفر على المصافي الصينية الحاجة إلى معالجة ما بين 1.2 و1.8 مليون برميل يومياً من الخام.
اظهار أخبار متعلقة
وأتاح تقليص صادرات الوقود للصين استخدام جزء أكبر من إنتاج مصافيها في السوق المحلية، فضلاً عن تحويل بعض الخام الذي كان سيخصص لإنتاج منتجات موجهة للتصدير إلى منتجات أخرى تحتاجها السوق الصينية، بينها النافثا والغاز النفطي المسال وزيت الوقود.
وترى الصحيفة أن انخفاض هوامش أرباح المصافي نتيجة توجيه الإنتاج إلى السوق المحلية بدلاً من التصدير يمثل كلفة تستطيع الحكومة الصينية تحملها، نظراً لملكية الدولة لقطاع واسع من شركات الطاقة وقدرتها على توجيه قراراتها.
خفض الطلب المحلي
لكن المخزونات وقيود التصدير لا تفسر وحدها الانخفاض الكبير في واردات الصين، بحسب التحليل، إذ لجأت الحكومة إلى الأداة الثالثة، وهي تقليص الاستهلاك المحلي.
وفي يونيو/حزيران، عالجت المصافي الصينية 2.7 مليون برميل يومياً أقل من الخام مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، فيما انخفض إنتاج البنزين بنسبة 14%، وتراجع إنتاج الديزل ووقود الطائرات بنسبة 21% لكل منهما.
اقرأ أيضا: الإرادة النسوية الجزائرية تحسم “ديربي الرباط” – الشروق أونلاين
وأشارت الصحيفة إلى مؤشرات على تراجع حاد في استخدام الوقود داخل الصين، بعدما سمحت السلطات بارتفاع أسعاره، ما دفع عدداً من سكان المدن إلى التخلي عن السيارات في تنقلاتهم اليومية والاعتماد بدلاً منها على مترو الأنفاق والدراجات وسيارات الأجرة، التي يعمل كثير منها بالطاقة الكهربائية.
وخلال عطلة وطنية استمرت أسبوعاً في مايو/أيار، ارتفع شحن السيارات الكهربائية على الطرق السريعة بنحو 55% مقارنة بالعام السابق، فيما عوضت القطارات جزءاً من تراجع الرحلات الجوية الداخلية. كما أجلت السلطات المحلية بعض أعمال البنية التحتية، ما أدى إلى خفض استهلاك الديزل.
ونقلت “ذي إيكونوميست” عن كيران هيلي من وكالة الطاقة الدولية أن الصين استهلكت خلال الشهرين الأولين من الحرب بنزيناً وكيروسين أقل بنحو 10% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
الاقتصاد الصيني يتحمل الصدمة
كما تكيف قطاع البتروكيماويات الصيني، وهو الأكبر عالمياً، مع نقص المواد الخام القادمة من الخليج، بعدما كانت المصانع تستخدم كميات كبيرة من النافثا والغاز النفطي المسال لإنتاج البوليمرات، مثل PVC والمطاط الصناعي والنايلون والبوليستر.
ومع تراجع الإمدادات الخليجية وصدور توجيهات حكومية بإعطاء الأولوية لإنتاج الوقود على المواد الأولية للبتروكيماويات، لجأت شركات القطاع إلى استخدام الفحم والإيثان لإنتاج بعض البوليمرات بدلاً من المواد النفطية التقليدية.
وترى الصحيفة أن التأثير الاقتصادي لهذه الإجراءات التقشفية على الصين يبدو قابلاً للإدارة، في ظل الاستثمارات الحكومية على مدى سنوات في الطاقة المتجددة والنقل الأخضر، فضلاً عن وجود طاقات إنتاجية فائضة ومخزونات كبيرة في قطاعات البتروكيماويات.
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب التحليل، تفسر هذه الهوامش الاحتياطية عدم حدوث ارتفاع حاد في أسعار المنتجين، وبقاء أسعار المستهلكين تحت السيطرة. ورغم نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة 4.3% في الربع الثاني، وهو أبطأ معدل منذ أواخر عام 2022، فإن هذا التباطؤ يرجع بدرجة أكبر إلى ضعف الاستثمار وتداعيات أزمة العقارات، وليس إلى نقص النفط.
لكن الصحيفة تحذر من أن المخزونات الصينية من الخام والوقود والبوليمرات، رغم ضخامتها، تظل محدودة. فالصين، على خلاف “أوبك” التي تستطيع نظرياً الاستمرار في خفض الإنتاج لسنوات، لا يمكنها مواصلة خفض وارداتها بمقدار 5.5 ملايين برميل يومياً إلى أجل غير مسمى.
وخلصت “ذي إيكونوميست” إلى أن حرب إيران أظهرت، رغم ذلك، قدرة الصين على تحقيق تأثير منفرد في استقرار سوق النفط العالمية على مدى أشهر، عبر التحكم في حجم وارداتها واستهلاكها ومخزوناتها، في وقت تواجه فيه “أوبك” وحلفاؤها انقسامات متزايدة وتراجعاً في قدرتهم على التحكم بالسوق.
اقرأ أيضا: كلية الزراعة في عجلون الوطنية تنظم برنامجًا تدريبيًا لطلبتها
